سليم الأول “ظل الله”.. وأردوغان مفتون بـ”النموذج”!

رجب طيب أردوغان مفتون بالسلطان الغازي سليم الأوّل، تاسع سلاطين الدولة العثمانية وخليفة المسلمين الرابع والسبعين، وأوّل من حمل لقب "أمير المؤمنين" من آل عثمان. حكم الدولة العثمانية من سنة 1512 حتى سنة 1520.

في أواخر القرن الثالث عشر، نشأت في الأناضول إمارة تركية تجاوزت ماضي الأتراك السلاجقة وظهرت كإمارة عثمانية مُشتقة إسمها مِن إسم مؤسسها عثمان الأول. وبحلول منتصف القرن الخامس عشر، وقت غزو السلطان محمد الثاني للقسطنطينية الذي غيّر قواعد اللعبة، كانت الإمبراطورية العثمانية المتوسعة قد استوعبت جميع الإمارات التركية المجاورة لها تقريبًا.

وبحلول بداية القرن السادس عشر، نشأت إمبراطورية متعددة الأديان والأعراق – براغماتية ومتسامحة – حكمت لأربعة قرون في البلقان والأناضول وجنوب غرب آسيا. يطرح هذا لغز تاريخي كبير: كيف تحوّلت إمارة صغيرة في الحافة الغربية لما كان يُعرف باسم آسيا الصغرى إلى ما يمكن وصفها أهم إمبراطورية في الإسلام؟

قد يكون كتاب كتاب “ظل الله: السلطان سليم” (God’s Shadow: Sultan Selim, His Ottoman Empire, and the Making of the Modern World)، لمؤلفه آلان ميخائيل، رئيس قسم التاريخ في جامعة ييل، مؤهلًا لطرح تاريخ السلطان العثماني الذي شكّل العالم الحديث.

مثَلَ محمد الفاتح، بهوسه اللامتناهي وذكائه الذي أطاح بالإمبراطورية البيزنطية في يوم مشؤوم بتاريخ 29 أيار/ مايو 1453، عندما كان يبلغ من العمر 21 عامًا فقط، شخصية محورية في حياة شعوب البحر الأبيض المتوسط والبلقان وآسيا الصغرى. لقد كان جسرًا بين أوروبا وآسيا. حيث أعاد تشكيل القسطنطينية، التي أعيدت تسميتها إلى اسطنبول، لتصبح عاصمة الإمبراطورية المترامية الأطراف. كان متحكمًا فى طرق الحرير من البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط. اتخذ محمد الفاتح ألقابًا أسطورية شرقًا وغربًا، حتى أنه وصف نفسه بالقيصر، وريث الأباطرة البيزنطيين.

غزا محمد الفاتح البلقان في ستينيات القرن التاسع عشر، وانتهى من مستعمرات جنوة التجارية في شبه جزيرة القرم وفرض تبعية على خانات تتار القرم في عام 1478. وهذا يعني عمليًا تحويل البحر الأسود إلى بحيرة عثمانية افتراضية. ويؤكد المؤلف ميخائيل في البداية أن الإمبراطورية العثمانية كانت أقوى دولة على وجه الأرض – أقوى من سلالة مينغ، ناهيك عن الصفويين – لبعض الوقت. كانت أكبر إمبراطورية في البحر الأبيض المتوسط منذ روما القديمة و”الأكثر ديمومة” في تاريخ الإسلام.

العثمانيون ينافسون.. العالم

يُحدّد المؤلف آلان ميخائيل جوهر الأطروحة – المتفجرة – التي سيطوّرها بالتفصيل: “لقد كان احتكار العثمانيين لطرق التجارة مع الشرق، جنبًا إلى جنب مع براعتهم العسكرية في البر والبحر، ما دفع إسبانيا والبرتغال إلى الخروج من البحر الأبيض المتوسط. وأجبر التجار والبحارة من ممالك القرن الخامس عشر أن يصبحوا مستكشفين عالميين لأنهم خاطروا برحلات عبر المحيطات وحول القارات – كل ذلك لتجنب العثمانيين”.

ستكون هذه الأطروحة غير مستساغة للغاية بالنسبة للغرب المهيمن (على الأقل خلال الـ 150 عامًا الماضية). يبذل المؤلف آلان ميخائيل قصارى جهده لإظهار كيف “شكلت الإمبراطورية العثمانية، من الصين إلى المكسيك، العالم المعروف في مطلع القرن السادس عشر”.

يؤكد المؤلف آلان ميخائيل في البداية أن الإمبراطورية العثمانية كانت أقوى دولة على وجه الأرض – أقوى من سلالة مينغ، ناهيك عن الصفويين – لبعض الوقت. كانت أكبر إمبراطورية في البحر الأبيض المتوسط منذ روما القديمة و”الأكثر ديمومة” في تاريخ الإسلام

من الواضح أن المنافسة الأيديولوجية والعسكرية والاقتصادية مع الدولتين الإسبانية والإيطالية – ثم روسيا والصين ودول إسلامية أخرى – لم تكن ممنوعة. ومع ذلك، يستمتع ميخائيل بإظهار كيف قام كريستوف كولومبوس، فاسكو دي جاما، مونتيزوما، لوثر، وتامرلان بجعل وجودهم في حد ذاته ردة فعل على القوة العثمانية وقبضتها.

قوة عظمى جيواقتصادية

يتطلب الأمر الكثير من الأسانيد بالنسبة للمؤرخ الذي يعمل لدى إحدى الجامعات الأمريكية النخبوية لتقديم “سردية ثورية” حول دور الإسلام والعثمانيين في تشكيل ليس فقط العالم القديم، ولكن أيضًا العالم الجديد.

أطروحة ميخائيل تنفي الإرهاب عن المسلمين، كما تنفي صعود الغرب، وتؤكد على العثمانيين كقوة حضارية، حيث يشير إلى أن الإعتقاد السائد منذ الثورة الصناعية وما يسمى بأمجاد القرن التاسع عشر المتمثلة هي “سخافة تاريخية”، تتجاهل أن “الإمبراطورية العثمانية” بثت الخوف في العالم لقرون قبل أن تحصل على لقب القرن التاسع عشر المهين “رجل أوروبا المريض”.

الحقيقة هي أن الإمبراطورية العثمانية – على مدى أكثر من 600 عام من التاريخ – ظلت القوة المهيمنة في الشرق الأوسط وواحدة من أهم الدول في أوروبا وإفريقيا وآسيا حتى الحرب العالمية الأولى، على الرغم من كل نكساتها. في القرن التاسع عشر، ظل العثمانيون “في قلب السياسة والاقتصاد والحرب العالمية”.

حكمت الجيوش العثمانية مساحات شاسعة من أوروبا وإفريقيا وآسيا. وسيطرت على أهم ممرات تجارة الحرير وغيرها؛ مِن محاور المدن الرئيسية على طول البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والبحر الأسود وبحر قزوين والخليج الفارسي والمحيط الهندي. وحكموا دمشق واسطنبول والقاهرة والقدس ومكة والمدينة. وهذا مُختلف جدًا عن بداياتهم المتواضعة كرعاة غنم في مسارات مقفرة عبر آسيا الوسطى.

ظهور السلطان سليم

يعطي ميخائيل قدرًا كبيرًا من سرديته لكيفية تمهيد الطريق للتحول الميكيافيلي الجوهري للسلطان سليم، حتى قبل أن يصبح سلطانًا في عام 1512. ولا يزال في طرابزون، في البحر الأسود، كحاكم إقليمي،  يعزّز القوات الإمبراطورية في الشرق، وبحلول عام 1492، كان سليم مدركًا تمامًا كيف أن التحالف بين اسطنبول والقاهرة يجعل التجارة الأوروبية مشروطة بما أطلق عليه المحافظون الجدد الأمريكيون منذ وقت ليس ببعيد “الشرق الأوسط الكبير”.

إقرأ على موقع 180  انتخاب رئيس حكومة جديد في ليبيا.. تقطيب "الميت"!

سيطر العثمانيون والمماليك – الأخيرون سيدمرهم سليم لاحقًا بصفته سلطانًا – على كل نقاط الوصول إلى الشرق من البحر الأبيض المتوسط. هذه الحقيقة الجيواقتصادية في حد ذاتها تدمر سردية الصعود الأوروبي خلال عصر النهضة و”عصر الاستكشاف” الذي لاقى استحسانًا كبيرًا. كان الأمر كله يتعلق بالسيطرة العثمانية على التجارة.

إذا أراد أي شخص في أوروبا التجارة مع الصين والهند، سيتعين عليه التكيف مع “طريق العثمانيين” أو تجربة طريق آخر. حاول البنادقة (أهل البندقية) تجربة طريق آخر سريع، لكن ذلك لم ينجح. حاول كولومبوس مِن جنوا تحديد هذا الطريق السريع بالكامل، ونجح. ولا يُسهب ميخائيل أكثر في إظهار كيف أن رحلات كولومبوس، من نواح كثيرة، كانت استجابة لقوة العثمانيين. لكنه يُجزم أن العثمانيين كانوا القوة السياسية التي شكلت وجهة كولومبوس وجيله أكثر من أي شخص آخر.

تصبح الأمور إيجابية عندما يتم تصوير كولومبوس على أنه جهادي مسيحي، حيث “استخدم فكرة الحرب الحضارية العالمية بين العالم المسيحي والإسلام لدفع قضيته في رحلة المحيط الأطلسي”. وانتهى الأمر بموافقة الملكة إيزابيلا على تمويله.

ثم انحدر كل شيء، بطريقة دموية بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث “أصبحت مفردات الحرب مع الإسلام لغة للغزو الإسباني في الأمريكيتين”. وينسى الغرب بشكل ملائم أنه كان مطلوبًا من جميع الشعوب الأصلية الاعتراف بأن الكنيسة الكاثوليكية كانت القوة العالمية وأن أنظمة معتقداتهم كانت أدنى شأناً تمامًا.

يحدّق أردوغان في قبر سليم في اسطنبول في عام 2017، بعد فوزه في استفتاء دستوري وسّع سلطاته بشكل كبير. ومثل مكيافيلي، فإن أردوغان مفتون بسليم. لكنه، على عكس مكيافيلي، لا يخافه. يريد أن يقتدي به. أن يستعيد الأحلام الإمبراطورية الكامنة في ذهن السلطان العثماني الجديد؟

إحتكار تجارة الحرير

كان مكيافيلي من أشد المعجبين والخائفين على السواء مِن العثمانيين. لقد تأثر بشكل خاص بفطنة سليم الإستراتيجية، التي كانت تتفوق دائمًا على الصعاب شبه المستحيلة. أنهى مكيافيلي كتابه الشهير The Prince في نفس العام بالضبط – 1513 – عندما قضى سليم على إخوته غير الأشقاء ليؤمن السلطنة أخيرًا، التي احتلها عام 1512.

فرض سليم حصارًا اقتصاديًا ضد الصفويين، وحظّر تصدير الحرير الفارسي من الإمبراطورية العثمانية. (كانت تلك التجارة هي الطريقة التي وصل بها الإيرانيون إلى شرق البحر الأبيض المتوسط والأسواق الأوروبية المُربحة).

كان انتصار سليم على الصفويين في معركة كلديران متشابكًا مع أحداث حافلة، مثل الاستيلاء البرتغالي على مضيق هرمز الاستراتيجي عام 1515. كان ذلك أول حيازة أوروبية في الخليج الفارسي. ويا لها من جائزة: سيكون للبرتغاليين الآن السيطرة على الشحن من وإلى الخليج الفارسي، بالإضافة إلى مركز رئيسي يربطهم بمستعمراتهم الجديدة على الساحل الغربي للهند.

بعد أن عبرت المعركة بين المسيحيين والمسلمين المحيط الأطلسي، تم تمهيد الطريق للفصل التالي: العثمانيون والبرتغاليون يقاتلون من أجل القوة العالمية في المحيط الهندي.

كان سليم يقضم من الخريطة. استولى أولًا على سوريا ثم حطم المماليك ولم يكن هذا يعني فقط القاهرة ولكن أيضًا القدس ومكة والمدينة وحتى اليمن، حيث عزز وصوله الاستراتيجي إلى المحيط الهندي الإمكانيات اللامحدودة للتجارة العثمانية، بدءًا من احتكار تجارة الحرير.

من سليم إلى أردوغان

استمرت سلطنة سليم ثماني سنوات فقط، من 1512 إلى 1520 مع تحولات عاصفة للخريطة الجيوسياسية، حيث أغرق لوثر المسيحية في حرب أهلية دينية. وسيطر العثمانيون على الأراضي حول البحر الأبيض المتوسط أكثر من أي قوة أخرى. وضربت الحملة الإمبراطورية الأوروبية المحيط الهندي. ثم كان هناك الإشكال اللاهوتي الذي تم حله بشكل نهائي: الأمريكيون الأصليون، في الشمال والجنوب. لا يمكن أن يكونوا جزءًا من “خلق الله”.

عندما توفي في عام 1520، اعتقد سليم – السلطان والخليفة أيضًا – أن كونك حاكمًا لأكبر إمبراطورية في العالم أمر مفروغ منه. لقد كان حقًا “ظل الله على الأرض”.

بحلول نهاية الفصل الأخير من الكتاب المعنون “سليم الأمريكي”، يعالج ميخائيل مجددًا السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا اضطر كولومبوس إلى عبور المحيط الأطلسي؟ يختصر الجواب بالقول: “كان يأمل في التحالف مع خان الشرق الأعظم، وكان يهدف إلى استعادة القدس وتدمير الإسلام. بشكل أكثر واقعية، وعد كولومبوس أن رحلاته ستجد حلولًا نهائية حول الاحتكارات التجارية للعثمانيين والمماليك”.

بعد وصول كولومبوس إلى الأمريكيتين، أعاد الأوربيون كتابة تجاربهم “من خلال عدسة حروبهم مع المسلمين” وانخرطوا في “نسخة جديدة من الحروب الصليبية القديمة جدًا، نوع جديد من الجهاد الكاثوليكي”. ومع ذلك، “سيستمر الإسلام في صياغة تاريخ كل من أوروبا والعالم الجديد والعلاقة بين الاثنين”.

بعد الكثير من الدراما، لا يزال ميخائيل ومحررو الكتاب قادرين على تقديم صورة جذابة في الصفحة ما قبل الأخيرة لرئيس تركيا رجب طيب أردوغان وهو يحدّق في قبر سليم في اسطنبول في عام 2017، بعد فوزه في استفتاء دستوري وسّع سلطاته بشكل كبير. ومثل مكيافيلي، فإن أردوغان مفتون بسليم. لكنه، على عكس مكيافيلي، لا يخافه. يريد أن يقتدي به. أن يستعيد الأحلام الإمبراطورية الكامنة في ذهن السلطان العثماني الجديد؟

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  إتفاق أضنة.. إلى الواجهة مجددا