عن فلسطين التي عادت لتخرج على “إسرائيل”

هو فصل جديد من حياة العالم وليس المنطقة فحسب، فأن تكون اليوم مع فلسطين أنت لا تنتصر لقضيتها وحسب، بل تنتصر لقضاياك.. ولكل قضية حق وحرية وعدالة.

لا يشبه هذا الفصل الجديد أياً من الفصول السابقة التي كان يكتبها كيان العدو الإسرائيلي بدماء الفلسطينيين وحدهم، كما كان يكتب بالدماء ذاتها شروطه السياسية والأمنية مستقوياً بالصلف الدولي والأميركي خصوصاً، ومدعوماً بتآمر معظم الأنظمة العربية، كذلك فارضاً تفوقه العسكري نتيجة عدم قدرة الفلسطينيين على الحصول على المقومات العسكرية والتدريبية واللوجستية التي تمكنهم من فرض أجندتهم الوطنية المقاوِمة في الداخل الفلسطيني.

ولأنه من غير المنطقي أن نقفز اليوم الى الحديث عن نتائج سياسية حاسمة للمعركة الشرسة والمفصلية التي يخوضها الشعب الفلسطيني في الداخل، إلا أنه يمكن التوقف عند بعض الوقائع التي سيكون لها الأثر الأكبر في صياغة تلك النتائج، وتتلخص بالآتي:

أولاً؛ يبدو أن الأميركي لم يفهم وربما لا يريد أن يفهم أن لعبة الإنتظار التي إعتاد القيام بها في مقاربته لدور مجلس الأمن الدولي لم تعد لمصلحة إسرائيل حليفه الأول وليس الوحيد في المنطقة، ذلك أن إستراتيجية النفس الطويل التي أرساها حزب الله في مواجهة عدوان تموز/ يوليو 2006، هي نفسها التي تحكم أداء قوى المقاومة الفلسطينية في المواجهة التي نشهدها حالياً.

وبالتالي فإن جعل العالم ينتظر أياماً قليلة حتى يكون جيش العدو قد تمكن من إنجاز نصرٍ مفترض، والعودة الى إعتماد الشروط التقليدية السابقة ذاتها وإلزام الفلسطينيين بها بإعتبارهم مهزومين، هو بحد ذاته وهمٌ بل هو قراءة سطحية لا تريد أن تُقِر بموازين القوى الجديدة التي تبدلت بفعل المتغير الفلسطيني المستجد.

إستراتيجية النفس الطويل التي أرساها حزب الله في مواجهة عدوان تموز/ يوليو 2006، هي نفسها التي تحكم أداء قوى المقاومة الفلسطينية في المواجهة التي نشهدها حالياً

ثانياً؛ إن الترابط بين الإنتفاضة الأهلية في العمق الفلسطيني في القدس وفي بعض المناطق المحتلة عام 1948، وبين المواجهة العسكرية التي تقوم بها قوى المقاومة من قطاع غزة، أسقط الإستراتيجيات الإسرائيلية التي إعتمدتها حكومات كيان العدو منذ بداية إحتلاله لأرض فلسطين، لجهة تجزئة هذه الأرض الى مربعات وعزلها عن بعضها البعض جغرافياً والأهم ديموغرافياً مما يسهل إستفرادها.

كان العدو يعتقد أن إتخام هذه المربعات بالمستوطنات وبالمستوطنين المتطرفين له وظيفة واحدة، وهي إرهاب الفلسطينيين، وبالتالي وضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما: القبول بالأمر الواقع الذي يؤدي الى التدجين النفسي أو البحث عن هجرة قسرية لا رجعة فيها تمهد للإستيلاء على الأرض والممتلكات.

غير أن محاولات التدجين بالترهيب أو الدفع الى الهجرة بالقوة، أدت عملياً الى مراكمة تمسك شعبي فلسطيني كامن ليس بالأرض فحسب بل بالهوية أيضاً، بإنتظار أن تحين اللحظة السياسية – العسكرية المؤاتية لترجمة هذا التمسك الى إنتفاضة تضع العدو المحتل أمام معضلة القدرة على الحفاظ على مساحة الكيان الأولى.

لذلك كان لا بد لأهل غزة وقواها المقاوِمة وفي لحظة إيثار أخلاقي ووطني، أن يتحركوا لحماية هذه الجذوة التي إشتعلت في الأراضي المحتلة عام 1948، مع علمهم المسبق أن الثمن على المستويين البشري والعمراني سيكون مكلفاً.

المعركة التي تُخاض الآن فلسطينية بإمتياز ويجب أن تبقى كذلك، مع الإشارة الى أن حصر المواجهة بالداخل الفلسطيني مرهون بالحاجة التي تفرضها إيقاعات هذه المواجهة كذلك بالتوقيت الملائم الذي تختاره قيادة المقاومة

ثالثاً؛ تعلم إستخبارات العدو الإسرائيلي ومعها الإستخبارات المتعاونة معها محلية كانت أم عربية أم أجنبية، كما يعلم العالم أجمع أن إيران وسوريا وحزب الله يقفون خلف هذا التحول الإستراتيجي في مقومات الصراع ضد العدو الإسرائيلي في الداخل الفلسطيني وتحديداً في قطاع غزة. لكن من المؤكد أنهم يجهلون كلياً وفعلياً مستوى ونوعية قدرات قوى المقاومة العسكرية والتقنية والقتالية، التي تبدأ بالصواريخ ذات الأوزان الثقيلة إضافة الى الطائرات المُسيرة المتطورة التي يمكن أن تعوض إمتلاك الطائرات الحربية الى حد ما، وصولاً الى العنصر البشري المتمكن الذي صار جاهزاً ليقاتل بإمكانيات تدريبية وتجهيزية وعقائدية تجعله في موقع المتقدم معنوياً وعملانياً على جنود العدو. لذلك كانت وما زالت قوى المقاومة تتمنى أن يتهور جيش العدو ويندفع في حرب برية على تخوم غزة، هذه الحرب التي ستضيف نتائجها حتماً عقدة نفسية جديدة للعِقَد التي إبتلي بها جنود هذا الجيش بعد تجاربه المريرة على أيدي رجال حزب الله في جنوب لبنان.

المعركة التي تُخاض الآن فلسطينية بإمتياز ويجب أن تبقى كذلك، مع الإشارة الى أن حصر المواجهة بالداخل الفلسطيني مرهون بالحاجة التي تفرضها إيقاعات هذه المواجهة كذلك بالتوقيت الملائم الذي تختاره قيادة المقاومة، لأن الهدف الأساس هو أن يتمكن الفلسطينيون في الداخل من جني ثمار تضحياتهم توازناً جديداً يجبر قادة كيان العدو على الإقرار بأن هذا الكيان صار أمام تهديد وجودي إنطلاقاً من فلسطين التي عادت لتخرج على “إسرائيل”.

إقرأ على موقع 180  تقدير إستخباراتي إسرائيلي: الأسد لم يعد راضياً عن الحضور الإيراني!

Print Friendly, PDF & Email
محمد عبيد

المدير العام السابق لوزارة الإعلام اللبنانية

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  تقدير إستخباراتي إسرائيلي: الأسد لم يعد راضياً عن الحضور الإيراني!