أمريكا بايدن.. رياح الدولة وسفن الإمبراطورية
An American Marine Second Lieutenant stands with his back to rescue workers swarming the ruins of the American embassy after a suicide bomber attacked killing 63, including 17 Americans among them CIA station chief Robert Ames, Beirut, April 18, 1983. The US Marines were there as part of the failed Multinational Force peacekeeping intervention in the Lebanese Civil War. FDM-1349-8. (Photo by Francoise De Mulder/Roger Viollet via Getty Images)

"أهم مائة يوم منذ الرئيس فرانكلين روزفلت"؛ هكذا عنونت مجلة "الفورين بولسي" عددها الأخير. غير أن أول مائة يوم للرئيس جو بايدن تكاد تضاهي في الأهمية، بحسب المجلة، باقي أسلافه من الرؤساء. وهو ما شدد عليه الكاتب مايكل هيرش في عدد المجلة ذاتها قائلاً "مثل روزفلت، على بايدن أن يثبت أن الدولة لا تزال تعمل".

تعتبر أول مائة يوم في ولاية رئيس الولايات المتحدة معياراً لقياس الأداء لباقي أشهر وسنوات عهده. يرى الكاتب مايكل هيرش في مقالته أن أوجه الشبه بين الرئيسين روزفلت وبايدن لا يكمن في الأزمات المصيرية التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية، ولا في شخصية الرجلين أو في انتمائهما الحزبي، فكلاهما ديموقراطي. مهمة استعادة الثقة في دور الدولة، هي ما يتشاركانه، لا بل إستعادة ثقة الإمبراطورية الأمريكية بالدولة الركيزة.

ثمة فرق كبير بين الدولة والإمبراطورية. الدولة جهاز بيروقراطي يدير الإمبراطورية. الإمبراطورية مشروع تحقّقه الدولة. الدولة الأمريكية التي قامت على بنيانها إمبراطورية الولايات المتحدة الأمريكية، لا تتفق مع فكرة السكون. في تكوينها الجيني، هي دولة متحركة قائمة على التوسع والانتشار. في انتشارها تحاكي ظاهرة المد والجزر المائية، ذلك أنها دولة بحرية، كما يصفها الصحافي الأمريكي والتر ليبمان. ومنذ البدايات، سعى الأباء المؤسسون الى التوسع بشتى الطرق والأساليب. تارة بالحرب وتارة بالشراء مثل ولايتي نيومكسيكو ولويزيانا. مما يعني أن هذه دولة.. حدود أمنها القومي مفتوحة لا بل مترامية الأطراف.

تشهد تجارب الإمبراطورية الأمريكية على ذلك. وما مغامرات العم سام العسكرية إلا خير دليل على متطلبات هذا المشروع التوسعي بالفطرة. لكن خسارة المشروع لا يعني بالضرورة انهزام الدولة. تماماً كما جرى مع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون حين قرر الانسحاب من فيتنام الجنوبية. وكذلك حين هوجمت السفارة الأمريكية في بيروت وقتل قرابة الأربعمائة جندي من “المارينز” في تفجير واحد. لملم الرئيس الأمريكي رونالد ريغان أشلاء قواته وتوارى في عرض البحر الأبيض المتوسط. تكرر الأمر مع الرئيس بيل كلينتون في الصومال حين انسحبت القوات الأمريكية في غضون أسابيع من تاريخ ما أسمي “تدخلها الإنساني”. تلك وقائع خسرت فيها الإمبراطورية ولم تنهزم الدولة.

سعى الأباء المؤسسون الى التوسع بشتى الطرق والأساليب. تارة بالحرب وتارة بالشراء مثل ولايتي نيومكسيكو ولويزيانا. مما يعني أن هذه دولة.. حدود أمنها القومي مفتوحة لا بل مترامية الأطراف

وعند بلوغ العم سام (القوة العسكرية الأمريكية) أقصى درجات القوة مع سقوط الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، أعتقد القائمون على المشروع التوسعي إياه أن التاريخ “قد انتهى”، كما إعتقد المفكر فرانسيس فوكوياما. لم يبق إلا دولة أمريكا حتى تتولى إدارة كوكب الأرض. وبالفعل، سعت واشنطن الى أدوار لم ترتق إلى مستوى مكانتها الإمبراطورية، كتدخلها المتأخر في حرب كوسوفو وتباطؤها في إيقاف الحرب الأهلية في الكونغو وقسوة عقوباتها الاقتصادية على أطفال العراق. كانت قد بلغت نشوة القوة العسكرية منتهاها.

في العام ٢٠٠١م وقعت أمريكا في الفخ الإستراتيجي. إنها مصيدة الجغرافيا التي استنزفت طاقات الإمبراطورية إلى درجة إهتزاز موقعها في قمة الهرم الدولي. اندفع العم سام الى الحرب في البر الأسيوي غداة أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. سقط في فخ أفغانستان. قفزت الدولة الأمريكية الى المأزق الإمبراطوري مدفوعة بالجموح الإمبراطوري وليس الطموح الإمبراطوري. وقتذاك، لم يجرؤ أحد على الهمس في أذن الرئيس جورج بوش الإبن أن هذه البقعة الأسيوية من كوكب الأرض تسمى “مقبرة الإمبراطوريات”. كان كبرياء الدولة هو من يدير الإمبراطورية وليس عقلها.

دخلت أمريكا في سلسلة من الحروب الكبيرة والصغيرة، المباشرة أو بالوكالة. تناقص رصيدها مع انهيار بورصتها المالية المتأثرة بعثرات رجالات الدولة الذين باتوا ينفقون لحفظ رأس مال الدولة المتآكل. عشرون سنة على إنتهاء الحرب الباردة وسقوط “المعسكر الشرقي”، كانت كفيلة بتحطيم شعار “الحلم الأمريكي”. سرعان ما تدحرجت نظرية “نهاية التاريخ” لصالح فكرة “أمريكا أولاً” بعد الغرق في البر الأسيوي.

في أول مائة يوم، فقط عليه أن يلبي نداء الإمبراطورية. نداء لا صوت ولا صورة له. لا يمكن رصده حتى من فوهة مدفع في البر ولا من ناقلة طائرات في عرض البحر. الحرب حتى اللحظة ليست مطروحة على جدول الأعمال، كما صرح قائد القوات المركزية الأمريكية

ليس من باب المبالغة في الوصف لو قلنا إن الإمبراطورية الأمريكية مرتبكة في هذه اللحظة الدولية. دولتها في موقع الدفاع عن النفس وليس الهجوم. وهذا في الميزان الإستراتيجي يعني الكثير. لعل أهمه أن الحفاظ على المشروع الإمبراطوري يتطلب “تنازلات مؤلمة”. وعلى الدولة إدارة التبدل الحاصل في الميزان العالمي تحت سقف هذا المشروع. وهو ما لم يلتقطه الرئيس السابق دونالد ترمب. لم يلتقط صاحب شعار “أمريكا أولاً” أنه لا يمكن للدولة المحافظة على مكتسباتها من دون المزج بين الاشتباك والتفاوض. العزل يراكم خسائر إضافية عند إدارة التحّول.

اليوم أمام الرئيس بايدن أزمات معقدة تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية. من جائحة كورونا التي حصدت حوالي ستمائة ألف مواطن، مروراً بالإقتصاد الأمريكي المريض والمرهق بفعل كورونا وعوامل أخرى، وصولاً الى تزعزع ثقة المجتمع الدولي (حلفاء أمريكا) في دور الإمبراطورية الأمريكية. ليس مطلوباً من بايدن إعادة اختراع الدور. في أول مائة يوم، فقط عليه أن يلبي نداء الإمبراطورية. نداء لا صوت ولا صورة له. لا يمكن رصده حتى من فوهة مدفع في البر ولا من ناقلة طائرات في عرض البحر. الحرب حتى اللحظة ليست مطروحة على جدول الأعمال، كما صرح قائد القوات المركزية الأمريكية. بل يمكن تتبع صدى هذا النداء من خلال تحركات أجهزة الدولة. على سبيل المثال، مفاوضات فيينا النووية؛ إعادة تزخيم حلف الناتو عند خطوط التماس القديمة، وأهمها التحذيرات المتتالية للانتشار الصيني المتمثل في طريق الحرير المزمع انشاءه. هذه مسارات متعددة لكن الهدف الإمبراطوري واحد.

إقرأ على موقع 180  "وول ستريت جورنال": حرب سفن بين إسرائيل وإيران

أمام هذه التحديات، يحتاج بايدن الى فريق قوي في قلب مؤسسات الدولة يستطيع تحريك ماكينات القوة الأمريكية بفرعيها الناعم والصلب. هو يعرف ذلك جيداً لأنه ضليع بدور البيروقراطية وطريقة عملها بعد أن خدم في القطاع العام جل حياته المهنية بصفته نائباً في مجلس الشيوخ عن ولايته ونائباً للرئيس الأمريكي باراك أوباما في البيت الأبيض.

ليس أدل على ذلك من تصريح بايدن من على أبواب وزارة الخارجية الأمريكية. إختار الرئيس الأمريكي أن يقول بصوت واضح “أمريكا عادت”. لم يشرح أي أمريكا عادت ولم يفسر الى أين وكيف ومتى ستعود. لكنه عقّب مبدياً ثقته بوزير خارجيته توني بلينكن. الأخير المُعين في منصبه حديثاً وقف خلف سيد البيت الأبيض عندما كان يقول بالفم الملآن “وزير خارجيتي يتكلم بلسان الرئيس”.

يعمل بايدن جاهداً لضمان أن تجري رياح الدولة الأمريكية بما تشتهي سفن إمبراطورتيها. يفاوض إيران وعينه على الصين. يعاقب روسيا ويده بيد حلف الناتو. الشرق الأوسط لا يعنيه إلا بمقدار إصطفافه معه ضد بكين

في أول مائة يوم، أعطى بايدن أهمية قصوى لإعادة صياغة دور الدولة الأمريكية من خلال موقعها العالمي كإمبراطورية عظمى. في تقديره أن المعركة ضد فيروس كورونا تشارف على نهايتها. وأن الاقتصاد الأمريكي يملك طاقات هائلة تحتاج الى من يُطلقها. أما ما يخص موقع أمريكا في النظام الدولي الإنتقالي، فالحرب في بدايتها. لا يكاد يمر خطاب يخص السياسة الخارجية لواشنطن إلا والصين لها نصيبها الوافر منه. الهدف واضح: لجم مسار بكين التصاعدي في سلم النظام الدولي. القمة الدولية لا تتسع لإثنين. تلك تجربة خاضتها أمريكا في القرن الماضي مع الدولة السوفياتية المتوارية.. والإمبراطورية الأمريكية لن تسمح لها بأن تتكرر مرة ثانية.

يعمل بايدن جاهداً لضمان أن تجري رياح الدولة الأمريكية بما تشتهي سفن إمبراطورتيها. يفاوض إيران وعينه على الصين. يعاقب روسيا ويده بيد حلف الناتو. الشرق الأوسط لا يعنيه إلا بمقدار إصطفافه معه ضد بكين.

يعرف بايدن أيضاً أنه وبالرغم من كفاءة وخبرة فريقه، لا يستطيع أن ينتج سياسة من خارج السياق الاستراتيجي للدولة. على إدارته أن تنفذ متطلبات الإمبراطورية لتحريك مؤسسات الدولة. من عند هذه النقطة يبدو أن أهم مؤشر لأول مائة يوم للساكن في البيت الأبيض هو استعادة الدولة الأمريكية دورها العالمي. لسان حال الإمبراطورية يقول لا “أمريكا أولاً” أفادت ترامب ولا عسكر العم سام نفعه.

بايدن ليس أسطورة. رئيس الولايات المتحدة لا يُقرر وحده. ثمة دولة عميقة جداً في قلب تلك الدولة التي تطفو وتستريح في مكاتبها. الدولة المتجذرة تريد للإمبراطورية أن لا تنكفىء. ففي الإنكفاء موت والموت يجعل أمريكا تنشغل بنفسها وبأزماتها.. ويبدو أنها كثيرة وقابلة للتكاثر.

Print Friendly, PDF & Email
طارق زيدان

كاتب سعودي

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  طرابلس مُغتصَبة.. هل تسكُت مُغتصَبة؟