يوسف زيدان.. من “نفق جلبوع” إلى “لهّاية” فلسطين!

الـ 2021 عامٌ مختلف. ليس مفصلياً لكنه ليس عاديّاً. ملامح جديدة بدأت تظهر في غير مكانٍ في العالم هذا العام تحديداً. العلامات مختلفة، لكنّ تلك الآتية من فلسطين أقرب. هل من لم يلاحظ حتى الآن أن عام 2021 هو عامٌ "فلسطينيٌّ" بامتياز، وأن "فلسطينيّته" متحوّرة؟

شيءٌ ما تغيّر. لقد عاشت القضية الفلسطينية مع أغلب أبناء جيلنا مذ وعينا عليها كقضيّة حقّ يجب أن ننتصر لها. عاشت فينا لسنواتٍ وكلٌّ متضامنٍ يحاول دعمها على طريقته. لكن، ما اختلف هذا العام تحديداً، أننا بتنا نعيشُ فيها أكثر مما تعيش فينا. وفي الأمر غرابةٌ موصوفة؛ إذ كيفَ لموجة التّطبيع الأخيرة، مهما علت ومدّت.. كيف لها أن تعرف هذا “الجزر” في وجدان جيلٍ عربيٍّ فتيّ أراد المطبّعون أن يلهوه عن المبادئ، فإذ بجزء كبيرٍ منه “يلتهي” بفلسطين عنوةً، ويتفاعلُ معها بمتعةِ من يشاهد الأفلام ويتأثّر بها.

“الأكشن” من فلسطين في الـ 2021 هو أكشن مؤسِّس. تساعد وسائل التواصل الاجتماعي في المأسسة. تُدلِّل على أنّ الشعوب المُستلبة لم تُستلب بالمطلق، وأن ثمّة أمكنة في القلوب ما زالت عصيّة على الاغتصاب، وأن الأرواح الموؤدة ما تزال حيّة وموجودة، وأنّ عدوى الحياة عبر هذه الوسائل سريعة الانتشار، لا سيما في ظلّ واقع عربيّ إما صعب وبائس، وإما رتيب وبلا إنتاجيّة، وإما منقسم ومشرذمٍ بلا هدفيّة.

نحن نحيا بفلسطين. نقرصُ أعيننا ببعض. مشاهد فريدة تؤكّد لنا أننا فعلاً أحياء، منهكين غير مستسلمين، متعبين غير متجمّدين.

يمقتُ بعض المفكّرين كلام الإحساس هذا. يغرق المفكّر عادةً في عالم المجرّدات. يبحث في المبادئ العميقة حتّى لا يوظَّف الإحساسُ بغير حكمة، ويكادُ بعضهم يسخر من التّفاعل مع الأحداث بطريقة آنيّة شعوريّة مبالغٍ فيها.

سحرُ فلسطين أنّها لا تتيحُ للتّجريد، حتى لو كان حكيماً، أن يكون له مكانٌ ما دام بارداً. سحرُها أنّها تستطيعُ أن تشحن كل فكر مجرّدٍ بلهبٍ يُشعل هذا الفكر ويُخصبه لو كان عادلاً، أو يخمده لو كان ظالماً.

القضية الفلسطينية عميقة، تفرض نفسها على المفكرين كما على المناضلين. الحفر في الأعماق غايةٌ يجب أن تُدرك، لأنّها تؤدّي في نهاية المطاف إلى التّحرُّر وكسر القيود. واليوم، وعلى سبيل الدّمج والاستعارة، تتيح لنا فلسطين إمكانية أن نرمز إلى عبارة “الحفر في الأعماق” بـ”نفق جلبوع” مثلاً. المشهد الظّاهريّ موازٍ للمعنى العميق. تساوقٌ ممتعٌ وخلّاق.

ما ليس ممتعاً، وما ليس خلّاقاً، وما هو مستفزٌّ بحق، أن يكون المشهد الظاهريُّ في سجن جلبوع باعثاً على التّشكيك والهزء. بل بالأحرى أن يكون تقريباً أي مشهدٍ ظاهره تحدٍّ للاحتلال في فلسطين يقابله إستخفاف بأشكال هذا النّضال، او تحذير من حقيقته وتبعاته.

 اعتذارٌ في “ذكاء”، “صدقٌ” في دهاء، وارتباكٌ في عناد. وسيأتي التعليق على هذا الاعتذار مفصّلاً. لكن لا بدّ قبل ذلك من الإشارة إلى أنّ ما يحكم تعليقات زيدان منطقٌ متكامل، بغضّ النّظر عن التّفاصيل

***

للمرة الثانية منذ العدوان الأخير على غزة في أيار/مايو الماضي يجرح المفكر المصريّ يوسف زيدان من حيث يريد أن “يكشف ويحفر”! للمرة الثانية أيضاً يصرّ على مواجهة من يرفضون منطقه بتهمة عدم الوعي والإدراك، وإن أجبرته الوقائع على الاعتذار بعدها.

كتب معلّقاً على صفحته عبر الفايسبوك بعد عملية نفق الحرية: “صادفني في طريق الخيال رجلٌ مجنون يهمس لنفسه قائلًا: وحياتك يا دي النعمة الشريفة، حدوتة هروب المساجين الفلسطينيين من السجن الإسرائيلي الحصين، بمعلقة شاي، فيلم هندي.. هندي.. هندي.

ثم ترنَّم بأغنية عميقة المعاني، من تراثنا الفني الأصيل، تقول: “ماحناش هنود ولا تراكوه، ولا كل يوم هاشتكي شكوه.. إييييه”، وأضاف في اليوم التالي:”وهكذا، يا قوم.. انشغل الجميع بمسرحية الهروب الوهمي للمعتقلين الفلسطينيين من السجن الإسرائيلي (ولا أظن أن الهاربين سوف يظهرون ثانيةً وهم أحياء) ولم ينشغل أحد بما جرى في الليلة التالية، من غارات القصف العنيف على قطاع غزة الفلسطيني.. الوعيُ صعبٌ على المغيَّبين، والإدراكُ السليمُ أصعب، ونحن مغيَّبون”.

اعتقلت قوات الاحتلال أربعة من الأحرار الفلسطينيين الفارّين إلى العدالة بعد يومين على كتابات يوسف زيدان هذه. لقد حشرت الوقائع منطق المفكّر، ودفعته إلى”رقيّه” المتسامح. اقتضى الأمر منه أكثر من عشرين ساعة ليعتذر كاتباً:

“اعتذارٌ واجب:

انزعج بعضُ متابعي صفحتي هذه، وخصوصًا الفلسطينيين منهم، وبالأخص الغَزَّاوية.. لأنني تشكَّكت في قصة فرار المعتقلين الستة من سجن “جلبوع” بملعقة، إذ رأيتُ أن ذلك لا يتفق مع المنطق، لا سيما أنني علمتُ بالأمر بعد حدوثه بساعاتٍ قليلة، وقتما كان الطيران الإسرائيلي يشنُّ غاراته الغشوم على غزَّة، بينما بعضُ الفلسطينيين يزغردون ويوزّعون كعك العيد ابتهاجًا بفرار المعتقلين.. وفي إطار حالة اللامعقول هذه، ورغبةً في تنبيه العقول إلى عبثية  المشهد، وسوء ظنٍّ مني في “الشاباك” كتبتُ هنا ما مفاده أنها مسرحية.. كما قلتُ في سياق ما كتبته إنني “أظن” أن الفارين لن يظهروا مجددًا أحياءً. لكنهم ظهروا (أربعة منهم قُبض عليهم تباعًا قبل ساعات) فكنتُ في ظني هذا مُخطئًا، وهذا يستوجب اعتذاري الواضح والصريح لكل من انزعج بسببي أو غضب مني. مع محبتي الحقيقية الصادقة (وليست التُجارية أو الدعائية) لأهلنا في فلسطين”.

 اعتذارٌ في “ذكاء”، “صدقٌ” في دهاء، وارتباكٌ في عناد. وسيأتي التعليق على هذا الاعتذار مفصّلاً. لكن لا بدّ قبل ذلك من الإشارة إلى أنّ ما يحكم تعليقات زيدان منطقٌ متكامل، بغضّ النّظر عن التّفاصيل.

المستفزّ دائماً وأبداً في تعليقات الدكتور يوسف زيدان، أنّها بأغلبها تخدم الدعاية والرواية الاسرائيليّة، وهي في جلّها تلوم وتشكك بالفلسطينيين. قلّما نجد في تعليقاته القديمة والحديثة ادانة لاسرائيل كما هي الحال بالنسبة للطرف المغتصبة أرضه وحرّيّته. نجد إدانات، لكنها بالمقارنة لا تعدو أن تكون إشارات ومرور على ذكر (كأن يذكر في اعتذاره: غاراته “الغشوم” على غزة) . وحتى وهو يشير مؤخراً قبل الاعتذار إلى القصف على غزة، لا يدين اسرائيل بقدر ما يحمل الفلسطينيين مسؤولية استفزاز الصهاينة. جلدٌ دائمٌ للذات العربية، ولحركة حماس خصوصاً في ما يخصّ المسألة الفلسطينية، من دون أن يقابل ذلك إدانة للغطرسة الاسرائيلية.

لم تبدُ حكاية هروب الأسرى فيلماً هندياً بقدر ما بدت حكاية زيدان من بنات نظريّة المؤامرة التي لطالما انتقدها، وبقدر ما بدت كاشفة من جديد عن دونية ذاتية لا تفارقه

التّشكيك مهمّة شاقّة يمتهنها كلّ باحث عن الحقيقة. لها آليّاتها ومناهجها ومساراتها. والأهم أن غاية التشكيك سامية. لكن عندما تكون الطّريقة هزليَة، والمنهجية أحاديّة انتقائيّة، يضحي التشكيك انحيازاً ذاتياً لصالح رواية يميل إليها المشكّك.

إقرأ على موقع 180  الاتفاق التجاري بين الصين وأميركا.. هدوء نسبي

منذ أيام قليلة، كان الهرب من سجن جلبوع “فيلماً هندياً” بحسب زيدان. الغاية منه كما ظهر في تعليقه على منشوره: حربٌ على غزّة. حكاية الهروب ليست سوى سرديّة اسرائيلية تخفي أمراً ما، كأن تخفي قتل الأسرى أنفسهم مثلاً.

لم تبدُ حكاية هروب الأسرى فيلماً هندياً بقدر ما بدت حكاية زيدان من بنات نظريّة المؤامرة التي لطالما انتقدها، وبقدر ما بدت كاشفة من جديد عن دونية ذاتية لا تفارقه. منطقياً (بما أنه حاجج بالمنطق عندما استبعد رواية الفرار)، أيعقل أن يهدي العدوّ لخصمه نقطة قوّة في الحرب النفسيّة والاعلاميّة إلى هذا الحدّ؟ والسبب ذريعة لضرب غزة؟ اوليست غزة تضرب بسبب وبلا سبب؟ هل لدى اسرائيل مشكلة مثلاً في اختلاق الأسباب؟ ثمّ ماذا عن كتابات الاعلام الغربي والعبري عن العملية؟ هذا أيضاً مجرّد تحريف عن الحقيقة، فيما الوعي العربي مستلب؟ ثمّ لنفترض أنّه كان فيلماً هندياً، فما هو المطلوب منا بالتحديد؟ أن نقول هذا فيلم هندي وكفى؟ ما الذي استفدناه؟ حرّرنا العقول من العبثيّة بهذه الطريقة وكنّا حكماء بحقّ؟

ما يجرح أكثر، أن صاحب الفكر عندما يرمي تهمة كتهمة عدم الوعي مثلاً، يخيّل لمتابعه المنبهر وغير الملمّ أنها عميقة، فيلجأ إما إلى “مبايعة” رأيه، أو إلى السكوت وعدم الاعتراض من باب التشكيك في عدم المعرفة الشخصية مقابل معرفة وعمق وإطلاع المفكر. يغدو جلد الذات هنا مضاعفاً. هو مرة يؤدي إلى تجميد النقاش، ومرة يؤدي إلى تجميد السؤال، ومرة يؤدي إلى تجميد اتخاذ الآراء والمواقف، ومرّة يؤدي إلى التّيه غير المنتج.

المنهج أهم من المعرفة ذاتها. قد يتلقّى شخصان مثلاً نفس المعرفة، لكن المنظومة الإدراكيّة التي تُسقط المعارف عليها قد تبني نتائج متناقضة. وكثيرون من الذين استفادوا من المعارف التي نقلها زيدان، ينتقدونه اليوم في الكثير من آرائه، لا فقط في رأيه حول حادثة النفق الخالدة. المعضلة في كيفية توظيف المعرفة، وتدخل في ذلك أبعاد كثيرة، منها النفسي، ومنها الاجتماعيّ.. وغير ذلك؛ من هنا أهمية النقد الذاتي دائماً والمراجعة الذاتية ليس فقط للتفصيلات، بل للمنظومة الإدراكية ككل.

لو لم يكن من عملية نفق الحرية الخالدة إلا ارباك منطق يوسف زيدان وجبره على الاعتذار (ولو أنه قدّم اعتذاراً مبهما) لكن ذلك يكفي حتى لا يكون مشهد فرار الأحرار عبثيّاً، كما يدعي

يوسف زيدان الحالة لا الشخص، عندما يتكلّم في المسألة الفلسطينية يؤذي، وفي كلّ مرة يؤذي فيها يصبح التسامح مع آرائه فعلاً صعباً، وإن اعتذر، طالما أنّ اعتذاره كان على تفصيل لا على نهج. صعب جداً ان نتسامح مع من يخدم المغتصب بهذا الوضوح حتى لو إفترضنا أن الأمر كان من باب ردعه. عملياً، أنت لم تردع مغتصباً، ولم تخدم مغصوباً. ولم تؤسس لوعي تراكمي محمود. أنت خدمت الشامت والمحتلّ فقط، وهذا يولّد أعطاباً تتراكم في وعي الجيل الجديد. وسبب هذه الأعطاب كل منطق زيدان في ما يتعلق بالمسألة الفلسطينية. وقد تم إفراد مقالة توضيحية سابقاً عن هذا الأمر.

ما كان على يوسف زيدان الاعتذار انطلاقاً من أثر فعله على قلب من انزعج من كلامه، بل كان عليه أن يعتذر لنفسه من فعله. من منطقه. وأن يظهر مراجعته لمنطقه هذا في بيان الاعتذار.

لكن، عودٌ على بدء، ورغم الحالة المُسمومة التي يزرعها زيدان، ثمّة شيءٌ ما تغيّر. تكاد فلسطين أن تشوّش على حالة كحالة يوسف زيدان، كما شوّشت على المطبعين في المغرب وأدت إلى سقوطهم سقوطاً مدوياً في الانتخابات النيابية مؤخراً. ولو لم يكن من عملية نفق الحرية الخالدة إلا ارباك منطق يوسف زيدان وجبره على الاعتذار (ولو أنه قدّم اعتذاراً مبهما) لكن ذلك يكفي حتى لا يكون مشهد فرار الأحرار عبثيّاً، كما يدعي.

تنطق فلسطين بأحداثها المتفرقة والاستثنائيّة هذا العام. تنطق بالشعوب أكثر مما تنطق بالحكام. تنطق بالأفراد كإعلاميين في السوشيل ميديا اكثر مما تنطق بوسائل الإعلام أو الأبواق. تنطق بالفكرة الفطريّة قبل أن تنطق بالفكرة المنتقاة. ولأنها كذلك، فهي تنطق لتوحّد في مكان ما. تنطق لتخلق روحاً جامعة. لكن الفرق أن الشعوب المتعبة ما عاد عندها ما تخسره. غريقة وما خوفها من البلل. غريقة وتبحث عن مخلّصٍ بعيداً عن النزعات الطهورية.

فلسطين اليوم تغيرت من وصفها قضية حق، إلى كونها مسألة خلاص. فلسطينُ الخلاص تتراءى الآن في الوجدان، جبلاً للحرية والتحرُّر، لا نفقاً وحسب.

Print Friendly, PDF & Email
ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  مصر بين سعد زغلول واللورد الإنكليزي ملنر