“أبو جهاد” يطوي صفحة “أيلول الأسود”.. عمليتان موجعتان في فلسطين (33)
PLO (Palestinian Liberation Organization) leader Yasser Arafat appears before the United Nations General Assembly on the topic of a Palestinian state, New York, New York, November 13, 1974. (Photo by Bernard Gotfryd/Getty Images)

اثارت نتائج حرب 1973 عاصفة سياسية في الكيان "الاسرائيلي"، وأفضى التحقيق الرسمي الى الاطاحة بقيادات عسكرية واستخبارية "إسرائيلية"، فيما أدت التظاهرات العارمة إلى إستقالة رئيسة الوزراء جولدا مائير وحكومتها، وأدت عملية فدائية جديدة للتسريع بإنهاء الحياة السياسية لمائير ووزير دفاعها موشيه دايان "بطريقة كئيبة".

يقول الكاتب رونين بيرغمان في كتابه “انهض واقتل اولا، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الاسرائيلية”، إنه بعد شهر من استقالة جولدا مائير، وفي الرابعة والنصف فجر الثالث عشر من مايو/ ايار 1974، قام ثلاثة عناصر من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بالتسلل من الاراضي اللبنانية الى الداخل “الاسرائيلي”، حيث اختبأوا في احد الكهوف حتى هبوط الليل، ولكن احد رجال شرطة الحدود لاحظ آثار أقدامهم، لكن تعذر العثور عليهم. وتحت ستار الظلام الدامس، شقّ الفدائيون الثلاثة طريقهم الى مستعمرة “معالوت”، وهي مستوطنة تبعد حوالي عشرة كيلومترات عن الحدود وتسكنها غالبية من المهاجرين الجدد. وفي طريقهم الى هذه البلدة، نفذوا كميناً ليلياً لآلية تنقل نساء عائدات من اعمالهن، فقتلوا امرأة وجرحوا اخرى قبل ان يواصلوا طريقهم. تم إستدعاء الجيش “الاسرائيلي” الى مسرح العملية، لكن الجنود فشلوا في العثور على منفذي الكمين.

عند الساعة الثالثة والنصف من فجر الرابع عشر من مايو/ أيار، وصل الفدائيون الثلاثة الى منزل عند اطراف المستعمرة نفسها (معالوت)، وكان اثنان منهم من ابناء مدينة حيفا ويتكلمون العبرية بطلاقة، وقد اخبروا سكان المنزل انهم من رجال الشرطة ويبحثون عن الارهابيين، وعندما فتحوا لهم الباب، بادروا إلى اطلاق وابل من الرصاص فقتلوا على الفور يوسف وفورتونا كوهين وولدهم موشيه واصابوا ابنتهم بيبي بجروح قبل ان يغادروا المنزل ويتجهوا الى منزل ياكوف كادوش احد سكان المستعمرة (يصفه الكاتب رونين بيرغمان بانه موظف حكومي محلي) وطلبوا منه ارشادهم الى مدرسة المستعمرة، وعندما فعل ذلك.. اطلقوا النار عليه ما تسبب بإصابته بجروح.

عندما وصل الفدائيون الثلاثة الى مدرسة “ناتيف مائير”، كانت نيتهم ان يستلقوا هناك ليرتاحوا بانتظار مجيء الطلاب في الصباح ولم يتوقعوا ان يجدوا في المدرسة 85 شابة وشاباً تتراوح اعمارهم بين 15 الى 17 سنة بالاضافة الى عشرة من كبار السن كانوا نائمين هناك. كان هؤلاء الشباب قادمين من مدرسة دينية في مدينة صفد لقضاء ليلة واحدة. وعندما وصلت القوى الامنية الى مسرح العملية، صرخ الفدائيون مطالبين باطلاق سراح عشرين من رفاقهم في السجون “الاسرائيلية” بحدود الساعة السادسة صباحاً والا فانهم سيقتلون جميع الرهائن.

خلال ثلاثين ثانية من بدء الهجوم، تمكنت وحدة “سييرت متكال” من الوصول الى “الارهابيين” والقضاء عليهم لتظهر النتيجة الكارثية لهذا الهجوم: مقتل 22 من الرهائن، 18 منهم من الاناث؛ مقتل اربعة من كبار السن وجندي واصابة 68 شخصاً بجروح، وهؤلاء كانوا كل من نجا من الحادثة

كانت جولدا مائير لا تزال في مرحلة تصريف الاعمال، وعلى الرغم من مواقفها العدائية الشديدة، فانها بعد صدمة حرب اكتوبر والنتائج التي انتهت اليها لجنة التحقيق والتظاهرات الغاضبة ضدها، فانها لم تشأ ان يكون آخر عمل رسمي لها هو تعريض حياة مجموعة من الشبان للخطر. وقد دعمت الحكومة المصغرة موقفها هذا، غير ان وزير دفاعها موشيه دايان الذي كان ايضاً على وشك مغادرة موقعه الرسمي لم يوافق، فالسقوط المدوي له في حرب اكتوبر (حرب يوم الغفران، حسب بيرغمان، وهو الاسم “الاسرائيلي” الرسمي لهذه الحرب) ترك اثراً معاكساً عليه، فبعد ان كان الآلاف من المتظاهرين في تل أبيب يهتفون مطالبين بإقالته، شعر دايان ان مستقبله السياسي بات على حافة النهاية المذلة، فأراد أن يظهر التصميم والقوة فقال لرئيسة الحكومة “ان الطريقة الوحيدة للتعامل مع الارهابيين هي ان لا نعطيهم ما يريدون وان لا نسمح لهم بالخروج من هنا احياء. يجب ان نقتلهم”. فاعطت مائير الامر بالموافقة على تنفيذ هجوم على الفدائيين. وعند الساعة الخامسة والربع فجراً تلقت وحدة “سييرت متكال” الامر باقتحام المدرسة.

لم تكن وحدة “سييرت متكال” على قدر المهمة هذه المرة، فالقناص الذي اطلق الرصاصة الاولى، تسبب باصابة طفيفة لاحد اهدافه، والقوة المهاجمة التي كانت بأمرة اميرام ليفين دخلت الغرفة الخطأ في الطابق الخطأ (من المؤكد ان الفدائيين تمكنوا من التمويه وخداع القوة المهاجمة عبر نقل الرهائن في وقت مسبق الى غرفة وطابق مختلفين)، فرد “الارهابيون” ـ يضيف برغمان ـ على الهجوم برمي القنابل اليدوية واطلاق الرصاص عشوائيا على الرهائن. ولان الرهائن كانوا من المتدينين المتشددين فان الذكور منهم كانوا يجلسون قرب الحائط منفصلين عن الاناث اللواتي كن يجلسن في وسط الغرفة. وقد ادى ذلك الى تلقي الاناث الحصة الاكبر من الاصابات. فخلال ثلاثين ثانية من بدء الهجوم، تمكنت وحدة “سييرت متكال” من الوصول الى “الارهابيين” والقضاء عليهم لتظهر النتيجة الكارثية لهذا الهجوم: مقتل 22 من الرهائن، 18 منهم من الاناث؛ مقتل اربعة من كبار السن وجندي واصابة 68 شخصاً بجروح، وهؤلاء كانوا كل من نجا من الحادثة.

يقول الكاتب رونين بيرغمان إن هذه الوقائع وضعت النهاية “الكئيبة” لحياة جولدا مائير السياسية. وفي الثالث من يونيو/ حزيران عام 1974 حلّ اسحق رابين محلها في رئاسة الوزراء.

ورابين، حسب بيرغمان، كان رئيس اركان الجيش “الاسرائيلي” في حرب الايام الستة عام 1967 وكان ايضا سفيرا سابقا في الولايات المتحدة، وعندما تولى منصب رئيس الوزراء كان في الثانية والخمسين من العمر، اي انه كان اصغر شخص يتولى رئاسة الوزراء في ذلك الوقت واول يهودي مولود في الكيان يتولى هذا المنصب. وكان يختلف في ادائه بالكامل عن طريقة مائير التي كانت تحاذر التدخل في توصيات مستشاريها العسكريين والاستخباريين، أما رابين، فكان يتدخل بادق واصغر التفاصيل لكل العمليات العسكرية وعمليات مكافحة الارهاب.

يتابع بيرغمان ان هجوم “معالوت” لم يكن سوى بداية لجولة جديدة من “الارهاب” كما انه كان جزءاً من تداعيات عملية “ربيع الشباب” (التي قتل فيها ثلاثة من القادة الفلسطينيين في شارع فردان في بيروت)، فبعد هذه العملية اجرت منظمة التحرير الفلسطينية تغييرات بنيوية وتنظيمية عديدة، وتركت عملية فردان اثارا مرعبة في نفوس الفلسطينيين. وينقل الكاتب عن رئيس وحدة “قيساريا” مايك هراري قوله “لقد اجبرناهم على الفرار والاختباء، لقد قمنا بشل حركتهم، ولم يكن بالامر السهل ان عرفات لم يكن ينام في السرير نفسه ليلتين متتاليتين”. وفي الجانب الاخر من المشهد، أدت عملية “ربيع الشباب” إلى تشديد قبضة خليل الوزير “ابو جهاد”، فمعظم الذين كانوا ينافسونه في القيادة قد ازيحوا من طريقه بفضل “اسرائيل”. وبعد عملية “ربيع الشباب”، قرر عرفات و”ابو جهاد” انهاء كل نشاطات “منظمة ايلول الاسود” ووقف الهجمات على اية اهداف خارج “اسرائيل” والاراضي الفلسطينية المحتلة. ويعتقد بعض المؤرخين والصحافيين، ومن ضمنهم فلسطينيون، ان الاعمال “الارهابية” ضد اليهود و”الاسرائيليين” في الدول الغربية كانت في النهاية تضر بالقضية الفلسطينية اكثر مما تساعد في دعمها، كما انهم رأوا أن هذا النوع من العمليات يعطي مشروعية لعمليات القتل المتعمد والاغتيال التي ينفذها “الاسرائيليون” ضدهم. ويقول اخرون ان تلك الاعمال حققت الهدف المنشود منها عندما حصلت منظمة التحرير على اعتراف دولي بها وصل الى حد دعوة ياسر عرفات للتحدث من على منبر الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك.

أدت عملية “ربيع الشباب” إلى تشديد قبضة خليل الوزير “ابو جهاد”، فمعظم الذين كانوا ينافسونه في القيادة قد ازيحوا من طريقه بفضل “اسرائيل”. وبعد عملية “ربيع الشباب”، قرر عرفات و”ابو جهاد” انهاء كل نشاطات “منظمة ايلول الاسود”

بمعزل عن اي من الامرين هو الادق، يقول الكاتب رونين بيرغمان ان “ابو جهاد” الذي بات القائد العسكري الاعلى في منظمة التحرير اعطى اوامره بان تنحصر كل الهجمات “الارهابية” في داخل فلسطين المحتلة. فاخذ المقاتلون يتدفقون الى الداخل عبر المطارات والمرافىء الاوروبية او عبر الحدود الاردنية او كما فعل المقاتلون الذين نفذوا “عملية معالوت”، أي عبر لبنان. ولم يكن هذا الهجوم الذي خططت له ونفذته الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين سوى تنفيذا دقيقا للاستراتيجية الجديدة التي حددها “ابو جهاد”. فقد كان هذا الهجوم هو الاعنف منذ “عملية ميونيخ” وأسوأ هجوم يتم بالتسلل عبر الحدود الى الداخل “الاسرائيلي” وايضا لم يكن آخر هجوم من هذا النوع بل كان مؤشرا لما سيأتي من بعده.

إقرأ على موقع 180  صواريخ مصر تقلق بن غوريون.. فيأمر بقتل علماء ألمان (11)

يتابع بيرغمان، أنه في الساعة الحادية عشرة من ليل الخامس من مارس/ اذار عام 1975 ابحر ثمانية من رجال “ابو جهاد” داخل المياه “الاسرائيلية”على متن مركب زاعمين انه مركب تجاري مصري، وفي عتمة ليل بلا قمر ركب “الارهابيون” الثمانية زورقا مطاطيا وابحروا به باتجاه شواطىء تل ابيب. هناك شقوا طريقهم فوق الرمال نحو الشارع حيث امطروا مبنى هيربيرت صاموئيل ايسبلانيد الشهير بوابل من النيران قبل ان يقتحموا “فندق سافوي” ويسيطروا عليه، وهو الواقع داخل سوق المدينة على بعد حي واحد من الشاطىء.

ويشرح الكاتب الاسباب التي جعلت الفدائيين يموهون مركبهم بالهوية المصرية بالقول انهم كانوا يريدون تخريب الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الاميركي هنري كيسنجر الذي لم ييأس من الاستمرار في محاولته للتوصل الى سلام بين مصر و”اسرائيل”. ويعود الكاتب ليتابع نقلاً عن تقرير عسكري سري عن العملية بعد انتهائها “انها كانت المرة الاولى التي ينجح فيها الارهابيون في ايصال مجموعة مقاتلة الى داخل البلاد”. ويضيف ان “الارهابيين” كانوا على مسافة قريبة جداً من مجمع “كيريا” وهو مقر القيادات العسكرية والاستخبارية، ويضيف ان صلية من رشاش كلاشنكوف في حوزة الفدائيين اخترقت نافذة احدى الغرف حيث كان عدد من كبار القادة العسكريين مجتمعين.

يقول بيرغمان ان الفدائيين كانوا يحملون رشاشات كلاشنكوف وقاذفات قنابل وقد زرعوا المتفجرات حول غرفة كانوا يجمعون فيها إحدى عشرة رهينة هددوا بقتلهم ما لم تطلق “اسرائيل” خلال اربع ساعات سراح عشرين سجيناً فلسطينياً في سجونها. تواصلت المفاوضات خلال ساعات الليل وكانت تتولاها رهينة امرأة ناطقة باللغة العربية تدعى كوتشافا ليفي وهي زودت السلطات بمعلومات قيمة جداً عن المهاجمين وعما يحصل داخل الفندق. وبطبيعة الحال لم يكن لدى المسؤولين اية نية لتنفيذ مطالب المهاجمين بل كانوا يستفيدون من وقت المفاوضات لاعطاء الفرصة لوحدة “سييرت متكال” لاعداد خطتها للهجوم على الفندق وقتل الفدائيين.

وفي الساعة 5:16 دقيقة فجراً اقتحم الفندق اربعون من رجال الكوماندوس التابعين لهذه الوحدة فقتلوا سبعة من الفدائيين واعتقلوا في وقت لاحق الفدائي الثامن. وقتل في اقتحامهم هذا ثمانية مدنيين وثلاثة جنود من ضمنهم ضابط رفيع كان في وقت سابق قائداً للوحدة.

لقد اعتبرت هذه النتيجة فشلاً كبيراً، وينقل بيرغمان عن احد الضباط المشاركين في العملية اومير بارليف الذي اصبح لاحقاً قائداً لوحدة “سييرت متكال” قوله “لقد كان وقتاً عصيباً، فكل عدة اسابيع كنا نجمع في منتصف الليل ونحمل على طائرات هليكوبتر لنؤخذ الى موقع هجوم ارهابي، وعليك خلال الساعات القليلة الفاصلة عن بزوغ الفجر ان تعالج المشكلة. وعلى الرغم من ان كل العمليات كانت تحصل داخل إسرائيل لكنها كانت تختلف بطبيعتها عما كانت الوحدة معتادة على التعامل معه. فكل المبادرة وكل عنصر المفاجأة وكل التخطيط كان من الجانب الآخر، إنه أمر مخيف”.

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  حوارات بوتين: ذكريات لينينغراد ومرحلة الـ"كا جي بي"