زيارة البابا للبنان “واردة هذه السنة”.. ولها شروطها وظروفها

ما هو المغزى من تذكير البابا فرنسيس الدائم بالأزمة اللبنانية طوال العام المنصرم، وما هي الخطوات المستقبلية التي يعتزم الفاتيكان القيام بها في السنة الجديدة حيال بلاد الأرز؟

تقول شخصية سياسية- ديبلوماسية، تملك تجربة طويلة في التوسط والمساهمة في حل النزاعات الإقليمية، إن بادرة البابا فرنسيس إلى ذكر الأزمة اللبنانية في رسالة عيد الميلاد، في كلمته التقليدية لمدينة روما والعالم من على شرفة بازيليك القديس بطرس، “لها أهمية خاصة، ديبلوماسياً وسياسياً وإعلامياً، خصوصاً أنها نُقِلَت مباشرةً عبر مختلف وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي في العالم ودخلت كل بيت وترسخت في بال كل أسرة إستمعت إليها”.

وتشير هذه الشخصية إلى أن أصعب ما تواجهه الأزمات المستعصية هو عامل الوقت مع ما يحمله من خطر وقوعها في النسيان بفعل تسارع الأحداث وتراكم الأزمات. من هنا تكمن أهمية تذكير الفاتيكان المستمر بالأزمة اللبنانية المتفاقمة.

الأزمات الإقليمية والدولية التي تشغل بال الفاتيكان لا تُعدُ ولا تُحصى. برغم ذلك، شهد هذا العام الذي يشارف على الإنتهاء أكثر من مبادرة بابوية حيال لبنان حملت إشارات واضحة إلى قلق الفاتيكان المتزايد من خطورة تدهور الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية في بلاد الأرز.

وفي هذا الاطار، يشرح مصدر قريب من الكرسي الرسولي أنه منذ سنة الى الآن الموضوع الأول المثار في دوائر الفاتيكان الديبلوماسية هو لبنان، والدليل أن البابا فرنسيس خصّص يوماً كاملاً في روما للبنان، كما أن زيارة أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين منتدباً من البابا إلى لبنان دليل إضافي، كما زار الفاتيكان أكثر من مسؤول لبناني (رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الخارجية عبدالله بو حبيب)، وفي كل مواقف البابا ولقاءاته الدولية هناك إشارات دائمة إلى هذا البلد.

يوضح مصدر ديبلوماسي قريب من أوساط الفاتيكان أنه حتى الساعة لا شيء مبرمجاً على صعيد زيارة البابا فرنسيس إلى لبنان “وإن كان هناك قرار مبدئي بإجراء الزيارة”، ويضيف “قد تكون واردة في السنة المقبلة” (2022)، أما تنفيذها عملياً فيتطلب توفر عدة شروط وظروف، داخلية وخارجية، اضافة إلى إنجاز كل الإستعدادات التنظيمية واللوجستية والكنسية والبروتوكولية التي لا يُستهان بها

ثوابت الكرسي الرسولي

ويحرص المصدر على التشديد على المبادىء الأساسية والثوابت الفاتيكانية حيال لبنان:

أ-التأكيد على العلاقات التاريخية بين الكرسي الرسولي ولبنان والدور المهم الذي تلعبه الكنيسة الكاثوليكية في البلاد.

ب-التذكير بمدى تعلق البابا الخاص بلبنان وأبنائه كما بدوره الفريد في الشرق الأوسط واستعداده للقيام بكل خطوة أو مبادرة لترجمة هذا الإهتمام.

ت-الكيان اللبناني المستقل والسيد والحر قائم على تخطي الانتماءات الطائفية للسير معاً نحو شعور وطني مشترك ومن هنا أهمية تعزيز مفهوم المواطنة الكاملة لكل لبناني وتأمين مساهمة الجميع في عملية الإنقاذ تجاه “الخطر الوجودي” الذي يُهدّد هذا البلد.

ث-عملية “النهوض” الوطني للبنان لا يمكن أن تتم إلا بتضافر وتعاون كل مكونات المجتمع اللبناني مع ضرورة إحترام دورها ومكانتها وخصوصياتها كما لا سبيل للتوافق إلا عن طريق الحوار والإنفتاح والمصالحة.

ج-القلق البالغ من الأزمة الإقتصادية والإجتماعية غير المسبوقة التي لم يعرفها لبنان في تاريخه وأثرها المباشر على الحياة اليومية للشعب ومقومات البقاء وتأمين عيش حر وكريم.

ح-ضرورة توفير مقومات العدالة والمباشرة بالقيام بالإصلاحات الأساسية لضمان دعم المجتمع الدولي والتزامه إنعاش بلاد الأرز.  ولا بد للجهد اللبناني المشترك لدى توفره أن ترافقه وتواكبه مساعدة من أصدقائه حول العالم تكون في حجم المعاناة التي يعيشها الشعب اللبناني.

خ-دعوة اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً الذين يفكرون في الهجرة، مع كل التفهم لمعاناتهم وصعوباتهم، أن يبقوا “أمناء لجذورهم في الأرض” وعدم السماح للأفكار السلبية بأن تؤثرعليهم والتطلع دائماً بإيجابية إلى الأمام نحو الأفق المستقبلي.

د-تسليط الضوء على أهمية التعايش السلمي، لكي يبقى لبنان “رسالة” سلام وأخوة ترتفع من الشرق الأوسط كنموذج للحوار والتلاقي بين الشرق والغرب.

مصدر قريب من أوساط الفاتيكان: الكثير من الخطوات الديبلوماسية والكنسية التي يقوم بها الفاتيكان تبقى بعيدة عن الأضواء أكان على الصعيد الإقليمي أو الدولي، لكن المطلوب أن “لا يَترُك” المسؤولون اللبنانيون على إختلاف انتماءاتهم شعبهم المعذب يواجه قدره المأساوي وحيداً

خطوات فاتيكانية مقبلة

هل من خطوات مستقبلية يعتزم الفاتيكان القيام بها في الأشهر المقبلة لترجمة هذا الإهتمام تجاه لبنان؟

يختصر مرجع فاتيكاني الجواب بقوله إن الاهتمام البابوي بلبنان “ليس مرتبطاً بأجندة معينة، وإن كانت هناك أكثر من محطة محددة ومتوقعة، بل إنه “متابعة مستمرة” ويقع في سلم أولويات التحرك الديبلوماسي للكرسي الرسولي”.

ومن بين هذه المحطات، محطة أولى في بداية السنة الجديدة، وتحديداً في العاشر من كانون الثاني/يناير المقبل وهي مناسبة الكلمة السنوية التي يلقيها البابا فرنسيس خلال الإحتفال السنوي التقليدي أمام اعضاء السلك الديبلوماسي المعتمدين لدى الفاتيكان، وفيه يضمنه مواقفه من أبرز قضايا العالم.

إقرأ على موقع 180  الخليج يعود إلى سوريا، هل هجوم أرامكو مقصود؟ 

أما المحطة الثانية، فستكون في بداية شهر شباط/فبراير المقبل من خلال الزيارة “الرسمية” لوزير خارجية الفاتيكان المونسنيور بول ريشار غالاغير إلى بيروت وإجرائه لقاءات ومحادثات مع كبار المسؤولين اللبنانيين.

المحطة الثالثة ستكون مناسبة المؤتمر الذي ينظمه سفير لبنان في الفاتيكان الدكتور فريد الياس الخازن بالتعاون مع جامعة الروح القدس في الكسليك ويتناول شخصية وفكر وإرث القديس البابا الراحل يوحنا بولس الثاني خصوصاً لجهة مضمون تلك “الرسالة” الشهيرة والمميزة التي خصّ بها لبنان. وستشارك في المؤتمر شخصيات مسيحية وإسلامية متعددة إضافة إلى ممثل البابا وزير خارجيته غالاغير الذي من المتوقع أن يكون له كلمة في المؤتمر. وقد بذل السفير الخازن جهداً مميزاً في الإعداد لهذا المؤتمر بالرغم من كل الظروف الصعبة المحيطة بالواقع اللبناني.

المحطة الرابعة، وهنا لا بد من طرح السؤال: ماذا عن زيارة البابا فرنسيس إلى لبنان كما وعد بها سابقاً؟

يوضح مصدر ديبلوماسي قريب من أوساط الفاتيكان قائلاً: “حتى الساعة لا شيء مبرمجاً وإن كان هناك قرار مبدئي بإجراء الزيارة”، ويضيف “قد تكون واردة في السنة المقبلة” (2022)، أما تنفيذها عملياً وفعلياً فيتطلب توفر عدة شروط وظروف، داخلية وخارجية، اضافة إلى إنجاز كل الإستعدادات التنظيمية واللوجستية والكنسية والبروتوكولية التي لا يُستهان بها.

وهنا يتوقف المصدر عند اشكالية أساسية، ويقول: الموضوع لا يتعلق بمعرفة ما إذا كان البابا مستعداً للزيارة.. فهو جاهز في كل لحظة للقيام بأي خطوة لمساعدة لبنان، بل المطلوب أن يكون من بيدهم الحل والربط على المستوى الداخلي اللبناني مستعدين وجديين في مساعدة بلدهم وشعبهم والاستفادة من الدعم الخارجي بدل تفويت الفرصة تلو الأخرى عبر الانشغال بالمناكفات المتبادلة وصراعات النفوذ والمصالح الضيقة.

ويعطي المصدر مثالاً على ذلك بإشارته إلى مبادرتين دوليتين مميزتين، الأولى؛ زيارتان متتاليتان للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى بيروت. الثانية؛ زيارة الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش إلى بيروت مؤخراً. ويسأل المصدر: هل عرف لبنان وبالأخص كبار المسؤولين ومختلف المراجع المعنية فيه كيفية الاستفادة والاستثمار في هاتين المبادرتين؟

وينهي المصدر قائلاً “لبنان ليس متروكاً”، مشيراً إلى أن الكثير من الخطوات الديبلوماسية والكنسية التي يقوم بها الفاتيكان تبقى بعيدة عن الأضواء أكان على الصعيد الإقليمي أو الدولي، لكن المطلوب أن “لا يَترُك” المسؤولون اللبنانيون على إختلاف انتماءاتهم شعبهم المعذب يواجه قدره المأساوي وحيداً!.

Print Friendly, PDF & Email
باريس ـ بشارة غانم البون

صحافي وكاتب لبناني مقيم في باريس

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  اللبنانيّون في الإمارات.. كيفية مواجهة التطبيع؟