الموساد يجنّد وحشاً نازياً.. والهدف برنامج مصر الصاروخي (13)

يقول الكاتب رونين بيرغمان انه في العام 1963 وبعد ان أدى هَوسُ رئيس "الموساد" "ايسر هاريل" بملاحقة العلماء الالمان المشرفين على البرنامج الصاروخي المصري الى الاطاحة به واستبداله بـ"مائير اميت" رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية "امان"، شعر رئيس الحكومة ديفيد بن غوريون بانه خسر دعم حزبه، فاستقال ليحل محله "ليفي اشكول".

في غضون ذلك، كانت مصر تواصل تجاربها الصاروخية الناجحة التي وصلت الى اربعة تجارب بحسب رونين بيرغمان في كتابه “إنهض واقتل اولاً، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الاسرائيلية“. اولى مهمات الضابط اللامع “مائير اميت” الذي كان العقل المخطط للعدوان على مصر عام 1956 هي رفع المعنويات المنهارة لجهاز “الموساد” جراء سلسلة الاخفاقات في مواجهة البرنامج الصاروخي المصري.

انكب “اميت” على اعادة بناء جهاز “الموساد” عبر تزويده بافضل الكفاءات البشرية التي إخترها في موقعه على رأس جهاز “امان“، وامر بوقف كل المصاريف الخارجية المبالغ بها كما امر بتخفيض كبير في الموارد التي كانت مخصصة لمطاردة من اسماهم بـ”المجرمين النازيين” قائلا “الامر يتعلق بالاولويات، فقبل كل شيء علينا تركيز الجهود على الاعداء الحاليين للدولة الاسرائيلية”.

وفي هذا الاطار، غير “اميت” توجه “الموساد” حيال البرنامج الصاروخي المصري من تركيز الجهود لمطاردة العلماء الالمان الى وضع كل الامكانيات لمعرفة ماذا يجري داخل هذا البرنامج والى اين وصلت القدرات الصاروخية المصرية. هذا في العلن، بحسب ما يقول بيرغمان، اما سراً، فقد حضّر “اميت” لائحته الخاصة لاغتيال العلماء الالمان، وذلك عبر ارسال الرسائل المفخخة من داخل مصر نفسها لتوفير الوقت والجهد الذي يتطلبه ارسالها من الخارج مع التركيز على الاهداف السهلة التي كان من ضمنها الطبيب “هانس ايزيل” الذي كان يعيش في منطقة “المعادي” في القاهرة تحت اسم “الدكتور كارل ديبوشي”، غير أن الرسالة الموجهة اليه انفجرت بيدي ساعي البريد وتسببت له بالعمى.

لقد تسبب فشل عملية اغتيال الطبيب الالماني باعادة “اميت” النظر مجددا في عمليات القتل هذه كي لا تتسبب لجهاز “الموساد” بمزيد من احراجات الفشل امام القيادة السياسية. فاعطى اوامره لـ”الموساد” بتحضير خطط الاغتيال للعلماء الالمان اما باطلاق النار او بالعبوات الناسفة او بدس السم، كما امر بتشديد المراقبة على كل المكاتب التي على صلة بالبرنامج الصاروخي المصري في كل من المانيا وسويسرا وتصوير كل ما يمكن ان تصل اليه يد “الموساد” من وثائق لكن ذلك لم يكن بالامر السهل، فقد شددت المخابرات المصرية تدابير الامان على تلك المكاتب عبر عملاء الخبير الامني الالماني “هيرمان فالنتاين” اضافة الى الحراسة المشددة من قبل اجهزة الامن الاوروبية المحلية التي لم تكن تتهاون في تطبيق القانون.

برغم ذلك، نفذ عملاء “الموساد” في الفترة الممتدة بين شهر اغسطس/اب 1964 وشهر كانون الأول/ديسمبر 1966 اكثر من 56 عملية سطو على مكاتب شركة مصر للطيران في فرانكفورت والملحقية التجارية المصرية في مدينة “كولون” ومكاتب شركة “انترا” في ميونيخ، وبلغ عدد الوثائق التي جرى تصويرها حتى نهاية العام 1964 حوالي ثلاثين الف وثيقة، وعلى الرغم من اهمية هذه الوثائق غير انها لم تكن كافية لاعطاء صورة واضحة عن تطور البرنامج الصاروخي المصري، فقرر “الموساد” تجنيد احد ما داخل البرنامج نفسه، وقد كانت هذه المهمة صعبة للغاية فتم تكليف وحدة تسمى “المفصل” لتنفيذها وقد كان عناصر هذه الوحدة مدربين جيدا كما ان معظمهم كانوا خبراء نفسيين يعرفون كيف يقنعون شخصاً ما لكي يخون كل شيء وكل شخص وكل ما يؤمن به من اصدقائه وعائلته الى منظمته ووطنه.

يضيف بيرغمان، أن عملاء وحدة “المفصل” لم يتمكنوا من تجنيد احد على معرفة بالبرنامج الصاروخي مباشرة فتحول امر تجنيد العملاء العرب الى اولوية استراتيجية بعيدة المدى ولكن على المدى القريب كان على عملاء “المفصل” العمل لايجاد شيء اخر لان عقارب الساعة تجري بسرعة والبرنامج الصاروخي المصري يتطور أيضاً.

في نيسان/أبريل 1964، أرسل “اميت” “رافي ايتان” الى باريس، التي كانت تعتبر مركز العصب الرئيس للاستخبارات “الاسرائيلية” في اوروبا، ليقود عمليات وحدة “المفصل” في كل القارة، بعدما كانت كل عمليات هذه الوحدة لتجنيد اي من العلماء الالمان قد باءت بالفشل نظرا للتدابير الامنية الصارمة حولهم والتي كان يفرضها الخبير الامني “فالنتاين” الذي اصبح يشكل بدوره عقبة كأداء أمام “الموساد”. لذلك، انصبت جهود الاستخبارات “الاسرائيلية” على كيفية التعامل معه، واسفرت تلك الجهود عن اصطياد سمكة اكبر بكثير منه، بحسب رونين بيرغمان.

استطاع “شورزيني” الفرار بمساعدة اصدقاء سابقين له في جهاز “اس اس” واتخذ من اسبانيا تحت حكم الدكتاتور فرانكو ملجأ حيث انشأ علاقات تجارية واسعة مع انظمة فاشية في العالم كما كان على تواصل مع العلماء الالمان في مصر

يقول الكاتب ان منسق عمليات “المفصل” في مدينة بون الالمانية “ابراهام اهيتوف” جاء الى باريس في شهر أيار/مايو 1964 للقاء مديره “ايتان” حاملا معه فكرة تجنيد شخصية مثيرة للجدل تتولى بيع اسلحة ومعلومات استخبارية للنظام المصري برئاسة جمال عبد الناصر، وهو على علاقة وطيدة مع العلماء الالمان. ولكن هناك مشكلة صغيرة في هذا الشخص، بحسب ما قال “اهيتوف” لمديره، وهي ان هذا الشخص ويدعى “اوتو شورزيني” كان قائد العمليات الخاصة في الجيش النازي والمفضل عند هتلر نفسه بين كل ضباطه. يضيف بيرغمان ان “ايتان” صعق بفكرة “اهيتوف” ورد عليه بسرعة وبسخرية “رائع.. وانت تريد ان تجند اوتو هذا؟” فرد عليه “اهيتوف” بالقول “هناك مشكلة صغيرة اخرى ايضا وهي ان اوتو كان نازيا حتى النخاع وعضوا في جهاز الاستخبارات النازي “اس اس“، واضاف “اهيتوف” قائلا لمديره انه في العام 1960، وفي اطار حملة مطاردة مجرمي الحرب النازيين، امر رئيس “الموساد” حينها “ايسر هاريل” بجمع كل ما امكن من معلومات عن “أوتو شورزيني” بهدف سوقه للعدالة او قتله. وبحسب ملفه عند “الموساد”، فان “شورزيني” كان عضوا متحمسا في الحزب النازي النمساوي وهو في عمر الثالثة والعشرين وانضم الى الاستخبارات النازية “اس اس” في العام 1935 وشارك في عملية ضم النمسا الى المانيا النازية، وتسلق سلم الرتب بسرعة قياسية حيث اصبح قائد وحدات العمليات الخاصة في الـ”اس اس”. ومن ضمن اعماله انه انزل بالمظلات مع احدى وحداته في ايران خلف خطوط الحلفاء ودرب قبائل محلية على عمليات تفجير انابيب النفط التي كانت تخدم جيوش الحلفاء في الحرب كما خطط لعملية اغتيال لم يكتب لها النجاح واستهدفت في الوقت نفسه تشرشل وستالين وروزفلت كما خطط لخطف وقتل الجنرال دوايت اينزنهاور في العام 1944 وايضا يعود له الفضل في نجاح عملية “غران ساسو” التي نفذها بامر من هتلر شخصيا لانقاذ صديقه وحليفه الدكتاتور الفاشي الايطالي بنيتو موسوليني الذي كانت تحتجزه الحكومة الايطالية سجينا في فيلا في منطقة جبال الالب.

ويضيف بيرغمان، ان اجهزة استخبارات الحلفاء كانت تعتبر “شورزيني” الرجل الاخطر في كل اوروبا، وعندما جرى اعتقاله بتهم غير جرائم الحرب، استطاع الفرار بمساعدة اصدقاء سابقين له في جهاز “اس اس” واتخذ من اسبانيا تحت حكم الدكتاتور فرانكو ملجأ حيث انشأ علاقات تجارية واسعة مع انظمة فاشية في العالم كما كان على تواصل مع العلماء الالمان في مصر. ونظرا لهذا التواصل ولحقيقة كون “شورزيني” سابقا الضابط المسؤول عن الخبير الامني في مصر “فالنتاين”، فان ذلك كان كافيا بنظر “ايتان” لمحاولة تجنيده بالرغم من كل ماضيه النازي.

وافق “إيتان”، لكن بقى السؤال الأساس، ما هو الطريق الأضمن لتجنيد هذا الضابط النازي الكبير للعمل لمصلحة دولة “اسرائيل”؟

يقول بيرغمان ان عملاء “الموساد” استطاعوا عبر عدة وسطاء الوصول الى زوجة “شورزيني” وهي “الكونتيسة ايلسي فون فينكينشتاين” (45 سنة) التي اصبحت مدخلا لعمليتهم في تجنيد زوجها. وبحسب ملف الكونتيسة لدى “الموساد” فانها كانت تنتمي لأسرة ارستقراطية وهي ابنة عم وزير المالية الالماني “جالمار شاخت” (قبل الحرب العالمية الثانية) وكانت سيدة جذابة وجميلة وممتلئة حيوية.

ينقل  بيرغمان عن “رافائيل ميدان” ضابط “الموساد” المولود في المانيا والذي كلف بالعملية قوله عن الكونتيسة انها كانت منخرطة في شتى انواع النشاطات ذات المردود المالي من بيع الالقاب الشرفية والنبيلة الى بيع الاسلحة وكانت علاقتها جيدة بجهاز الاستخبارات التابع للفاتيكان

وينقل  بيرغمان عن “رافائيل ميدان” ضابط “الموساد” المولود في المانيا والذي كلف بالعملية قوله عن الكونتيسة انها كانت منخرطة في شتى انواع النشاطات ذات المردود المالي من بيع الالقاب الشرفية والنبيلة الى بيع الاسلحة وكانت علاقتها جيدة بجهاز الاستخبارات التابع للفاتيكان. ويضيف “ميدان” ان الاهم من كل ذلك هو انها كانت وزوجها يتبادلان الافكار الليبرالية في العلاقات الزوجية اذ لم يكن لديهم اولاد وكانت هي تقوم بالعلاج بالهرمونات في سويسرا كل سنتين للحفاظ على نضارتها وشبابها.

وكان “ميدان”، بحسب بيرغمان، يملك سحرا خاصا على النساء بسبب جماله الاوروبي الذكوري، وبحسب احد تقارير “الموساد”، فقد جرى الاعداد بصورة جيدة للقاء يجمع بين “ميدان” والكونتيسة في مدينة دبلن الايرلندية في اواخر تموز/يوليو عام 1964 وقد قدم “ميدان” نفسه لها على انه من موظفي وزارة الدفاع “الاسرائيلية” وأنه شارف على التقاعد ويبحث عن فرصة لانشاء عمل في مجال السياحة وانه قد يهتم بالمشاركة بمشروع سياحي في جزر الباهاماس كانت الكونتيسة منخرطة فيه.

يضيف بيرغمان ان الكونتيسة اعجبت بالضابط “الاسرائيلي” واخذت علاقتهما تصبح حميمة وعندما انتهت احاديثهما عن العمل، دعته الكونتيسة الى حفلة في مزرعتها، وكان ذلك بداية سلسلة لقاءات تضمنت سهرات في نواد ليلية في انحاء عدة من اوروبا. وفي تلميح الى اقامة “ميدان” علاقة جنسية مع الكونتيسة، يقول احد تقارير “الموساد” ان “ميدان” قدم نفسه اضحية لبلاده، ولكن “ميدان” نفسه يرفض الكلام عن هذا الجزء من العلاقة، ويقول بابتسامة خبيثة ان الرجل النبيل لا يتحدث في هذه المواضيع.

في ليلة السابع من ايلول/سبتمبر 1964، إلتقى “ميدان” بالكونتيسة في مدريد وقال لها ان صديقا له من وزارة الدفاع “الاسرائيلية” يود ان يلتقي زوجها بشأن قضية مهمة جدا وان هذا الصديق موجود في اوروبا وينتظر اجابة. لم تكن عملية اقناع الكونتيسة بهذا اللقاء صعبة فيكفي انه ذكرها انه قبل اربع سنوات من ذلك التاريخ تمكنت الاستخبارات “الاسرائيلية” من العثور على النازي “ادولف ايخمان” والقبض عليه وسوقه للمحاكمة في تل ابيب واعدامه وان عملية مشابهة تطال زوجها “شورزيني” لن تكون صعبة في ظل النفوذ الاستخباري “الاسرائيلي” في العالم وان العرض الذي لن تستطيع الكونتيسة ولا زوجها رفضه هو الحياة بلا خوف.

عندما اراد “شورزيني” تزويدي برقم هاتف من مفكرته اخرج من جيبه نظارة بسلسلة توضع على عين واحدة، ووضعها في حجرة عينه اليمنى فبدا حينها مع هذه النظارة وتكاوين جسده الضخمة واثار الجرح على وجهه ونظرته العدائية نموذجا كاملا لضابط نازي

في صباح اليوم التالي، وبعد ليلة طويلة من السكر والتدخين، ابلغت الكونتيسة “ميدان” بسعادة بالغة ان زوجها على استعداد للقاء صديقه في المساء اذا كان ذلك ممكنا. على الفور، اتصل “ميدان” بمديره “اهيتوف” وطلب منه المجيء الى مدريد حيث نظم له لقاء مع “شورزيني” في صالة استقبال باحد الفنادق. وصلت الكونتيسة اولا الى اللقاء وهي في غاية الاناقة ووصل بعدها بربع ساعة زوجها الكولونيل “شورزيني” فما كان من “ميدان” بعد ان قدم الرجلان لبعضهما البعض الا ان اخذ الكونتيسة جانبا من اجل “محادثات عمل” وتركهما وحيدين.

وينقل بيرغمان عن احد تقارير “الموساد” عن الاجتماع قوله لقد كان صعبا جدا على “اهيتوف” ان يعقد مثل هذا الاجتماع كونه من اصول يهودية متشددة وتلقى تعليمه في مدرسة يهودية في المانيا وبالنسبة له فان مجرد عقد لقاء مع وحش نازي كان تجربة صادمة تفوق كل متطلبات العمل. اما “اهيتوف” وبحسب تقريره عن الاجتماع، فإنه يصف “شورزيني” بانه “عملاق بجسد قوي البنية على خده الايسر اثار جرح كبير يمتد الى اذنه جراء اصابة تسببت له بضعف في السمع في تلك الاذن ما حدا به ان يطلب مني ان اجلس الى يمينه كي يسمعني، وعندما اراد تزويدي برقم هاتف من مفكرته اخرج من جيبه نظارة بسلسلة توضع على عين واحدة، ووضعها في حجرة عينه اليمنى فبدا حينها مع هذه النظارة وتكاوين جسده الضخمة واثار الجرح على وجهه ونظرته العدائية نموذجا كاملا لضابط نازي. وما اكد هذه الصورة عنه انه وخلال عشائنا تقدم منه احد الاشخاص وطرق كعبي حذاءه ببعضهما البعض وحياه بالقول جنرالي، فاخبرني شورزيني حينها ان هذا الشخص هو صاحب المطعم وكان نازيا من هذه الانحاء”.

ويضيف “اهيتوف” انه بعد حديث مطول عن الحرب العالمية وعن دوره الذي انكر خلاله اي مشاركة في اي من جرائم الحرب “شعرت انه لم يعد من جدوى من الاستمرار في لعبة “الغميضة”، فقلت له انني ضابط في الموساد، فاجابني انه لم يتفاجأ باننا وصلنا اليه وانه على استعداد لتبادل وجهات النظر معنا”. وكان تعبير “تبادل وجهات النظر” هو الطريقة الدبلوماسية المهذبة ليقول انه على استعداد تام للتعاون الكامل مع “اسرائيل”، وسارع الى السؤال: ما هو الثمن؟ ثم ذهب ابعد من ذلك بان حدد شروطه للتعاون والمساعدة وتلخصت بحصوله على جواز سفر نمساوي صالح باسمه الحقيقي وامر خطي بالعفو عنه والحصانة له طوال عمره من اية محاكمة على أن تكون موقعة من رئيس الحكومة ” ليفي اشكول” نفسه بالاضافة الى ازالة اسمه من لائحة النازيين المطلوبين للقتل وكمية من المال.

ى أن تكون موقعة من رئيس الحكومة ” ليفي اشكول” نفسه بالاضافة الى ازالة اسمه من لائحة النازيين المطلوبين للقتل وكمية من المال.

في الحلقة المقبلة: الموساد يخترق البرنامج الصاروخي المصري 

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
online free course