جاءت بهم شعوبهم.. لِيَذهبْ بهم الشعب!

يعني لي هذا اليوم الكثير. فذاكرتي تحجز لـ 4 حزيران/يونيو "مكاناً" لحدثيْن غيّرا، جذريّاً، مسارات حياتي. ففي مثل هذا اليوم، خفق قلبي، لأوّل مرّة، بحبٍّ عظيم. ذهب، بعد 12 سنة، أدراج رياحه. وفي مثل هذا اليوم، أيضاً، حفر في قلبي حزنٌ عظيم. أعني به، ذاك الوجع الذي عَصَر الأرواح عندما اجتاحت إسرائيل أجمل عواصم العرب - بيروت.

كنتُ، يومها، في صفّ البكالوريا. وكان أستاذ مادّة الفيزياء، يعطينا حصّة إضافيّة تحضيراً للامتحانات الرسميّة. سمعنا الهدير يرعد في البعيد. أصوات مرعبة لم أكن، أنا ابنة الجبل، قد سمعتها من قبل. “افتحوا الراديو..”! صرخ أحدهم. “الفلاشات” الإخباريّة تتسابق لنقل الحدث. يا إلهي..! بدأ العدوّ بالإغارة على المدينة الرياضيّة في بيروت (الغربيّة). أيّام قليلة مضت، على هذا المنوال. عبرت بعدها الدبابات الإسرائيليّة إلى المدينة، على أجساد المقاتلين الذين واجهوها بالصدور. حاصرت قوّاتها الأهالي لتطويعهم. صمدوا بصلابةٍ منقطعة النظير. رفض معظمهم الرحيل. دافعوا عن الأرض والأولاد والأهل. كانت قضيّتهم بحجم الوطن. استشهد كثيرون. ونجا كثيرون. وخان كثيرون. هل ننسى؟

كيف ننسى تلك المشهديّة الرهيبة! مواطنون يتجوّلون في الشوارع المقفرة برفقة جنودٍ لبنانيّين. كانوا يضعون في رؤوسهم جوارب نايلون نسائيّة. رأيناهم بأمّ العين، وهم يشيرون بالإصبع إلى هذا المبنى أو ذاك. يهمسون في أُذُن “العسكري” بينما هو يمسك بورقة ويدقّق (في الأسماء؟). كانوا يدلّونه، بلا ريب، على بيوتٍ يقطنها موالون لـ”منظّمة التحرير الفلسطينيّة” ولأحزاب “الحركة الوطنيّة”. كان الجيش اللبناني يتولّى، حينذاك، ما يشبه مهمّة “تطهير” مسبقة للأحياء البيروتيّة. كان هناك خشية من حدوث أيّ “عمليّة مقاومة” للجيش الإسرائيلي الغازي. أيُعقَل؟ أجل يُعقَل. فالجيش اللبناني في الـ 1982 لم يكن هذا الجيش الذي نعرفه الآن!

كلّنا قلقون من أن نتحوّل في هذا البلد، أسياداً وعبيداً وأحراراً، إلى أسرى الفوضى المنظّمة!

وبالأمس كما اليوم. هناك مَن “يدفع”. وهناك مَن “يقبض”. كانت الوشاية بالنسبة لبعض الشعب اللبناني، سبيلهم للنجاة. سلاحهم للخلاص ودرء المتاعب والأخطار. والسلوك الحتمي لهذا الصنف من البشر هو، دوماً وأبداً، الاصطفاف في “الجهة الآمنة”. الاختباء والتحصّن وراء “جهةٍ ما”. فالتخندق معها، يجلب الراحة والأمان. يلبّي حاجاتهم الشخصيّة. نعم. تصبح المصلحة الذاتيّة فوق كلّ اعتبار. والمصلحة العامّة من دون أيّ اعتبار. وسرعان ما يخلق هذا النوع من “التخندق” معادلته الذهبيّة. معادلة التخادم المتبادل. والانتفاع المتقابل في ما بين “الجهة المُحتمية” و”الجهة الحامية”. في ما بين “الذات الطالبة للحماية” و”الآخر المُعطي للحماية”.

في لبنان، قدّمت الأحزاب السياسيّة الطائفيّة نفسها بصفة الجهة الحامية للناس، حصراً. ولكلّ حزبٍ، بالطبع، ذاتٌ طائفيّة طالبة للحماية. ومستقلّة عن الذوات الطائفيّة الأخرى. لكنّ التمثيل يتّسع، أحياناً، عندما تُنجِب الطائفة أكثر من “متسلبط” فيها. وإذّاك، يصبح التخادم والانتفاع المتبادل محصوراً في ما بين زعيم الحزب والأتباع. ولا يكونان من منطلق تلبية الحاجيّات الماديّة وتأمين الضروريّات الطبيعيّة المُلحّة، فحسب. بل يفرضان على الأتباع (الأزلام أو الأنصار أو الرعايا أو المؤيّدين أو..) ما يمكن تسميته بعقليّة الإذعان المطلق. أي، إذعان “طالب الحماية” لـ”الحامي”. وعقليّة الإذعان هذه، كفيلة بتحطيم عقول الأتباع ووعي الجماهير ونفسيّات الموالين وثقافة الأنصار. إنها كفيلة بتحطيم حياتهم كلّها.

لأنّنا سندفع، من اللحم الحيّ، ثمن ما اقترفته أيديهم في 15 أيّار/مايو. لأنّنا سندفع، في الآتي من الأيّام، ثمن ولائهم الأعمى لأكباش الطوائف وهياكلها المنصوبة في كلّ مكان

وعندما يُنجَز هذا التحطيم، يصبح أزلام زعماء الأحزاب مثل كائناتٍ هائمة على وجهها. كائنات مبتورة النفس، بحسب تعبير المفكّر الإيراني داريوش شايغان. كائنات بحاجة دائمة إلى مَن يأخذ بيدها ويرافقها في طريق التضحية “للزعيم المفدّى”. والتفاني “من أجله”. ونكران الذات “كُرمى لعيونه” وعيون وَرَثَته. وإطلاق حروب الدفاع المستميت عنه (على الطريقة البافلوفيّة). عن أدائه. مواقفه. عائلته. ثروته. اضطراره لارتكاب الموبقات والجرائم حتّى! زرع قادة الأحزاب اللبنانيّة في أتباعهم، ما يسمّيه الباحثان الأميركيّان روبرت آدر ونيكولاس كوهين “المناعة العصبيّة النفسيّة”. مناعة تتصدّى وتقتل كلّ الفيروسات المعادية التي يمكن أن تصيب “أسيادهم”. لماذا الحديث اليوم عن هؤلاء الأتباع؟

لأنّنا سندفع، من اللحم الحيّ، ثمن ما اقترفته أيديهم في 15 أيّار/مايو. لأنّنا سندفع، في الآتي من الأيّام، ثمن ولائهم الأعمى لأكباش الطوائف وهياكلها المنصوبة في كلّ مكان. في الانتخابات، عبّدت جماعات الأحزاب الطريق، لتُعيد رموزٌ سلطويّة مقيتة إنتاج نفسها. أعادت إليها “الاعتبار”، بعدما خسرت كلّ احترامٍ وتقديرٍ وهالةٍ، في الداخل والخارج. نعم. لقد ستر الأتباع عورات زعمائهم، مرّة جديدة، بعدما انكشف المستور، على الملأ، من تفاهتهم وفسادهم وفشلهم وتواطئهم وإجرامهم! جدّدوا “شرعيّة تمثيلهم للناس (ناسهم)”، بعدما سُحِقت هذه الشرعيّة تحت الأقدام في الساحات المنتفضة.

ماذا يمكن أن يُقال عنهم أكثر؟

هؤلاء ليسوا منّا. ونحن لسنا منهم. أعني، نحن اللبنانيّين الذين وَأَدْنا الطائفيّة والطوائف والطائفيّين لحظة تكوّننا في أرحام أمّهاتنا. هؤلاء المُذعنون والانتهازيّون المختبئون وراء حصون أسيادهم، ليسوا منّا. ونحن لسنا منهم. انظروا إليهم يدلّون علينا بالأصابع، لكي تحفظ العصابات الحاكمة أسماءنا جيّداً. يشون بنا بوجهٍ مكشوف (لا جوارب نايلون على وجوههم كما في أيّام الاجتياح الإسرائيلي). هؤلاء الإلغائيّون، هدروا في “محاكم تفتيشهم” دمنا وأمننا ومستقبلنا. خدمةً لمصالحهم، فقط لا غير. وببصمات حبرهم الانتخابي، رهنوا مصيرنا لدى حفنةٍ من اللصوص. مقابل ماذا؟ مقابل “وظيفة في الدولة”. “كرتونة مساعدات”. “بونات بنزين”.. وهكذا.

إقرأ على موقع 180  إنقاذ لبنان.. بتجاوز لغم فدرالية المذهبيات السياسية

في روايته “مذكّرات من العالم السفلي”، يعلّق الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي على البشر الذين ضلّوا طريقهم بالقول “إنّ الناس غالباً ما يكونون أغبياء، وبشكلٍ مذهل”. أَلَم يحدث هذا في 17 تشرين؟ بلى. فالثورة التي جاءت لكي تخلّصنا من أنفسنا. ومن نظامٍ طائفيٍّ مركّبٍ معقّد. ومن منظومةٍ دفعت شعبها للعيش تحت خطّ الحياة (وليس الفقر). هذه الثورة، قمعها أسياد هؤلاء الأتباع. كلٌّ على طريقته. وقادوا لبنان إلى الخراب. كلٌّ على طريقته، أيضاً. استدانوا لتمويل فسادهم. وأنفقوا الماليْن، العامّ والخاصّ، لتعزيز سلطة أحزابهم. وحكموا البلاد، كلٌّ في زاروبه الطائفي. فسلطتنا هي سلطة شوارعيّة. يمارسها أسوأ صنفٍ من الساسة عرفه التاريخ الحديث! ويمكن أن نتلمّس بسهولة، لدى هذا الصنف البشري، معالم الانحطاط الأخلاقي في المراس السياسي (بصفةٍ كليّة). على الأرجح، ستعود هذه الطبقة السياسيّة المحنّطة للفتك بنا. ستعود بكامل عدّتها المعهودة في “إدارة” الدولة. وستحكم، على جري عادتها، بالابتزاز والمساومات والتسويات والسمسرات والتسويف واستيلاد القضايا التافهة على وقع معزوفة “حِكّلي لَ حِكّلك” إيّاها، كما نقول بالعاميّة. وفي حال العجز عن إتمام كلّ ذلك، ستلجأ إلى سلاحها الأمضى: التعطيل. وبعد؟

لم تكتفِ هذه الطبقة السياسيّة بقذف لبنان إلى وادٍ سحيق. فبدأت بإنتاج الفوضى الخلاّقة. واستجارت بـ”نظريّة المؤامرة” عليها. لتبرّر فشلها وحماقاتها. صارت تسوّق هذه النظريّة للرأي العامّ. بصراخٍ غوغائي تولّى الجزء الأكبر منه مَن؟ أتباعها، بالتأكيد. فالعبوديّة ليست حالة نفسيّة. إنّما هي منظومة علاقاتٍ اجتماعيّة. والقمع لا يكفي، لوحده، للحفاظ على ديمومة هذه العبوديّة. لا بدّ، إذاً، من توفّر آليّات نفسيّة وثقافيّة تساهم في تأبيد علاقة الخضوع (الخوف والتسليم بالمصير و”التقسيم الطبيعي” للدنيا بين أسيادٍ وعبيد). وفي قمع النزوع إلى الحريّة لدى العبد. وفي مساعدة السيّد في الحفاظ على توازنه وتماسكه أثناء التعامل مع بشرٍ آخرين. هو يعاملهم، طبعاً، كالأغنام. هذا ليس استنتاجاً أو رأياً خاصّاً، يا أصدقاء. هذا ما يقوله علم النفس الاجتماعي. ويضعه في خانة “سيكولوجيا العبوديّة”.

سلطتنا هي سلطة شوارعيّة. يمارسها أسوأ صنفٍ من الساسة عرفه التاريخ الحديث! ويمكن أن نتلمّس بسهولة، لدى هذا الصنف البشري، معالم الانحطاط الأخلاقي في المراس السياسي (بصفةٍ كليّة)

وفي طريقنا إلى الارتطام الكبير الموعود، نحن اللبنانيّين، تفعل “سيكولوجيا العبوديّة” فعلها في النفوس والنصوص! بخاصّة، أنّ أيّ لبناني، في لبنان وبلاد المهجر، لم يعد يملك الحدّ الأدنى من التفاؤل. صار الحديث عن المستقبل ضرباً من التبجّح. فالجميع يتملّكهم الرعب الآتي. والتوجّس من عنفٍ مُدبّر هنا. أو اغتيالاتٍ هناك. أو تصفية حسابات عشوائيّة هنالك. كلّنا قلقون من أن نتحوّل في هذا البلد، أسياداً وعبيداً وأحراراً، إلى أسرى الفوضى المنظّمة!

كلمة أخيرة. روى لي صديقي، الخارج من معتقل أنصار، يقول: “بعد ساعاتٍ من التفنّن في تعذيب الأسير (م. ز)، وضعه جلاّدوه على سطح المعتقل. أرادوا أن يكتوي بأشعة الشمس. يوم. يومان. ثلاثة أيّام. لم يعد يقوى على عطشه. فطلب ماءً ليشرب. بعد وقتٍ طويل، جاءه الجلاّد (وكان لبنانيّاً) بكوبٍ فيه بضع قطراتٍ، فقط. التقط الأسير الكوب، وصبّ ما فيه على قدميْه. طبعاً، لا داعي لتفسير فعلته. لكن، لا بدّ من التأكيد على أنّ الشعب اللبناني الذي أنجب ذاك البطل. هو الشعب، نفسه، الذي أنجب تلك الحفنة من الكائنات التي رأيناها الثلاثاء الماضي، ترقص وتهلّل وتلعب بالسيف والترس ابتهاجاً بفوز زعيم قَلَعَت عيون الثوار كُرمى لعيْنيْه. إقتضى التذكير.

Print Friendly, PDF & Email
وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  عن شيوخٍ في الخامسة والعشرين!