الإطار المعرفي للفكر الإسلامي: متى تحدثُ “الثورةُ الكانطيّة” (1)؟

عند التعمّق في أعمال الفيلسوف الألماني الكبير عمانوئيل كانط (Emmanuel Kant؛ ت. ١٨٠٤ م)، الشيخ الأكبر للفلسفة النقديّة المُتعالِية، وصاحب "نقد العقل الخالص" و"نقد العقل العملي" و"نقد ملكة الحُكم".. نفهم أننا أمام عمل فكري ثوري، وأمام جهد مؤسس لمرحلة جديدة - في زمانه - على المستويات الفلسفية والمعرفية والثقافية معاً.

تكمن النقطة الأهم في سبيل فهم الطابع الثوري لعمل كانط، في السؤال الفلسفي-المعرفي (أي الأبستمولوجي) المركزي الذي شغل ذهن “أعظم فلاسفة العصر الحديث”، كما يصفه عبد الرحمن بدوي (١٩٨٤، موسوعة الفلسفة، ط. ١، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص. ٢٦٩): ماذا يمكنني أن أعرف؟ فقد أراد كانط – ابن العائلة البروتستانتية اللوثريّة الملتزمة – أن يفصل بشكل دقيق ومُحكم بين “ما يمكن معرفته” من خلال العقل (والإدراك، وهو من ضمن هذا الأخير عنده)، وبين “ما لا يمكن معرفته” من خلال العقل، واضعا نفسه في موقع “الناقد” لكلا الاختصاصَين: الفيزيقي (أي الطبيعي، العلمي بالمعنى الحديث) والميتافيزيقي (أي الماورائي، ما-وراء-الطبيعة)؛ ولكلا المدرستين الروحيّة والماديّة، وكذلك المدرستين المثاليّة والتجريبية.. مع اختلاف التّسميات.

لقد أراد كانط، من خلال محاولته إثبات وجود قوالب وأسس “قَبليّة” (A priori) تؤطّر عمل الإدراك (بمعنى: Entendement) وتتحكّم به فطريّا، ومن خلال محاولته إحكام هذه القوالب والأسس والقوانين القَبلية، أن يضع نوعاً من الحدود لما يمكن للعقل البشري أن يعرفه. وهو في الواقع، أي العقل، بحسب كانط، لا “يعرف” شيئا إلا بشرط الانطلاق من التجربة الحسّية: فالمعرفة العلميّة شيء، والتفكير بالماورائيات والنظر في المكاشفات الصوفية شيئان آخران كليّا. وبذلك يكون قد أعطى للميتافيزيقيا ما للميتافيزيقيا، وللعلم التجريبي ما للعلم التجريبي.

وقد هدف كانط من وراء ذلك برأيي، وبتأثير ثقافي بروتستانتي أكيد، أن يحمي عالم الإيمانيات والمسلّمات من جهة، وعالم العلم بالمعنى الحديث من جهة أخرى. ومن خلال إثبات هذه القوالب والأسس “القبليّة”، فلا شك في أنّ كانط قد فتح الباب واسعا أمام الانتقال من عالم البحث عن الأفكار البحتة والمطلقة (على طريقة الأفلاطونيين وديكارت) إلى عالم بين عالمين (أي عالم برزخي): هو عالم المفاهيم. فبدل أن يكون اهتمامنا هو – بطريقة أو بأخرى – فقط في البحث عن الحقائق العقليّة البحتة والمطلقة (موقف تيار النزعة العقلية والأفلاطونيين، وحتى الأرسطيين والمشّائين)، أو فقط في البحث عن المعطيات الخارجية من خلال التجربة الحسّيّة (موقف تيار النزعة التجريبية، وشيخه الأكبر دايفيد هيوم): يوجّه النقد الكانطي الاهتمام حكماً إلى عالم حقائق برزخي؛ هو حسّي من جهة، وقَبلي-عقلي من جهة أخرى. إنها نظرية الخيال الكانطيّة: فالخيال عنده يصنع “إسكيمات” (Les schèmes) هي برزخ بين العقلي المحض والحسّي المحض.

من هنا تأتي عبارة الكانطيين: “لا شيء معطىً..  كلّ شيء مبني”

ليست قضيّة الإسكيمات الكانطيّة هذه بالعابرة أبدا في تاريخ نظريّة المعرفة، ولا في سياق تطوّر الفكر الفلسفي الإنساني ككل، وهذا ما يؤكده أغلب المتخصّصين الذين اطلعت على تعليقاتهم حتى الآن (من الأعمال الرصينة والشاملة: أوليفييه ديكنز، فهم كانط Comprendre Kant، باريس: آرمان كولان – بالفرنسيّة). بل يذهب الفيلسوف الفرنسي المعاصر لوك فيري إلى الحديث عن “ثورة إسكيمية” (راجع:Luc Ferry, 2008, Kant :L’oeuvre philosophique expliquée, Coffret 4CDs, Frémeaux et Associés) قام بها كانط. إنّ هذه الثورة قد نقلتنا، على حدّ تعبير لوك فيري، “من الفكرة إلى المفهوم”، أي “من المعرفة من خلال الفكرة إلى المعرفة من خلال العمَل (أو الجهد)”. وهو عمل تجميعي وتركيبي بطبيعة الحال لا بد منه للوصول إلى “المفهوم”. ومن هنا تأتي عبارة الكانطيين: “لا شيء معطىً..  كلّ شيء مبني”.

إنّ الفلسفة النقديّة تقودنا إذن، حكماً، إلى عقليّة بناء المفاهيم، ولذلك فقد نسبنا سابقاً نظريّة العالم الاجتماعي الألماني ماكس فيبر (ت. ١٩٢٠ م) حول “النموذج-المثالي” (L’Idéaltype) إلى المدرسة الكانطية، وهي نسبة واضحة الأسباب والتبريرات، وسنعود إليها بالطبع خلال الحديث عن بناء المفاهيم في الإسلاميّات.

لكن، لنتوقّف قبل ذلك عند مختصرَين توضيحيّين، الأوّل منهما للفيلسوف السيد محمد باقر الصّدر (ت. ١٩٨٠ م) حول أحد أهم جوانب النظريّة الكانطيّة في المعرفة (١٩٨٠، فلسفتنا، ط. ١٠، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، ص. ١٤٨):

“وعلى هذا الضوء وضع (كانط) حدا فاصلا بين (الشيء في ذاته) و(الشيء لذاتنا). فالشيء في ذاته هو الواقع الخارجي دون أي إضافة من ذاتنا إليه. وهذا الواقع المجرّد عن الإضافة الذاتية لا يقبل المعرفة، لأنّ المعرفة ذاتية وعقلية في صورتها. والشيء لذاتنا هو المزيج المركّب من الموضوع التجريبي، والصورة الفطرية القبليّة التي تتحد معه في الذهن. ولهذا تكون النسبية مفروضة على كل حقيقة تمثل في ادراكاتنا للأشياء الخارجية، بمعنى أنّ ادراكنا يدلنا على حقيقة الشيء لذاتنا، لا على حقيقة الشيء في ذاته”.

غير أنّ هذا الكلام لا يعني نفي الموضوعيّة أبداً كما ينكبّ ماكس فيبر على شرحه في أعماله الفلسفيّة والمنهجيّة، بل تتحوّل الموضوعيّة من كونها “حقيقة في الواقع الخارجي لا في داخل الإنسان”، إلى كونها “ما هو مقبول حُكماً بالنسبة لكلّ الأفراد” (Est objectif ce qui est universellement valable). واللافت أنّ “الواقع الخارجي” هذا لا دليل على كونه منظّما بذاته أصلا عند كانط؛ بل إنّ إدراكنا هو الذي يبديه لنا بشكل منظّم من خلال القوالب والأسس القَبليّة الفطريّة التي تحدّثنا عنها! وهذه النظرة تشبه إلى حدّ كبير النظرة الصّوفيّة-العرفانيّة التي تتكلّم عن كوننا في هذه النشأة الدّنيويّة ضمن عالم الحُجُب، وقد يكون الدماغ أو العقل المفكّر (“الذّهن” عند الهندوس) هو الحجاب الأكبر (راجع قول شيخ الصوفيّة الأكبر – و”كبريتها الأحمر” – محي الدّين ابن عربي المتوفي عام ١٢٤٠ م: “كلّ تفكّر لا يعوّل عليه!؛ وذلك في عمله: رسالة الذي لا يعوّل عليه).

أمّا المختصر الثاني فهو لعبد الرحمن بدوي في موسوعته الفلسفية المشهورة (مصدر مذكور، ص. ٢٧٦)، حول الخيال الصانع للإسكيمات البرزخية بين الفكر والحس (من المدهش التشابه، لكن في سياق وجودي ومعرفي مختلف، مع نظرية ابن عربي العرفانية حول “البرازخ” و”عالم الخيال”):

 “ولكي تنطبق المقولات [وهي “تصورات محضة للذهن تنطبق قبليّا على موضوعات العيان بوجه عام” أي أنها تصورات محضة تنطبق قبليا على معطيات التجربة الخارجيّة] على الظواهر لا بد من وسيط هو الخيال؛ ذلك أنّ الخيال حسّي، لأن الصور التي يزوّدنا بها هي دائما في المكان والزمان. لكن الخيال، من ناحية أخرى، تلقائي، ومنتج، أعني أنه يمكنه، قبليا ووفقا للمقولات، أن يخلق اسكيمات، هي بمثابة رموز يمكن أن تترتب تحتها العيانات الحسّيّة. فمثلا نحن لا نستطيع التفكير في دائرة دون أن نرسمها في ذهننا، أو أن نفكر في الزمان دون أن نرسم مستقيما خياليا، أو في الكم دون أن نتصوره عددا. إلخ. وثم من الاسكيمات بقدر ما هنالك من المقولات […].”

عندما يحاول ماكس فيبر أن يفهم “الرأسمالية”، فهو يبني نموذجها-المثالي في ذهنه، أي مفهومها: فلا هذا المفهوم موجود في الواقع الخارجي حقيقة (أين هي الرأسمالية؟ وهل هناك رأسمالية واحدة؟ وهل يفهم كل الناس الرأسمالية بنفس الطريقة في ذهنهم)؟

 فأنت عندما تفكّر في معنى “دائرة”، يتكون في خيالك – حكماً – تصوّر لدائرة ما، هو الإسكيم: لا هو حسّي بحت (أين هي هذه الدائرة في الواقع الخارجي؟)، ولا هو عقلي بحت (هل يمكنك تمثّل الدائرة ذهنيا بلا أي تصوّر؟). وكذلك عندما يحاول ماكس فيبر أن يفهم “الرأسمالية”، فهو يبني نموذجها-المثالي في ذهنه، أي مفهومها: فلا هذا المفهوم موجود في الواقع الخارجي حقيقة (أين هي الرأسمالية؟ وهل هناك رأسمالية واحدة؟ وهل يفهم كل الناس الرأسمالية بنفس الطريقة في ذهنهم؟)، ولا يمكن التفكير به فقط من خلال العقليّات (هل يمكن التفكير بالرأسمالية من دون تصور معالمها ومظاهرها الأساسيّة؟). إنّه مختصر مختصرات نظرية المفاهيم عند (كانط)، والنموذج-المثالي عند (فيبر). وكذلك الأمر في المواضيع البحثية في الإسلاميّات: عندما أبني تصوّرا ما لكيفية فهم الفقهاء المسلمين لمسألة “الأسرة” مثلا، فلا أنا قد بنيت معطى موجودا في الواقع الخارجي حقيقة (أين هي “الأسرة الإسلامية”؟)، ولا يمكنني أن أفكّر في هذا النموذج المُثُلي-العقلي بلا تصوّر له على مستوى الخيال. إنّها، في الحقيقة، معالم ثورة فكريّة قد بدأت مع كانط، ولا بدّ من التفكير في تطبيقها على عالم (التأويل والفَهم) في الفكر الإسلامي كما سيلي.

إقرأ على موقع 180  عن مشروعَي أركون والجابري في ظِلال ميشال فوكو (5)

عجيبة، فعلا، قصّة المعرفة هذه.. فلنعدْ إلى سؤالنا الكانطي الأساسي، إذن: “ماذا يمكنني أن أعرف؟”. الجواب الكانطي، مع نكهة تبسيطيّة لا بدّ منها هنا، هو باختصار: لا يمكنك أن تعرف شيئاً إلا انطلاقا من التجربة الحسّيّة (الزاوية التجريبية)، لكنّك لن تعرف الأشياء “في ذاتها” بل “لذاتك” (الزاوية العقليّة)، أي بعد المرور بالقوالب الفطريّة التي تتحّكم بإدراكك وعقلك (وبعد المرور – بينهما – أيضا بخيالك المتوسط بين الحسّيات البحتة والعقليّات البحتة؛ وهو الصانع للإسكيمات… والمفاهيم). أمّا ما يسمّى بالحقائق الماورائيّة (الله، الروح، الحياة الأبديّة، العلّة الأولى، العقل الأوّل إلخ.)، فلا يمكن ادّعاء معرفتها، ببساطة لأنها لا يمكن أن تخضع للتجربة الحسّيّة. نقطة، وكفى (بحسب كانط…). نعم، يمكن ملاحظة وجود مسلمات ميتافيزيقيّة لا بدّ من الأخذ بها عمليا (من هنا: نقد العقل العملي)، لكن لا يمكن تفسيرها وجوديا ولا تعليلها ولا معرفة ماهيّاتها الحقيقيّة (مثل وجود القانون الأخلاقي فطريا بالنّسبة إلى عقلنا، وبالتالي وجود حريّة الارادة المرتبطة به حكما). بالطبع، إنّ نظرة “ذهنيّة” كهذه لا يمكن للعقل النيو-أفلاطوني والصّوفي-العرفاني “التذوّقي” أن يقبلها بالمبدأ، فقد يتهكّم بعض المتصوّفين قائلا: إذن، حسب كانط، نحن – عمليّا – نكاد لا نعرف شيئا! إنه العلم الذي لا ينفع، ونعوذ بالله من كلّ علم ظنّيّ، وهو في النهاية لا ينفع! (أي لا ينفع في معرفة الأسماء الإلهية التي هي أسماء الوجود وصفاته الأوّليّة الأزليّة).

لكن، وكما أسلفنا، فإنّ ما يهمّنا على وجه الخصوص في عمل كانط، وفي طبيعة “الثورة الكانطية” تحديدا، مبنيٌّ على فكرتين مركزيتين:

أولاً؛ أصل طرح القيام بعمل نقدي “لما يمكن معرفته وما لا يمكن معرفته”؛

ثانياً؛ مسألة الخيال والإسكيمات، وبالتالي، مسألة “بناء المفاهيم”، وهي مرتبطة بما سمّيناه بالبرزخ الضروري للتنقّل بين عالم الفكر المحض وعالم الحسّ المحض.

غير أنّ سؤال “ماذا يمكنني أن أعرف؟”، في ظل وجود نصوص وخطاب حديثي وعقائدي وفقهي، كما في حال التراث الإسلامي، يتوجّب أن يصبح بطبيعة الحال: “ماذا يمكنني أن أؤوّل؟”. فنحن، ضمن تراث كالتراث الإسلامي، أمام معانٍ (وخلفها حقائق مفترضة) يُصبحُ من الضروري العمل على استخراجها (قياساً أو استقراءً حسب تموضعنا) من خلال دراسة النصوص (والخطاب بشكل أعم). عندما يتخفّى المعنى خلف النص (والخطاب)، نصبح في عالم التأويل، وهو تأويل ليس فقط بالمعنى الروحي (كتأويل النص المقدّس مباشرة)، بل هو يشمل استخراج المفاهيم الممكنة في كل جوانب الفكر الإسلامي: علم الكلام، العقيدة، الفلسفة، السلوك، الاجتماع، الاقتصاد إلخ.

ولا بدّ هنا من التذكير بالجهد الضخم الذي قام به، حول مسألة التأويل هذه، باحثون كمحمد عابد الجابري، نصر حامد أبو زيد، محمد أركون، وحتى محمد باقر الصدر، أدونيس وجورج طرابيشي وغيرهم.. لكنّ ما نودّ إضافته على مستوانا ومن زاويتنا: هو التركيز على مسألة “بناء المفاهيم”، ضمن العملية التأويلية، وفي سياق الثورة الكانطية السالفة الذكر، وهو تركيز من شأنه أن يجعل من عمليّة “التأويل” هذه عمليّة أقرب إلى “التقنية” الموضوعية، وأقرب إلى المنهجية العلميّة بطبيعة الحال.

يُعرّف المتخصّص الدكتور محمد الزحيلي (كلية الشريعة في دمشق): “التأويل لغةً، مصدر من أوّلَ، يؤوّل تأويلاً، وأصله من آل أي رجع، ويستعمل في الاصطلاح في ثلاثة علوم شرعيّة، وهي علم التفسير، وعلم الكلام والعقائد، وعلم أصول الفقه، وله في كل علم معنى خاص.” مع ذلك نلاحظ الاشتراك البيّن طبعا بين كلّ التعريفات في فكرة: الرجوع إلى المعنى الكامن (الممكن) خلف النصوص والخطاب بشكل عام. ففي علم التفسير، التعريف الأكثر انتشارا ومرادا حسب الزحيلي هو: “التأويل: هو استنباط العلماء لمعاني القرآن الكريم بالاجتهاد، ويكون بالفهم والاستنباط والدراية (…)”. وفي علم الكلام والعقائد: “صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به (…)”. وفي علم أصول الفقه: “يتفق علماء الأصول مع علماء الكلام في تعريف التأويل بأنه صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر غير ظاهر، لقرينة تقتضي ذلك (…).”، (السحمراني، أ.د. ٢٠١١، موسوعة الأديان (الميسّرة)، ط.٥، تأليف جماعة من المختصّين، بيروت: دار النفائس، ص. ١٦٦-١٦٧). دون الدخول في تفاصيل أكثر، يظهر لنا أنّ التأويل يتضمن فكرة “البحث عن المعنى الكامن خلف النصوص والخطاب”، وهو بطبيعة الحال، بحث لا يمكن أن يكون إلا مرتبطا بالاجتهاد الشخصي للباحث. لذلك فمن الأفضل الحديث عن “البحث عن (المعنى) (الممكن) و(الكامن) خلف النصوص والخطاب” (الخطاب في كل المجالات المذكورة طبعا، وحسب الاختصاص والعلم المعنيين).

الفهم هو “انتزاع، لكن موضوعي، للمعنى الممكن” (أو بحث عنه)، والتأويل “كتنظيم-ترجمة، من خلال المفاهيم، لهذه المعاني الممكنة” التي يمكن انتزاعها إذن انطلاقا من النصوص والخطاب

إنّ إضافة “الممكن” على التعريف السابق يغيّر اللعبة بشكل جوهري، وهذا ما يعيدنا إلى أبحاثنا السابقة حول “النموذج-المثالي” لماكس فيبر وقضية التأويل. فبالعودة إلى الحديث عن كانط والمدرسة الكانطية، لقد ارتأينا الأخذ بتعريف علمي معاصر للتأويل، يقرّبنا من المنهجيّة العلميّة ومن عالم بناء المفاهيم. وكما أوضحنا في أعمال سابقة (مثلا: أبو حمدان، مالك، ٢٠٢١ [٢٠٢٢]، بين محمد باقر الصدر وماكس فيبر: طرح لتجديد منهجية بناء المفاهيم في الإسلاميّات، بيروت-النجف الأشرف: العارف للمطبوعات)، فإنّنا نفضّل الأخذ بتعريف المدرسة الاجتماعية المعاصرة المعروفة بالتأويلية-الفَهميّة (وشيخها العالم المذكور: ماكس فيبر). والتأويل عندها “تنظيم للمعنى الذاتي (غير الموضوعي) من خلال مفاهيم”. أما نحن، كما فعلنا في أعمالنا حتى الآن: فنعتبر الفهم على أنه “انتزاع، لكن موضوعي، للمعنى الممكن” (أو بحث عنه)، والتأويل “كتنظيم-ترجمة، من خلال المفاهيم، لهذه المعاني الممكنة” التي يمكن انتزاعها إذن انطلاقا من النصوص والخطاب (والأخيرة تشكل بالتالي: المعطيات التجريبية). وقد خصّصنا في السابق كتابين وعدة مقالات لهذه القضيّة التي تعنى بمسألة “بناء المفهوم” ونظرية “النموذج-المثالي” (عند ماكس فيبر)، ونظريتي “منطقة الفراغ” المفاهيمية و”طريقة الطوابق” (عند السيد محمد باقر الصدر). على أنّ استعمال الأدوات العلمية التأويلية المذكورة، لا يمكن أن يحصل دون الأخذ باحتياطات أساسيّة، على طريقة “النقد الكانطي”:

فهل يمكنني، كباحث علمي مستقل، أن أؤوِّل ما أريد؟ ماذا يمكنني أن أؤوِّل في نهاية الأمر؟ هل هدفي هو الوصول إلى الحقائق الإلهيّة و/أو الأزليّة خلف النصوص والخطاب؟ هنا، ندخل في لبّ القضيّة، ونعود إلى فكرة أهمية “الثورة النقدية الكانطية” المنتظرة في الفكر الإسلامي. فلا بدّ من إحكام دقيق، كما نرى، للحدود بين “ما يمكن تأويله” و”ما لا يمكن تأويله”: تماما كما فعل كانط في “نقد العقل الخالص”، علينا أن نسير ربما نحو ورشة عامّة يكون عنوانها “نقد العقل التأويلي الإسلامي”.

 نترك التفاصيل للجزء الثاني من المقال طبعاً، مع التشديد، قبل ذلك، على نقطتين. الأولى: أنّنا في عملية التأويل (من خلال بناء وتنظيم المفاهيم الممكنة، المبنيّة على المعاني الممكنة)، نضع الإدراك في مقابل النصوص (والخطاب)، ليس بهدف الوصول إلى الحقائق الميتافيزيقية الأخيرة، وإنما لاستخراج المعاني المفاهيمية الممكنة خلف الخطاب (لا أكثر). أما الوصول إلى الحقائق الأزلية الأخيرة، والتفضيل الذاتي بين المعاني الممكنة المستخرجة، فهو ليس من وظائف الإدراك بالمعنى الكانطي (قد يكون من وظائف إدراك من نوع آخر، هو “القلب” مثلا عند الصوفيّة). وبالتالي، نصل إلى النقطة الثانية: لا ينفي عملنا المقترح الموضوعيّة (أنظر إلى التعريف الكانطي المعتمد أعلاه)، ولا تتدخّل الذاتية إلا بهدف اقتراح عدة مفاهيم (أو نماذج-مثالية) ممكنة، تماما على طريقة القوالب القَبليّة الكانطية المرتبطة بطبيعة العقل البشري. الذاتية هنا لا تتخطى كونها أداة للبحث لا أكثر: نعود بوضوح إلى محمد باقر الصدر وماكس فيبر.. وخلفهما شيخ المدرسة النقديّة الأكبر: عمانوئيل كانط.. (يتبع)

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

باحث، خبير مالي وإقتصادي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  يا حسرتي.. إنها "متلازمة ستوكهولم" اللبنانيّة!