أميمة الخليل لا تتوقف عند “الإشارة”.. بل تمضي!

مرة جديدة، تُعيد أميمة الخليل للإلتزام معناه الحقيقي. فنانة تخالف "إشارة" السائد الذي ينتهك يومياً ذائقة الناس، ترويجاً للسيء والسهل و"ما يطلبه الجمهور".

قررت أميمة الخليل السير عكس التيار السائد. أن تختار بفطرتها وخبرتها الإنتصار للإنسان، للجمال، للحرية. أن تلتزم بصوتها وأن يلتزم صوتها بقضايا الإنسان. الإنسان أينما كان. في لبنان وفلسطين، كما في أي مكان.

تخوض أميمة دائماً غمار الصعب إلى حدود التعب دونما تخطيط مسبق، لكنها مدمنة غناء. فكرة الإشتغال على الذات لا تبارحها. تتصرف كأنها تلميذة. من لحظة “الميادين” ومرسيل خليفة إلى لحظة “الشريك”. هاني سبليني الشريك ليس بمعنى الزوج والحبيب فقط، بل الشريك في هم الإشتغال الموسيقي والغنائي.

ربما بات الإلتزام يحتاج إلى تعريف من جديد. لا مضمون سياسياً لهذه العبارة. هي قناعة فنانة حرة تسعى إلى الأفضل.

إذن ليس غريباً على أميمة الخليل أن تخوض تجربة رائدة من نوعها في العالم العربي هي الاقتراب من عالم الصم بالموسيقى. كان بيتهوفن أصماً حين ألّف السيمفونية التاسعة. لم يسمعها بأذنيه ولكنه رأى الأكف تلتهب بالتصفيق في أعرق المسارح وأكبرها.

الموسيقى هي أسمى أنواع التجريد. إحساس يصلنا من إيقاع الجسد وإهتزازات الروح وجمالية السماع، ولكنه ليس سهلاً أن تجعل هذا الراقص الأصم يتفاعل مع صوت أميمة الخليل وموسيقى أغنياتها بهذه الحلاوة والبهجة والإنسيابية. هذا ما تردّده هي وزوجها الفنان هاني سبليني حول عملهما الجديد “الشمعة الرسامة” (the painting flame) وعروضها القادمة في “ستديو بيروات” (pirouette studio) في عين عار (قضاء المتن) بدءاً من التاسع من كانون الأول/ديسمبر الحالي وحتى التاسع عشر منه.

تبدو أميمة واثقة من خيارات تنحو بها نحو فئة مهمشة في المجتمع المهشم من أساسه. يزيدها تصميماً شغف هاني سبليني التجريبي. شراكة لا تكتمل إلا بوجود بيار جعجع الراقص الأصم الذي ما أن رأته أميمة يرقص في أحد عروضه حتى أدخلها في عالم الدهشة وكانت رغبة في خوض غمار عالم لغة الإشارة والجسد والتعبير المختلف والمتميز.

الفتاة التي خاضت غمار الفن الملتزم في عمر 12 سنة، ها هي تلعب مُجدداً. من “الميادين” تجربة العمل الجماعي التي عرفها الوطن العربي وعواصم عالمية عديدة.. إلى تجربة فردية تلعب مع كل حروف الموسيقى واللغة. عالم لا ينتهي. نعم هذه ريادة، ولكن ألم يكن عملها “صوت” مع “فرقة الفيحاء طرابلس”، من تأليف الفنان مارسيل خليفة أول أكابيلا في لبنان بهذه الروعة والجمال؟ هذه هي أميمة التي غنّت قصائد لقامات شعرية عربية مثل محمود درويش وجوزف حرب وطلال حيدر ومحمد العبدالله وجرمانوس جرمانوس ونزار الهندي وغيرهم..

“السهل غيرُ مغرٍ”. تهوى أميمة الخليل التحدي. “الإنسان هو الهدف الحقيقي للفن الحاضن للهموم الواقعية والوجودية”. هذا ما تردّده فنانة تُطّلُ كالعصفورة من نافذة التحدي لتُغرّد بصوتها الذي هو صوت من الناس للناس.

أميمة الخليل مُجدداً تسير عكس السائد. تختار أن تكون مختلفة. هذه ليست فطرة وخبرة. هذا عمل فدائي عندما تُقرّر إقتحام عالم الصم وذوي الحاجات الخاصة. عالم يحتاج إلى أدوات ولغة خاصة. في لبنان وعالمنا العربي ليست كثيرة التجارب التي تحاول المواءمة بين هذه الفئة المهمشة وبين باقي الفئات المجتمعية. في أغلب مجتمعاتنا ثمة تنميط ونظرة دونية بدل محاولة تشجيع هذه الفئة على الإندماج وإكتساب المهارات. حتماً واجهت أميمة الخليل صعوبات في تنفيذ عملها الجديد برغم قناعتها الراسخة أن الموسيقى إحساس لا بد وأن يصل، فهل هي تختار دائماً غير المألوف؟

“أنا أذهب باتجاه أرى فيه الكثير من الطاقة التي أستطيع من خلالها بناء عملٍ فنيٍّ محترم وهادف أقدّمه للناس. الطاقة التي أتحدث عنها هنا وجدتها عند بيار جعجع الفنان الأصم الذي لا يقف أي عائق أمام إرادته في التواصل مع كل الناس. كان لا بد من التعارف. تبادلنا الآراء. سرعان ما تناغمنا فكرياً واتفقنا على تقديم هذا التناغم بأعمال فنية مشتركة أسميناها “صوت وحس“.

اطلقت أميمة الخليل وزوجها هاني سبليني تجربة جديدة لا بد وأن تكبر مثل حبة القمح. “زرعنا فكرة ولا بد من بلوغ الهدف: إنشاء فرقة من الصم ترافقنا في أداء مقطوعات فنية مختلفة. هذه تجربة صعبة”، تقول أميمة سواء لجهة التواصل أو الدقة في التنفيذ، “وهنا أعوّل كثيراً على استثنائية صديقي بيار جعجع في التمارين والاصرار على بناء هذا الفريق من الصم وعلى تصميم الرقصات والتعبيرات الراقصة بلغة الإشارة”.

أحياناً، وتحديداً خلال التمارين، تشعر أميمة أنها تذهب نحو المستحيل. تعيد النظر في خياراتها للحظة قبل أن تستدرك وتقول مجدداً إن الجمال لا يأتي بالضرورة من السهل. يمكن أحيانا تحويل الصعب إلى فرصة. إلى فسحة. إلى قدرة. لنأخذ تجربة الحجر في زمن كورونا الذي داهمنا قبل حوالي السنتين (وما يزال مع المتحورات الآتية) وأقعدنا شهوراً في منازلنا وأحيانا بعيداً عن أحبتنا سواء في بلدنا أم في الخارج. قررت أميمة أن تحارب الحَجر الإلزامي الذي إستفزها إلى درجة أنها صارت تعتبر نفسها سجينة وتريد إجتراح درب للحرية بشكل أو بآخر. تمسكت أكثر فأكثر بصوتها. موهبتها. حوّلت كل زاوية من زوايا بيتها الجميل الدافىء الحميم إلى مسرح صغير. إشتركت هي وهاني وثلة من الموسيقيين في إختراع الأغنية واللحن، قبل أن تشرك جمهورها عبر وسائل التواصل الإجتماعي في متعة الصوت واللحن والكلمات.

إقرأ على موقع 180  تل أبيب تخوض حرباً سرية ضد نفط إيران.. وتمويل حزب الله

هو الظهور الثالث بعد تجربة “مونو” ومدينة صور وهذه عودة لممارسة فعل الحياة، ولكن ألا ترى أميمة الخليل أن في الأمر مجازفة خصوصاً في ظل إستفحال الضائقة الإقتصادية ـ الإجتماعية، ام أنها ما زلت متمسكة برأيها أن الفن والثقافة والإرتقاء بذوق الناس هو الذي سيعيد الإنسان إلى إنسانيته ويشق له طريق الخلاص؟

تجيب أميمة ضاحكة: “قررنا أنا وبيار (جعجع) وهاني (سبليني) وعلي (الأتات) كسر النحس”.

الفكرة أتى بها بيار جعجع إلى أميمة وهاني وعلي. “أصر على فكرة أن نحاول تقديم شيء ما للناس في فترة الاعياد.. أن نبلسم جرحاً وأن نفوز بضحكة وسط هذا الخراب الكبير الذي يحاصرنا حتى في بيوتنا”..

وما تواجهه أميمة الخليل من صعوبات يشبه حال عديدين من زملائها وزميلاتها الملتزمين قضايا الناس والتراث والأصالة وعدم مسايرة السائد. كل وزير للثقافة في لبنان يأتي ويذهب ولا إستراتيجية ثقافية تحدّد ماذا يريد اللبنانيون لثقافتهم أن تكون.. “إمكانياتنا شحيحة صحيح ولكننا اخترنا هذا المكان (في عين عار) لأنه غير مكلف، كما أن بطاقات الحفلات لن تكون كلفتها عالية ايضاً. المطلوب أن نجتمع وأن نفرح قليلاً، فالفن بما يكتنز من قيم وجمال وإنسانية ما يزال يُشكّل حاجة ومتنفساً وطريق خلاص”.

يتدخل مايسترو العمل الفنان هاني سبلينيي موضحاً أنه يشارك أميمة وبيار جعجع بمهمتين: الأولى، أغنيات العرض كلها من تأليفه، وهي بمجملها أغنيات قديمة أعيد توزيعها بأسلوب متجدد لتتناسب مع الأجواء الميلادية، ما عدا “قمر المراية” لمرسيل خليفة. المهمة الثانية هي المشاركة هذه المرة كمهندس للصوت. يقول هاني “إنها تجربة إنسانية رائعة نتواصل خلالها مع بيار بطريقة ممتازة وتحديداً من خلال قراءة الشفاه وبلغة الإشارة ولقد إكتسبت أميمة مهارة جديدة وهي لغة الإشارة”.

ماذا عن بيار جعجع وعن عالمه؟ طلبت من أميمة أن تنقل إليه سؤالي ولم أنتظر جوابه. أردت أن أرى الجواب في حركات جسده وفي التماعة يديه وفي الضوء المنبعث في عينيه. واضحة هي إهتزازات الروح الموسيقية والصوت الذي يخترق جدار الصمت، لقد حصلت على الإجابات حينما رأيته يترجم الموسيقى.. لكأن الصوت الذي يلمع بات يضيء المكان.

Print Friendly, PDF & Email
أغنار عواضة

كاتبة وشاعرة لبنانية

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  "كونشرتو العود".. وتر ونغم في مواجهة تراجيديا الكون