عن وهم “بيكفي إنك لبناني”!

على الرغم من أنه يحلو لمعظم اللبنانيين سماع أغنيات من نوع "لبنان رح يرجع"، إلا أنه بات من الضروري البحث عن أي لبنان "رح يرجع" في ظل التغيرات الإقليمية والدولية والمحلية.

إذا كان النظام السياسي الذي أنتجه إتفاق الطائف قبل ثلاثة عقود، قد أصبح في حكم الميت، ما هو دور لبنان ووظيفته كدولة/حاجز في المستقبل، وكيف تتم المحافظة على وحدته وحدوده واستمراره وإستقراره وتأمين فرص عمل مواطنيه، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي يمر بها والتي تدفع أبناءه إلى الهجرة بحثا عن لقمة عيش أو فرصة علم وعمل، وهل أموال المساعدات الموعودة (وعدنا إيمانويل ماكرون بمؤتمر إقتصادي ومساعدات هذا الشهر)، إن توفرت، قادرة على احياء دور إقتصادي ومن ثم مشاريع حيوية منتجة توفر فرص عمل للبنانيين؟

إذا نظرنا بواقعية إلى لبنان خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، سنجد أن الازدهار الاقتصادي الذي شهده في تلك الفترة، كان جزءا من دوره الوظيفي، وأمكن له أن يستفيد من الاضطرابات السياسية والأمنية الكبيرة التي شهدتها بعض الدول العربية وافتقارها للكفاءات البشرية في تلك الحقبة، مثلما إستفاد من الفورة النفطية في الخليج العربي. تدريجياً، أصبح لبنان بالنسبة للدول العربية، في تلك الحقبة الغابرة، هو الجامعة والمدرسة والمصرف والمصيف والمشفى ومرفأ الترانزيت وبوابة الشرق التجارية، وقد نجح في لعب هذ الدور والإفادة منه على مدى السنوات التي سبقت الحرب الأهلية وجزئيا في الفترة التي تلتها مباشرة.

إلا أنه وإلى جانب سياسة المحاور والنزاعات الإقليمية التي انعكست حصاراً وضغوطات وعقوبات على لبنان، فقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة نجاح الدول العربية وتحديدا الخليجية منها، في توفير بدائل سياحية وخدماتية ومصرفية للبنان، فضلا عن تطوير مرافقها السياحية والاقتصادية المحلية وأيضا قطاعاتها الخدماتية من جامعات ومستشفيات وتأهيل جيل جديد من الكفاءات المحلية، وانشاء سلسلة من المصارف برساميل ضخمة،  بالإضافة إلى تزايد العروض السياحية في دول أخرى توفر قدرا أكبر من الرفاهية والخدمات المتنوعة التي يمكن أن يوفرها لهم لبنان. كما أن دور لبنان كبوابة الشرق التجارية (الترانزيت) تأثر سلبا جراء الحرب في سوريا وأصيب بضربة قاصمة بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس الماضي، وربما ستؤدي عملية التطبيع بين دول الخليج وإسرائيل إلى انتفاء هذا الدور كليا، في ظل المشاريع المشتركة الكبيرة من سكك حديد وانابيب نفط، التي يتم التخطيط لها بين دول الخليج العربي وإسرائيل.

حتى أن ودائع اللبنانيين المغتربين في المصارف اللبنانية، والتي كانت تشكل عصباً مهما للعجلة الاقتصادية في لبنان، أضحت خاضعة لسيف العقوبات وتعقيدات أنظمة التحويل المالي وقوانين التهرب الضريبي ومحاربة الإرهاب وتبييض العملات، مما يعيق وصول تحويلات اللبنانيين وأيضا الكثير من التحويلات العربية بالعملات الأجنبية إلى لبنان.

دور لبنان كبوابة الشرق التجارية (الترانزيت) تأثر سلبا جراء الحرب في سوريا وأصيب بضربة قاصمة بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس الماضي، وربما ستؤدي عملية التطبيع بين دول الخليج وإسرائيل إلى انتفاء هذا الدور كلياً

ما هو الدور المستقبلي الذي يمكن للبنان القيام به وما هي طبيعة النظام الاقتصادي الذي سيعتمد عليه؟ هل التحول إلى الصناعة مثلا عوضا عن الخدمات هو الحل، وما هي المقومات التي يمكن أن تعزز خيارا من هذا النوع؟

بعض الدول العربية كمصر أو المغرب مثلا نجحت في استقطاب مصانع كبرى للسيارات ومحركات الطائرات وغيرها مما ساهم في تشغيل عشرات الالاف من العمال، معتمدة لتحقيق ذلك على شبكات طرق سريعة وخطوط سكك حديدية ومرافئ عملاقة. أما في لبنان، فلا تسمح المساحة الجغرافية ولا البنية التحتية من شبكات طرق ووسائل نقل وغيرها في توفير المعطيات اللوجستية اللازمة لقطاعات من هذا النوع، بالإضافة إلى أن الغلاء المعيشي في لبنان لا يسمح لليد العاملة المحلية بالمنافسة.

وإن لم يكن الحل بواسطة الصناعات الثقيلة، فماذا عن الصناعات المتوسطة والبسيطة والحرفية، وهل المقومات البسيطة اللازمة متوفرة في ظل مشكلات انقطاع التيار الكهربائي والمياه والوضع الأمني وعدم احترام القوانين، وابسطها التقيد بقوانين السير.

وهل الحل في الزراعة، وما هي الزراعات التي يمكن اعتمادها وما هي المساحات التي تحتاجها وماذا عن أنظمة الري والتسويق والتوضيب والتخزين؟.

لا يمكن للوضع ان يستمر على هذا المنوال، فحجم الديون الخارجية لن يتراجع بل أن الدولة اللبنانية ماضية في الاستدانة للحفاظ على نظام لم يعد قابلا للاستمرار.

إلى متى تستمر المكابرة؟

من المؤكد أنه في سبيل تحقيق التغيير يجب أن تتغير طريقة تفكير المواطن اللبناني بسوق العمل وعليه أن يتأقلم مع الواقع الجديد ويجب على جزء كبير من اللبنانيين التشمير عن سواعدهم والعمل في مهن اعتادوا على اعتبارها لا تليق بهم. على اللبنانيين أن يقتنعوا أن أغنية “بيكفي إنك لبناني” مجرد أغنية.. ووهم.

برلين ـ محمد إبراهيم

صحافي وكاتب مقيم في برلين

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free