لم يبقَ أمام اللبنانيين إلا إستنساخ قرطاجة!

ثمة من يرى في سعيد عقل "سعيدين"، الشاعر والسياسي: شاعر قلة من شعراء القرن العشرين تحاذي قامته؛ أما السياسي فهو "سعيدان" أيضاً، الأول، متصالح مع الفضاء العربي العام، والثاني، موغل في "لبنانوية" مغلقة ومتصادمة مع محيطها إلى حدود النكران الحضاري والتاريخي لروابط القربى بين اللبنانيين والعرب.

في محاضرة ألقاها سعيد عقل في الجامعة الأميركية في بيروت بتاريخ 13 كانون الثاني/يناير 1954، بعنوان “مشكلة النخبة في الشرق”،  وأعادت دار “الكشاف” البيروتية نشرها في العام نفسه، يتحدث شاعر لبنان الأكبر عن مجالين: مجال النخبة ومجال الخطر الإسرائيلي على الوطن اللبناني.

في المجال الأول، يتحدث سعيد عقل عن النخبة ومحدداتها ودورها وعن كونها “فوق شهوة السلطة” وفي ذلك يقول:

“ليست النخبة أفراد أفذاذا بما هم أفراد أفذاذ، ولا طبقة مثقفين بما هم طبقة مثقفين، إنها جسم حي ذو معرفة وخُلق في مستوى المصائر الكبيرة، واع ذاته ودوره في العالم، ما هي كالآلة تستقبل الوجود وإنما كالإنسان تقصد الوجود، لا تجهل شيئا بلغه العقل في أية بقعة من بقاع العالم”.

وأي دور للنخبة؟

يقول عقل “النخبة لا تتصرف تلقائيا أو اندفاعا في تيار، وإنما عن فعل إرادة وعن إدراك بأنها هي المسؤولة في النهاية عن مستقبل الإنسان في الأرض وربما في ما وراء الأرض”.

هذا نص فلسفي بإمتياز، يعكس قراءات الشاعر للفلسفة اليونانية، وهو لا يجعل ذلك مخبوءا ولا مخفيا، ففي مقدمة الكتاب ـ المحاضرة إهداء إلى فيتاغورس “أحد علية العقول في جميع الأزمنة” وقوله الذائع الصيت “سأخاطب الحكيم فأبعدوا الجهال”.

وحيال ذلك، يسأل سعيد عقل “هل يعني هذا أن النخبة حزب؟ ويجيب “حاشى ان تكون النخبة حزبا”!.

لماذا؟

يتوسع سعيد عقل في الإجابة ويقول “الحزب عمل سياسي، إذا يتطلب الحُكم، والنخبة أكبر من أن تطلب الحُكم وأكبر من الحُكم، تسلم زمام الحُكم مشوب بشهوة السلطة، والنخبة فوق شهوة السلطة وفوق السلطة، الحُكم دولاب من دواليب تشرف عليها النخبة، والنخبة المُلتفت ـ الإتجاه ـ الذي إليه تتحرك النخبة، وقد يحارب الحزب بلا هوادة حزبا آخر، ليقوى ساعدا وينتصر ويتسلم الحُكم، الحزب ينفي سواه، النخبة تلهم سواها”.

حقيقة الأمر، أن هذا التعريف للنخبة، قد يكون سعيد عقل سباقا إليه، وقد يكون من قلة نادرة أصابت بتعريف النخبة وتحديد مهامها ومعرفتها بما يدور ويجري “في أية بقعة من بقاع العالم”، ومن هنا يأتي قوله الصارخ “لأن في بعض دول الشرق أحزابا، ليس إلى جنبها نخبة، كانت مأساة فلسطين”.

بحسب سعيد عقل “عندئذ قد يفقه اللبنانيون مغزى آية من سفر زكريا يتغنون بها في اسرائيل: افتح أبوابك يا لبنان ولتلتهم النار أرزك، وفي ذلك اليوم قد لا يبقى أمامنا إلا أن نعمل يائسين ما عمله أبناؤنا في قرطاجة”

الحديث عن فلسطين، يجر سطور أذياله إلى لبنان، وفي ذلك يقول سعيد عقل من موقع المحذر والمتيقظ:

“خذ الشعب اللبناني مثلا، وهو الشعب الوحيد الذي تهدف الصهيونية إلى محوه من الوجود، من يتولى فيه تحضير حرب الغد ضد الصهيونية؟ حرب الإمحاق أو الحياة، لو أن النخبة وطيدة الوجود في لبنان، لراح لبنان منذ أربعين سنة، يعد لمواجهة الخطر، ذلك أن الصهيونية منذ أن تأسست، انطوت طبيعيا على محو لبنان”.

ما الذي أفضى بالشاعر إلى هذه الرؤية؟

وفقا لسعيد عقل “الرقعة الممتدة من العراق إلى ليبيا، ومن الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي، إما صفر مياه وإما ذات مياه أجنبية المنبع، إلا لبنان، لا ينابيع قومية إلا في لبنان، إسرائيل إذن، بحاجة إلى جبلين: جبل صهيون تستلهم منه المعنويات، وجبل لبنان تستمد منه الحياة”.

وأكثر من ذلك، يستطرد سعيد عقل شارحاً ومفصلاً وقائلاً:

“لو أن في لبنان نخبة موطدة الأركان، لأقامت على طرقاتنا بارومترا يسجل درجة ارتفاع العدد من سكان اسرائيل، إلى سنوات كانوا مئة ألف، عُشر لبنان يومئذ، بعيد الحرب ـ العالمية الثانية ـ اصبحوا فوق المليون، ها هم اليوم نحو ضعفي سكان لبنان، وإذا استمروا على هذا التزايد انفجرت بهم الحدود، عندئذ ستهزأ أرقام الديموغرافيا بقصاصات الضمانات الدولية، ولات ساعة مندم”.

لماذا: لات ساعة مندم؟

بحسب سعيد عقل “عندئذ قد يفقه اللبنانيون مغزى آية من سفر زكريا يتغنون بها في اسرائيل: افتح أبوابك يا لبنان ولتلتهم النار أرزك، وفي ذلك اليوم قد لا يبقى أمامنا إلا أن نعمل يائسين ما عمله أبناؤنا في قرطاجة”.

ماذا فعلوا في قرطاجة؟

بعدما هاجم الرومان المدينة وأمعنوا في سكانها حصارا وتجويعا وحرقا وقتلا وأسرا “بقي تسعمئة بطل حول ملكتهم في القلعة، يأبون الإستسلام، فيضرمون نارهم التقليدية ويقذفون بأنفسهم الواحد تلو الآخر في شبه حفلة دينية، حتى إذا كادوا ينتهون، تقدمت الملكة وقد ارتدت أفخر ثيابها والحُلي، ورمت بولديها إلى النار، ثم لحقت بهما وبقرطاجة العظيمة”.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  التدقيق الجنائي.. "ألفاريز" تعيد الكرة مجدداً إلى مصرف لبنان
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  هل المنظومة اللبنانية الفاسدة تهدد مصالح فرنسا؟