حُكم ناديا جدايل.. درع قضائي لبناني للمتظاهرين

بتاريخ 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، صدر عن القاضية اللبنانية السيدة ناديا جدايل حكم قضائي إستثنائي بأبعاده القانونية والأخلاقية والوطنية وبكونه يشكل إنعكاساً ساطعاً للقيم الاجتماعية والوطنية التي انتجتها انتفاضة 17 تشرين/أكتوبر 2019.

لم يكن أغلب اللبنانيين الذين انفجروا في شوارع العاصمة في العام 2015 اثر أزمة النفايات، يظنون أن حراكهم سيكون مدماكاً تراكمياً يسبب انتفاضة في العام 2019 ولربما ثورة شاملة لاحقاً.

وكما انفجر حراك العام 2015 مراكماً على إرهاصات تحركات العام 2011 (الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي)، استشرفت ثلة من المحامين قبل سنوات حراكاً مجتمعياً مستمراً بحكم ديمومة توفر أسبابه الناشئة عن تفشي الفساد وغياب المسؤولية الوطنية والأخلاقية عند أغلب الطبقة السياسية الحاكمة، فاطلقوا “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” في العام 2015.

ولأن أي حراك شعبي وطني تغييري اصلاحي سيواجه من الطغمة الحاكمة بكل أشكال العنف والقمع وانتهاك الحقوق والحريات ومخالفة القوانين، ارتأت لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين خوض مسار قضائي طويل ومعقد، يهدف، ليس فقط لحماية المتظاهرين الذين تمّت ملاحقتهم في العام 2015 عبر تأمين حقوق الدفاع لهم (أي الأثر الآني للحماية القانونية)، إنما تسخير ملاحقات الدولة البوليسية آنذاك وتحويلها الى معركة قضائية لتكريس مبادئ قانونية ودستورية حمائية على رأسها حرية التعبير وحق التظاهر والتجمع وغيرها، وهذا ما عرّفته لجنة المحامين بالتقاضي الإستراتيجي (اي الأثر المستمر والمتمادي في الحماية القانونية).

لتحقيق غايات التقاضي الإستراتيجي المنوه عنها وضعت لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين نصب أعينها أهدافاً محددة قابلة للقياس والقدرة على الضغط لتطبيقها وتحقيقها ومنها:

  • وجوب تطبيق المادة 47 أ.م.ج (أصول المحاكمات الجزائية) والسماح للموقوف بمقابلة محامي.
  • الضغط باتجاه حضور المحامي جلسة التحقيق الأولي مع الموقوفين (وقد تحقق هذا الامر في العام 2020 عبر التعديل الذي لحق المادة 47 أ.م.ج بجهد موصوف من نقابة المحامين).
  • تضييق حدود صلاحية المحاكم الإستثنائية وعلى رأسها المحكمة العسكرية سيما لناحية محاكمة المدنيين ومنع التوسع في تطبيق المادة 24 من قانون القضاء العسكري (إختصاص المحكمة العسكرية).
  • تكريس حرية التعبير وحق التجمع والتظاهر على أنها من الحقوق الاساسية للإنسان وبالتالي رفض أحكام البراءة القائمة على مبدأ عدم توفر الدليل والضغط باتجاه إصدار أحكام بكف التعقبات على أساس عدم توافر عناصر الجرمية لكون المدعى عليهم يمارسون حقوقهم الدستورية.
  • منع الإعتداء الجسدي على المتظاهرين عبر اخضاعهم الفوري للمعاينة من قبل طبيب شرعي، وترتيب الملاحقة القضائية اللازمة بذلك.

وقد شكّل ملف الدعوى الناشئ عن مظاهرة 8 تشرين الأول/أكتوبر 2015 المختبر القضائي المناسب بالنسبة للجنة المحامين لتحقيق بعض الاهداف المرسومة أعلاه.

أولى الأهداف التي تم تحقيقها، تمثل بالقرار المعلل الصادر بتاريخ 20 آذار/مارس 2017 عن المحكمة العسكرية الدائمة، والذي بتّ بمذكرة الدفوع الشكلية وقضى بكف يد المحكمة العسكرية عن توسيع حدود إختصاصها في ما خص مواد الإدعاء الفضفاضة المثارة بحق المدعى عليهم (المواد 733 و346 و348 من قانون العقوبات) وحصر إختصاصها بالنظر بالإدعاء المبني على المادة 381 عقوبات حصراً.

إثر الفوز بحكم البراءة للمدعى عليهم أمام المحكمة العسكرية بتاريخ 24 نيسان/أبريل 2017، تم التفرغ لخوض نقاش قانوني أمام حضرة القاضي المنفرد الجزائي في بيروت الرئيسة ناديا جدايل والقائم على أساس قدسية الحقوق والحريات الأساسية والدستورية للمواطن اللبناني “Droits et libertés fondamentaux et constitutionnelle”.

إن القاضي يصدر أحكامه باسم الشعب اللبناني، فهو الناطق بلسان كل فرد من المجتمع (يعيش الألم نفسه، يتنشق رائحة النفايات نفسها، يتحمل الأعباء والازمات الإقتصادية نفسه)

بتاريخ 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، صدر عن الرئيسة ناديا جدايل المحترمة حكم قضائي إستثنائي بأبعاده القانونية والأخلاقية والوطنية، حقّق غايات واهداف التقاضي الإستراتيجي المرسوم من قبل لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين، وشكل – كاجتهاد قضائي- درعاً حمائياً لكل مواطن شريف ينشط في ساحات النضال الوطني في وجه الفساد والفاسدين، إذ قضى بإبطال التعقبات المساقة بحق المدعى عليهم جميعاً، بناءً على أساس قانوني ودستوري وأخلاقي لافت يمكن إيجازه بالنقاط التالية:

  • وجوب أن تكون احكام القضاء الذي يحكم باسم الشعب ناطقة بلسان كل فرد من المجتمع ومعبرة عن القيم المجتمعية للشعب. “… إن القاضي يصدر أحكامه باسم الشعب اللبناني، فهو الناطق بلسان كل فرد من المجتمع (يعيش الألم نفسه، يتنشق رائحة النفايات نفسها، يتحمل الأعباء والازمات الإقتصادية نفسها)…”
  • إن حرية التعبير ركيزة من ركائز المجتمعات الديمقراطية. “إن لحرية التعبير مكانة بارزة في المجتمعات الديمقراطية، إذ تعتبر إحدى الركائز الاساسية لتقدّم وتطوّر النظام الديمقراطي ويقتضي ضمان تمتع الافراد بها لتشجيعهم على المشاركة في الامور المتعلقة بمصالح المجتمع…”.
  • إن حرية الرأي والتعبير والتظاهر المنصوص عنها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 20 منه)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للعام 1966 (المادة 21 منه)، والميثاق العربي لحقوق الإنسان (البند 6 من المادة 24 منه) والمصادق عليها جميعها بموجب قوانين لبنانية نافذة، إضافة الى نص الدستور اللبناني اليها (المادة 13 منه)، يجعل الدولة اللبنانية ملزمة دولياً وعربياً ودستورياً بتكريس حرية التعبير والحق بالتظاهر، ويوجب على القضاء حماية هذا الحق، ويفرض على السلطات جميعها ضمانة حسن ممارسة حق التعبير والتظاهر والتعاطي مع ممارسي هذا الحق كدولة قانون وليس كدولة بوليسية.
إقرأ على موقع 180  مبادرة نقابة المحامين.. فرصة ولكن

“… وحيث انه في ظل ما تقدم، يمكن الإستنتاج أن حرية التعبير والتجمع أصبحا بذلك من الحقوق والحريات الأساسية “Droits et libertés fondamentaux” المحمية بقاعدة قانونية عليا ويقتضي تكريسها بوسائل قضائية ناجعة، علماً أن ضمان الحريات الاساسية يتناسب مع دولة الحق Etat de droit التي يتحتم على القضاء وجميع الاجهزة إرساؤها.

وحيث بذلك يكون لبنان ملزماً دولياً وعربياً وداخلياً بتكريس وحماية حرية التعبير عموماً والحق في التجمع السلمي خاصة، ويتوجب على القضاء العدلي لا سيما الجزائي حماية هذا الحق لجعله قابلاً للممارسة فعلياً، كي لا يبقى حقاً نظرياً قاصراً عن تحقيق الغاية التي تم تكريسه من أجلها…،

وحيث أنه يمكن القول إذاً أن الحق في المشاركة ضمن تجمعات شعبية في سبيل ابداء الراي بصورة جماعية من أداء السلطة السياسية، الذي هو وجه من وجوه حرية التعبير والحرية بالتجمع – بل هو واجب كل مواطن صالح يسعى الى تكريس مبدأ محاسبة المسؤولين عن أعمالهم في الدول الديمقراطية – وهو حق معترف به في القانون الوضعي اللبناني، ويستوجب بالتالي ضمانته وحمايته سواء من قبل القضاء اللبناني أو من كافة الأجهؤة المكلفة بحفظ الامن والنظام…”

 في زمن الإنهيار الشامل لمفهوم الدولة في لبنان في المجالات كافة، حيث عسس الفساد والإنحطاط الإخلاقي والوطني عند الطغمة الحاكمة جعل لبنان يتربع على المراكز الأولى للفساد والانهيار وجعل مشاعر الغضب واليأس عن الشعب تتراكم، يبقى الرهان على القبضات المرفوعة في الساحات التي يحميها قضاة شرفاء من قماشة ناديا جدايل وزملائها في نادي القضاة، وثلة من المحامين الحالمين بوطن الحريات والحقوق والكرامة الوطنية.

(*) النص الكامل لحكم القاضية ناديا جدايل أدناه

حكم جزائي مظاهرة 8 تشرين 2015

Print Friendly, PDF & Email
الشريف سليمان

محامي وعضو في لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الحراك و"السوشيل ميديا".. وعي سياسي جديد