مافياويّو لبنان حين يسهرون على تحقيق العدالة! 

استيقظ "جوزيف. ك" يوماً، ليجد رجليْن يقفان على الباب ويُخبرانه أنّه مطلوب للاستجواب. ساقاه من دون الإفصاح له عن تهمته. وفي مكتب التحقيق، استشرس المسكين، مع محاميه، في الدفاع عن نفسه. ما هي جريمتي؟ سؤالٌ ردّده "جوزيف. ك" مراراً وتكراراً. عبثاً يحاول. فالتهمة المجهولة "تلبسه لبساً".

هو الحدث- العقدة، لرواية “المحاكمة” الشهيرة للكاتب التشيكي فرانس كافكا المُعتبَر أفضل مَن كتب باللغة الألمانيّة. في تلك الرواية، الصادرة بعد وفاته بسنةٍ واحدة (1925)، يرسم كافكا الملقَّب بـ”دانتي القرن العشرين”، ملامح القهر والظلم والعبثيّة والعدميّة التي تحكم حياة البشر. يصوّر هذه الحياة وهي تسحق الإنسان. وتجرّده من كلّ طاقة قادرة أن تبقيه واقفاً.

وفي روايته التي تعنونها بعض الترجمات بـ”القضيّة”، تتوالى الأحداث بدراماتيكيّةٍ وعبثيّةٍ مطلقة. ولا سيّما، مع انسحاب المحامي بعدما أخفق في إنقاذ موكّله. ليظلّ “جوزيف. ك” وحيداً محبطاً يائساً بمواجهة منظومةٍ قضائيّةٍ طاغية. فبعد أن كان رجلاً نزيهاً يرأس أحد المصارف الكبيرة، يتحوّل بطل كافكا إلى رجلٍ متلاعب. وللخروج من المأزق الذي زُجَّ فيه، يلجأ إلى شتّى السُبل غير الشرعيّة. بعد انتظارٍ لحقيقةٍ لم تظهر أبداً. وأملٍ بإحقاق عدالةٍ لم تتحقّق أبداً. فانتهت الأمور باستسلام “جوزيف. ك” بعدما خرَّ عاجزاً عن إثبات براءته. عبر “المحاكمة”، يسترسل كافكا في استعراض كيفيّة تحويل منظومةٍ مستبدّةٍ ظالمة إنساناً مليئاً بالحياة، إلى مجرّد جسدٍ خالٍ من الروح. وأكثر. كيف تجعل الحياة الفاسدة البشرَ أناساً فاسدين! ولما لا، معتدين. أو مجرمين.

مثله مثل “جوزيف. ك”، استيقظ ابن جب جنّين البقاعيّة عبد الله الساعي على واقعةٍ مروّعة. لقد اكتشف ومعظم اللبنانيّين معه، أنّ الطبقة السياسيّة الحاكمة نهبتهم. أيقنوا أنّ أركان السلطة هندسوا، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، مخطّطاً للسطو الهادئ على المال العامّ إلى حدّ إفلاس الدولة. ومن ثمّ السطو السافر على مال اللبنانيّين الخاصّ إلى حدِّ منعهم من سحب ودائعهم المصرفيّة. كيف حدث ذلك؟

ليس صحيحاً أنّ الجانب الأكبر من الشرور، التي يتعرّض لها المواطن اللبناني، سببها التسلّط السياسي فقط. فالقضاء وقُضاته (معظمهم) هم “سدنة” السلطة والمنظومة والنظام. هم حُماة الباطل. ولا أحد يخسر في لعبة الباطل عندما تكون الحلقة مغلقة. إذْ عندما تنتهي سلطة القانون، يبدأ الطغيان

أفلست الدولة (بفعل السياسات الناجحة للسلطة)، وتراكمت ديونها بمستوياتٍ مهولة. فأوعزت جمعيّة المصارف إلى البنوك لحجز ما لديها من أموالٍ مودعة تخصّ حوالي ثلاثة ملايين لبناني. يتوزّعون على ثلاث فئات. الفئة الأولى (أكثر من واحد بالمئة قليلاً من المودعين)، تضمّ أصحاب المليارات؛ والثانية (أقلّ من ثمانية بالمئة قليلاً)، يرتع فيها أصحاب الملايين؛ أمّا الفئة الثالثة (أكثر من 92 بالمئة)، فهم المواطنون الذين لا يتخطّى سقف أعلى ودائعهم الثلاثمئة ألف دولار (غالبيّتهم طبعاً تمتلك أقلّ من هذا المبلغ بكثير). أصحاب الملايين والمليارات تمكّنوا، بقدرة قادر، من إخراج أموالهم (أو معظمها) قبل الانهيار الكبير. كيف لا، وهم “العارفون” بما ستؤول إليه الأمور.

والشيء بالشيء يُذكَر. فلقد غطّت جمعيّة المصارف تحويلات رساميل اللبنانيّين المدجّجين بالثروات إلى الخارج (وغالبيّتهم من عناصر المافيا الحاكمة وفروعها الناشطة). ومنعت على المواطنين العاديّين، بالمقابل، كلّ السحوبات بالدولار لأموالهم المودعة في البنوك. لماذا؟ لقد برّرت قرارها الشنيع والإجرامي، بأنّه يهدف إلى عدم خروج الرساميل من لبنان! أي، أموال الناس العاديّين التي كانت قد سلّفتها للبنك المركزي (رأس حربة المافيا). والبنك المركزي موّل الدولة من هذه الأموال. والدولة بدّدت الرساميل أو سرقها المافياويّون إيّاهم. كان هذا، باختصار، التكتيك وآليّة العمل لافتراس مدّخرات اللبنانيّين. وإقناعهم بأنّ ملكيّتهم الخاصّة قد استحالت إلى مالٍ عامّ. إلى ودائع في مصرف لبنان. ودائع تمّ التصرّف بها للمصلحة العامّة. للخدمة العامّة. لتأمين ضرورات العيش! طبعاً، بإمكانكم افتتاح سوق عكاظ هجاء المنظومة الحاكمة، بكلّ فروعها، بقصيدة شاعر العراق مظفّر النوّاب “يا أولاد القحبة..”! وبعد؟

المواطن عبد الله الساعي هو إحدى ضحايا أهمّ “هندسة سطو” (على الشعب) في التاريخ. أدرك، بعد نحو ثلاثين شهراً من الانتظار، أنّ الخمسين ألف دولار التي أودعها في أحد المصارف اللبنانية ذهبت مع الريح. ما العمل؟ تساءل في سرّه والتفت إلى قصور العدل. إلى تلك الحفنة من الرجال المفترض أنّهم حُماة الحقوق. ألَمْ يُقسِموا اليمين القانونيّة على أن يكونوا مستقيمين في أداء واجبهم؟ متعاضدين في مواجهة الظلم مهما اشتدّت عليهم المشقّات؟ بلى. ألَمْ يُقسِموا بالله العظيم أن يحافظوا على استقرار المجتمع ويحموا مقدّرات الدولة؟ ألَمْ يتعهّدوا بأن يكونوا في خدمة الشعب الذي يحكُمون باسمه، بعيداً عن كلّ تحيّزٍ أو استنسابيّةٍ أو فئويّة؟ أيضاً بلى.

لقد أقسموا وتعهّدوا ووعدوا. لكنّهم نكثوا قَسَمهم وتعهّدهم ووعدهم. ملؤوا الأدراج بعشرات ومئات وآلاف الدعاوى التي تقدّم بها المودعون. تركوها لتلتهمها الفئران. أين حقوقنا؟ أين أموالنا؟ سأل عبد االله الساعي ورفاقه. عبثاً يحاولون. يئسوا وأُحبِطوا بمواجهة منظومةٍ قضائيّة جائرة ومأجورة (معظمها). تماماً مثل “جوزيف. ك” آنف الذكر. ففي لبنان، يكاد القضاء يستنفد منّا الصدمات. الواحدة تلو الأخرى. فكأنّه ينبري إلى منافسة أسوأ سلطةٍ تنفيذيّة عرفها البلد. الأسوأ في تاريخه، على الإطلاق. حتّى في أعتى الحقبات الاحتلاليّة والوصايتيّة.

ليس صحيحاً أنّ الجانب الأكبر من الشرور، التي يتعرّض لها المواطن اللبناني، سببها التسلّط السياسي فقط. فالقضاء وقُضاته (معظمهم) هم “سدنة” السلطة والمنظومة والنظام. هم حُماة الباطل. ولا أحد يخسر في لعبة الباطل عندما تكون الحلقة مغلقة. إذْ عندما تنتهي سلطة القانون، يبدأ الطغيان. ويرتاح الحاكم. فهو “إذا اطمأنّ إلى أنّ أظافره لن تُقلَّم، مضى في بطشه لا يخشى أحداً .والمستبدّ هو، غالباً، من أجبن الناس. لكنّ ما يُغريه بالظلم والبطش هو اللّاعقاب”، يقول المفكّر الإسلامي محمد الغزالي. وهذا اللّاعقاب هو بيت القصيد، يا أصدقاء. هو أساس البلاء. هو مَن استولد عبد الله الساعي. و”سيفقّس”، حتماً، عبد اللّات آخرين. نعم. فحين تصبح الدولةُ دولةَ اللّاعقاب، كلّ شيء يصبح متاحاً ومباحاً. ماذا يعني هذا الاستنتاج؟

مئتان وأربعة قتلى في انفجار مرفأ بيروت، لم تُسقِط شعرةً من رأس مسؤولٍ واحد في لبنان! ولا داعي للندبيّات في كلّ مرّة نتحدّث فيها عن مذبحة العنبر 12 في المرفأ. دعونا نركّز على اللّاعقاب. لاعقابهم. فاستعصاء محاسبة المافيات المتحكّمة ببلدنا ومواطنيه، هو السبب المباشر والأساسي لذبول انتفاضة 17 تشرين

كثيرون منّا يذكرون تفجُّر “فضيحة سولكينغ” في ذاك الخميس الأسود في الجزائر. يومها، في 22 آب/أغسطس 2019، كان الجمهور على موعد مع حفلٍ لمغنّي “الراب” الجزائري المغترب “سولكينغ”. ومع انسياب أولى النغمات وقعت المأساة. فبفعل التدافع، قُتِل خمسة شبّان (أعمارهم بين 13 و22 سنة). قيل إنّ السبب يعود إلى “سوء تنظيمٍ” لا أكثر. لكنّ التحقيقات كشفت الفساد الضارب “في قطاع الثقافة”. تبيّن أنّ جهاز “الديوان الجزائري لحقوق المؤلِّف والحقوق المجاورة” قد باع آلاف التذاكر التي تفيض عن طاقة استيعاب ملعب “20 أوت” (حيث أُقيم الحفل). الغاية، طبعاً، مضاعفة نسبة الأرباح. ثار الرأي العامّ الجزائري من عُقاله. كان لا بدّ من تحميل المسؤوليّات للمتسبّبين بالكارثة. وسرعان ما سقطت ثلاثة رؤوس كبيرة، دفعةً واحدة. أحدهم يشغل منصباً أمنيّاً رفيعاً. نعني مدير الأمن الوطني. بعض الصحافة الجزائريّة اعتبرت تلك “الإقالات” هزيمةً لمبدأ اللّاعقاب الذي ساد طويلاً في الجزائر.

إقرأ على موقع 180  الأبعاد النفسيّة-الروحيّة للتّغيير والثّورة.. "الجهاد الأصغر" و"الجهاد الأكبر"

هل تنكأ هذه المعلومة جراحكم يا لبنانيّين؟ نعم. مئتان وأربعة قتلى في انفجار مرفأ بيروت، لم تُسقِط شعرةً من رأس مسؤولٍ واحد في لبنان! ولا داعي للندبيّات في كلّ مرّة نتحدّث فيها عن مذبحة العنبر 12 في المرفأ. دعونا نركّز على اللّاعقاب. لاعقابهم. فاستعصاء محاسبة المافيات المتحكّمة ببلدنا ومواطنيه، هو السبب المباشر والأساسي لذبول انتفاضة 17 تشرين. وللإحباط الذي سيطر على مشهديّة ما بعد الانتفاضة.

فجميع لصوص النظام لم يتزحزحوا قيد أنملة. سقوطهم الأخلاقي ومطاردتهم في الشارع لا يعنيان شيئاً في قاموس “الثورات”. فهُم لا يزالون يحافظون، إلى هذه الساعة، على كلّ مواقعهم. في كلّ مفاصل الدولة. لا بل وأكثر. يشنّون الهجومات المضادّة علينا. على الناس. يلعبون بالدستور. يلهون بالقوانين والتشريعات. يرفعون، هم، الدعاوى لتأبيد الحصانات على أركان السلطة. وبعدما هتكوا عِرْض القضاء، انتقلوا إلى تهديد القُضاة “المشاغبين”. هدّدوهم بالإلغاء. خاف القُضاة المدجَّنون أصلاً (معظمهم). قالوا نعم للّاعقاب. وعندما نقول حصانة، فكأنّنا نقول للإنسان “إفعلْ ما شئت. فلن يكون هناك عواقب لتصرّفاتك. التخويف والتهديد والاعتداءات والقتل ستمرّ كلّها من دون عقاب”!

عبد الله الساعي انتظر كسائر اللبنانيّين واللبنانيّات. وحتّى مساء الإثنين الماضي، كان لا يزال ينتظر محاسبة ولو مسؤولٍ واحد عن عشرات ملفّات الفساد وهدْر المال العامّ. كان لا يزال يأمل في أن يحكم القضاء ولو على مرتكبٍ واحد ويعوِّض خسارته لمدّخراته الشخصيّة (مع مئات ألوف المودعين). هو لا يفهم بالقانون. لكنّه يفهم بالعدل. لأنّ العدل لا يحتاج، طبعاً، إلى فهم، بقدْر ما يحتاج إلى إحساس. وعندما لم تُنصف مطرقة عدالة القضاء عبد الله، سعى إلى صنع عدالته الخاصّة. بعيداً عن عدالة الدولة والقانون. وفجأةً، تذكّر قول أحد “كبار قومنا” وهو يصدح بتحدٍّ هازئ: “لا يلجأ إلى القضاء إلاّ الضعيف”. “ولماذا لا أكون من الأقوياء؟”، قال ابن جب جنّين في سرّه. حزم أمره وتوجّه في الصباح إلى هدفه. وفعل ما فعل. فالانتقام يشفي الغليل. مهما كان شكل هذا الانتقام. وفي ظلّ ثقافة الإفلات من العقاب، يتشوّه توازن الفرد الصحّي، بشكلٍ كبير. بل، توازن المجتمع كلّه. لبنانيّون كُثُر حسدوا عبد الله الساعي على كيفيّة “تحريره” لوديعته المصرفيّة. تمنّوا لو كانوا يستطيعون أن يفعلوا ما فعل.

كلمة أخيرة. يقول الفيلسوف الفرنسي المختصّ بفكر غاندي Jean-Marie Muller: “ليس القانون هو الذي يُملي ما هو عادل. بل إنّ العدالة هي التي تفرض ما هو قانوني. وعندما يكون الصراع بين القانون والعدالة، فعلينا أن نختار العدالة ونعصي الشرعيّة. لأنّ ما يجب أن يُلهم الإنسان في سلوكه، ليس ما هو شرعي بل ما هو مشروع”. إقتضى التمييز.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  سلاح الطاقة الجيوسياسى.. يتحكم بأمن العالم