قائد الجيش اللبناني يُحذِّر السياسيين.. هل يُنفّذ؟

لم تنجح ثورة في دولة عربية منذ اندلاع موجات "الربيع العربي" الا بدعم الجيش. هذا حصل في تونس ومصر والجزائر والسودان لاسباب كثيرة أبرزها ان خيار الجيوش هو بديل خيار الفوضى.

كلام قائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون، أمس (الإثنين)، يدفع للتفكير عميقاً بالسؤال التالي: بعد أن رفع إصبعه مراراً بلغة جسد واضحة ومضمون مدروس مُحذراً من أن الجيش لن يقبل.. هل ينفذ خطة معينة، وكيف؟

الجواب ليس سهلاً، ويحتاج الى تحليل دقيق وعميق، ذلك أن خطوطاً حمراً ومحيطات مضطربة تعجّ بالحيتان في لبنان، من الصعب اجتيازها من قبل قائد جيش من دون حرق مراكبه.

السياق أولاً:

  • يتناغم خطاب قائد الجيش مع رغبات دفينة عند معظم الناس بأن الوضع ما عاد يُطاق، فلتُقلب الطاولة على الجميع اذا اقتضى الأمر.
  • لو أجري استفتاء جدي في لبنان، اليوم، سيكون الجيش هو المؤسسة الوحيدة التي ما زالت تحظى بشعبية كبيرة وثقة حقيقية.
  • ليس غير الجيش قادراً على وأد الفتن النائمة تحت الرماد في المرحلة المقبلة، وعلى ضبط الشارع من دون اثارة حساسيات طائفية، وعلى البطش اذا اقتضى الأمر كما حصل في معارك ضد الإرهاب سابقاً.
  • يحظى الجيش اللبناني بدعم وثقة دوليين، ولا سيما من الولايات المتحدة.
  • لبنان الذي يمرّ في أسوأ مراحل فقره واضطرابه وضبابية مشهده وانهيار مؤسساته وفقدان الثقة تماما بالدولة، يتجه صوب معركة الرئاسة منذ الآن، ولا شك أن إسم قائد الجيش سيحضر أكثر في بورصة المرشحين كلما إقترب أكثر موعد الاستحقاق.

تحليل المفردات ثانياً:

كلام قائد الجيش السياسي ـ العسكري حمل تحذيراتٍ واضحة قل نظيرها في خطاب قيادة المؤسسة العسكرية، وعبّرت عنها مفردات واضحة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كرر مفردة الجيش 20 مرة والمؤسسسة العسكرية 5 مرات والحملات (تشويه سمعة الجيش) 5 مرات، وإستخدم كلمات التحذير (لن نرضى ولن نسمح إلخ..) 8 مرات وحقوق العسكريين 4 مرات وكلمة سياسة 3 مرات وإستقرار ومستقر 3 مرات وحرية 3 مرات وإسرائيل والإرهاب مرتين لكل منهما إلخ..

تحليل المضمون ثالثاً:

-يتبين من خطاب قائد الجيش، أن الهم الأول بالنسبة إليه هو وضع الجيش وشد عصبه وشحذ معنوياته، فقد فاق عدد عبارات “الجيش” و”المؤسسة العسكرية” الـ 25 مرة في خطابه، وتصدّر كل العبارات الأخرى. اذا كان هذا مُبرراً لأن الخطاب عسكري وأمام ضباط، فهو يشير بوضوح أيضا الى القلق على المؤسسة العسكرية نفسها والتي طالب العماد عون 4 مرات بحقوقها. لا بل حذّر من أن انهيارها يعني نهاية لبنان.

-كان النقد عميقاً وواضحاً للسلطة السياسية، ليس فقط باستخدام عبارة سياسي وسياسة 3 مرات، وإنما من خلال سؤاله السياسيين:”الى أين نحن ذاهبون وماذا انتم فاعلون”، مُضيفاً عبارة لرفع المسؤولية عن كاهل الجيش والقائها بالكامل على أهل السياسية:”لقد حذرنا أكثر من مرة من خطورة الوضع وإمكان انفجاره”. كان يُمكن لهذا السؤال والتحذير بعده أن يُطرح في الغرف المُغلقة، لكن قائد الجيش يقول للناس علناً ان السياسيين هم الذين يتحملون مسؤولية الإنهيار، وهذا اتهام متقدم جدا من قائد جيش (موظف فئة أولى) للسلطة السياسية التي من المُفترض انها الموجه له.

-صحيح ان قائد الجيش استخدم كلمة “شعب” مرتين وهي بعيدة جدا عن كلمات “الجيش” و”المؤسسة العسكرية”، لكنه أراد أن يؤكد ان الجيش يعاني ما يعانيه الشعب فقال إن “العسكريين يعانون ويجوعون مثل الشعب”. هذا يعني ان الجيش يبتعد عن أهل السياسة ويقترب أكثر من الشعب ولن يقمع “حريته” لكن من دون أن يمس ذلك بالاستقرار.

-إسرائيل والإرهاب تقاربا جدا في الخطاب، بحيث ذُكر كل منهما مرتين فقط، ما يعني أن قائد الجيش يضع الخطرين تقريبا في المصاف نفسه، ويشبهان الى حد ما خطر النزوح والمخيمات. ربما هنا كان يجب التذكير أكثر بخروقات اسرائيل الجوية التي باتت شبه يوميه. في هذا السياق أيضا  كان لافتاً للإنتباه أن العماد عون يضع السلطة السياسية أيضا في خانة الضياع او العمل في الخفاء والسر في قضية ترسيم الحدود البحرية، فيدعو هذه السلطة الى “القيام بواجباتها لدعم الوفد المفاوض ومواكبته، وتحديد ما هو مطلوب منه، أو أن تعلن موقفها صراحة”. ماذا يعني باعلان موقفها صراحة؟ هل أنها تُخفي أشياء عنه برغم ان دوره تقني محض كما قال؟ من الواضح أن هذه رسائل للداخل اللبناني، ولكن أيضاً لرعاة التفاوض، أي الأميركيين، فهم أيضا يتهمون السياسيين اللبنانيين بالمماطلة وعدم الوضوح.

-رفع قائد الجيش الصوت جهوريا ضد ما أسماها بحملات تشويه صورته، والتي ذكُرت 5 مرات في الخطاب. هنا كان التحذير واضحا، والشكوك أوضح، فهو تحدث عن “غايات وأهداف مخفية” وحذّر من أن المؤسسة لن تسمح بأن تصبح مكسر عصا ولن تسمح بالتدخل في شؤونها. هنا يبدو واضحا أن العماد عون يفصل تماما بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأخرى وهذا موقف متقدم جدا في بلد عُرف تاريخيا بتدخل معظم السياسيين الوازنين والأحزاب والمسؤولين في عمل مؤسسة الجيش تعييناً ودورات وترقيات وتشكيلات وغيرها. ولم يخف ترحيبه بكل مساعدة من الدول الصديقة. وتعمّد القول:”المؤسسة الأمنية فوق كل اعتبار”.

إقرأ على موقع 180  الرأسمالية تُنكر الإحتباس الحراري.. وترسم نهاية البشرية!

أمر المهمة

كان أمر المهمة واضحا في الشكل والمضمون، في ارتفاع اصبع التحذير أو رفع الصوت، في ضبط ايقاع الجسد والتركيز على جمل معينة، في تقديم صورة قائد يريد أن يواجه بعدما أصابه اليأس كما اصاب معظم الشعب اللبناني، فكانت التحذيرات الآتية:

  • إن الجيش لن يسمح بالمس بالاستقرار والسلم الأهلي.
  • لن نرضى ان يتم المس بحقوق عسكريينا في الخدمة الفعلية او المتقاعدين (التركيز أيضا على المتقاعدين وظيفته شد عصب المؤسسة التي يتقاعد ضباطها سنوياً كما أنهم يشكلون عصب الاحتجاجات الشعبية حالياً).
  • لن نسمح بالتدخل بشؤونها (اي المؤسسة العسكرية) سواء بالتشكيلات والترقيات أم رسم مسارها وسياستها. وهذا الأمر يزعج البعض بالتأكيد.
  • لن نسمح أن يكون الجيش مكسر عصا.
  • ان كرامة المؤسسة العسكرية فوق كل اعتبار.

لو جمعنا كل هذه الـ”لن” وتساءلنا لمن يوجهها بالضبط العماد عون. الجواب واضح: لكل الطبقة السياسية من دون استثناء “كلهم يعني كلهم”، وهو بذلك يحقق 3 أهداف: اولاً، رفع الصوت لحماية المؤسسة، ثانياً، التلاحم مع الشعب، وثالثاً، توجيه رسائل الى الداخل والخارج بأن الجيش غير المسؤول عن تدهور الأوضاع جاهز للتحرك، لأنه “لن يسمح”.

هل يُنفذ التحذير؟

ان ما حصل  في دول الثورات العربية  يختلف جذريا عن وضع الجيش في  لبنان، ذلك أن في الأولى رئيس واحد يحتكر أبرز مقاليد السلطة وما يتفرع عنها من فساد واستبعاد وبطش، وأما في لبنان فيوجد 3 رؤساء شرعيون هم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، ورؤساء آخرون يتولون قيادة جمهورياتهم الطائفية، فمن يُسقط الجيش لو أراد التحرك، ومن هو الشعب الذي سيختاره الجيش بين الشعوب اللبنانية ليدعمه طالما أن قسما لا بأس به من هذه الشعب (او الشعوب)، ما زال منحازا لقائده حتى لو مات على بابه.

ثم ما هو الواقع الداخلي للمؤسسة العسكرية، هل ستكون قادرة على السير خلف قائدها اذا اختارت الأحزاب المؤثرة فيها وضع خطوطها الحمر له؟ السؤال يحتاج الى معرفة دقيقة بالتركيبة الطائفية للمؤسسة العسكرية والولاءات المتعددة التي يُمكن ان تظهر لو وضع القائد نفسه في مواجهة الجزء الأكبر من الطبقة السياسية. وهنا الاختلاف كبير بين لبنان والدول العربية.

نحن اذا امام الاحتمالات التالية في هذا الخطاب المتقدم:

  • اما قائد الجيش الذي يقال انه “صفّح” حيطان مكتبه مؤخرا بالأسمنت وبمواد حديدية، يريد الإقدام على خطوة كبرى تقلب المعادلة. وهذا صعب ان لم يكن مُستحيلا.
  • أو أنه رفع الصوت عاليا بعدما بلغ وضع المؤسسة العسكرية مستوى الجوع كما قال، وهذا مرجّح أكثر.
  • أو أنه واجه في المرحلة الأخيرة أسئلة “اتهامية” حول دور الجيش في تأجيج أو تحريك تظاهرات، وهذا قيل في بعض الكواليس، ويعتقد بالتالي أنه المقصود وان الحملة عليه شخصيا قد تكبُر، فاختار الهجوم بدلا من الدفاع.
  • أو أنه منذ الآن يضع نفسه في مصاف القادة الواجب النظر اليهم مع كل تفكير برئيس جمهورية لأن الجيش هو المؤسسة الأخيرة الجاذبة للثقة في الوطن.

الإحتمالات جميعها قابلة للنقاش، لكن الأكيد أن الشعب سيستمع اليه أكثر من معظم السياسيين، ففقراء الجيش ما عادوا يختلفون أبدا عن فقراء الشارع الذي يريد البعض أن يكون الجيش قامعا لهم. والأكيد أيضا أن قائد الجيش ومهما تقلبت شؤون الداخل والاقليم لا يستطيع الاقدام على عمل كبير بلا غطاء داخلي كبير (وتحديداً من حزب الله) وخارجي أكبر. وهذا غير متوفر على الاقل حتى الآن. فالمطلوب اذا هو الدفاع عن المؤسسة والحفاظ على حقوقها. ولعل العماد عون وضع نفسه منذ الأمس تحت مجهر المراقبة الدقيقة ممن سيخشون إرتفاع شعبيته.

Print Friendly, PDF & Email
سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  الإنتخابات و17 تشرين: تحدي الذات والسلطة