أزمة أوكرانيا.. أنذالٌ بيدهم قرارُ الحرب أو اللاحرب

امبراطورية تحكم العالم. عشوائية واستكبار. ازدواجية لا بل تعدد معايير. نظامها الراهن ينتج السلاح والجيوش بما يفوق بقية العالم مجتمعاً. قوة لا حدود لها. هيمنة معنوية (إعلام يصنع العقول) ومادية (اقتصاد يُفقر الشعوب) على الكرة الأرضية. تباهٍ بالديمقراطية يصنع الطغاة في الدول الأخرى. إستعلاء أخلاقي على الآخرين يُعمّم عنصرية تفرض شروطها على الآخرين.

“مدينة على جبل”، كما قال أوائل المهاجرين في بداية القرن السابع عشر. “أرض الله الموعودة”، كما تُعمّم لدى سكانها. هم في أكثريتهم مهاجرون. الامبراطورية تُرسّخ نفسها على أساس إبادة السكان الأصليين وحشر من تبقى منهم في منعزلات. في ذاكراتهم أرض أميركا لهم، في الواقع ليس لهم شيء. اعتقاد راسخ بالاستثنائية؛ هم غير باقي الشعوب؛ عقدة التفوّق تحتجب وراء ستار نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان. اقتصاد بالأمر.

ديبلوماسية بالأمر لا بالحوار. أمر اليوم إنتاج الحروب (إنتاج السلاح والجيوش). الحرب الباردة دائمة. الحرب الساخنة متقطعة. في الحالتين بلاء يصيب العالم. محمية بمحيطين كبيرين من الشرق والغرب ودول خاضعة في الشمال والجنوب. نصف الكرة الغربي حوض لها. ممنوعٌ على الآخرين اختراقه. كل واحدة من السمات المذكورة أعلاه تمثلت في العقيدة المعلنة لكل رئيس لها منذ الاستقلال في أواخر القرن الثامن عشر حتى اليوم. لم يمر عام منذ الاستقلال حتى اليوم دون حروب صغيرة أو كبيرة. الانتصارات بالنسبة لها أمر مفروغ منه، حصيلة مؤكدة، إلا حين تكون المعارضة في الداخل قوية كما في حرب فيتنام.

تعود الى الأذهان “أزمة الصواريخ” في أيام الرئيس جون كينيدي. تفاصيل الأزمة معروضة في فيلم بعنوان “13 يوماً”، وفي كتاب بالعنوان نفسه، إضافة الى كتابات كثيرة، منها الغث ومنها السمين. نتجت الأزمة عن محاولة الإتحاد السوفياتي تركيب صواريخ في كوبا القريبة من شواطىء الولايات المتحدة (120 كلم عن ميامي). استشاط النظام الأميركي غضباً. عاش العالم على شفير حرب نووية. سحب السوفيات صواريخهم. هدأت العاصفة.

جاء بوتين في صراع من أجل الاسترداد. يُذكرنا بحروب الإسبان في الأندلس التي سميت حروب الاسترداد ضد العرب البربر. انتهت الريكونكويسيتا الإسبانية بطرد المسلمين من الأندلس جماعيا. لا تنقص بوتين ولا الروس عصبية قومية دينية. بوتين عمّد نفسه دينياً في نهر الأردن في بداية حكمه

هي البلد الوحيد الذي استخدم السلاح النووي. كان ذلك ضد اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية. استخدام النووي في هيروشيما وناكازاكي كان من أجل أن يصير الاستسلام دون شروط. السلام كان قد حصل. لم يكن هو الغاية. ما كان الهدف إلا أن يكون الاستسلام غير مشروط. سحق العدو. تحطيم إرادته.

أزمة الصواريخ نتجت عما اعتبرته الامبراطورية تهديدا لها. أزمة الناتو في أوكرانيا، وهي أزمة صواريخ معكوسة، تنتج عما يعتبره الروس تهديداً لهم أو خطراً عليهم. ما يحق للامبراطورية لا يحق لغيرها. ربما نتذكر أيضاً أن روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي استباحتها الامبراطورية العظمى. ايديولوجيا الخصخصة والنيوليبرالية كانت في أوجها. بيعت معظم الموارد الطبيعية في روسيا لسبع شركات؛ ست منها كان على رأسها يهود من الأثرياء الجدد. وفي أيام بوريس يلتسين، حين كان رئيساً لروسيا، قوبل طلب الانضمام الى حلف الناتو بالرفض. تماماً كما حصل عندما حاولت تركيا الانضمام للاتحاد الأوروبي ورُفِضت.

جاء فلاديمير بوتين في صراع من أجل الاسترداد. يُذكرنا بحروب الإسبان في الأندلس التي سميت حروب الاسترداد (Reconquisita) ضد العرب البربر. انتهت الريكونكويسيتا الإسبانية بطرد المسلمين من الأندلس جماعيا. لا تنقص بوتين ولا الروس عصبية قومية دينية. بوتين عمّد نفسه دينياً في نهر الأردن في بداية حكمه. ما يزال يحلم أن تكون موسكو “روما الثالثة”. بيزنطة كانت بمثابة “روما الثانية.

لا تنقص بوتين حمية أن يكون قبضاي المنطقة وأزعرها. في الداخل الروسي سحق شعب الشيشان وداغستان. في الخارج سحق جورجيا وكازاخستان (وثورتها)، وسلخ شبه جزيرة القرم من أوكرانيا. والآن يدعم الانفصاليين في الداخل الأوكراني. حلم الوحدة السلافية لا يفارقه كما يبدو.

عندما أزمعت أوكرانيا على الانضمام الى حلف الأطلسي، كان الناتو قبل ذلك قد وعد روسيا بعدم تمدده شرقاً ولو إنشاً واحداً. وعود نُكِثَ بها؛ ما يذكرنا بالاتفاق النووي الذي عقده باراك أوباما مع إيران عام 2015 ثم مزّقه دونالد ترامب عام 2018 في مشهد مسرحي. امبراطورية عظمى نهجها العشوائية في حكم العالم. لا تطيق ظهور قبضايات في أي حي من المدينة الكونية العولمية.

تبدو المشكلة أيضاً في حلف الناتو. بعد انتهاء الحرب الباردة، أي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في عام 1991، اعتبرت أوروبا الغربية أن عهداً جديداً من السلام قد بدأ. استرخت أوروبا وما استجابت كثيراً لمطالب الامبراطورية الأميركية في زيادة حصتها في المشاركة في تمويل الناتو. ظنّ كثير من الناس أن الناتو نفسه لم يعد ضرورياً. إذ لم يعد هناك نظام معادٍ للغرب الرأسمالي. صارت روسيا تحت جناح الغرب. غزتها النيوليبرالية. أساطين العلم الاقتصادي الرأسمالي النيوليبرالي صاروا مستشارين لمن كان يدير الدولة الروسية. انتقلت أوروبا الغربية من مرحلة السوق المشتركة الى مرحلة الاتحاد الأوروبي. من تعاون اقتصادي الى فكرة وحدة اوروبا. توحدت عملة الاتحاد الأوروبي. انضمت بلدان من أوروبا الشرقية الى الاتحاد الأوروبي والناتو. رُفِضت روسيا أوروبياً. توسع الناتو شرقاً. أصاب روسيا نوع من الاهتراء الداخلي. صارت الغواصات الأميركية تنقذ غواصات روسية نووية مشرفة على الغرق. اعتقد الجميع أنه تم تدجين الدب الروسي.

مع صعود حركة الاسترداد الروسية، ازدادت الضغوط الأميركية على أوروبا الغربية لزيادة التمويل للناتو. الدُب الذي دُجّنَ عاد برياً. كان ترامب أوضح الرؤساء الأميركيين المتعاقبين في زيادة طلباته أوروبياً. في حين كانت روسيا تزود أوروبا الغربية بالغاز، وتبني خطوط نقله إليها. غاب عن بصيرتهم أن الدب ذو مخالب نووية وأن حركة الاسترداد تزوّد القوة العسكرية بدعم اقتصادي وقومية روسية دينية. كأن السياسة الغربية في حينه كانت تقتطع من كتاب صراع الحضارات الصادر في أوائل التسعينيات. الغرب الرأسمالي كان ولا يزال بحاجة الى عدو. تمت صناعة العدو على مدى عقود. بوتين أحد منتجات هذه الصناعة.

إقرأ على موقع 180  حزب الله وصندوق النقد ولبنان.. طابخ السم آكله!

إنتاج السلاح صناعة مهمة في البلدان الرأسمالية. نعرف الكثير عن صفقات السلاح في منطقتنا العربية. هي من الصناعات التي لم تصدّر الى شرق آسيا وأميركا اللاتينية كما صناعة النسيج وغيره. السلاح يحتاج الى حرب؛ كما قالت هيلاري كلينتون لرئيس الأركان: لماذا كل هذا السلاح إذا لم نستخدمه؟ ربما كانت روسيا أضعف من الغرب بالجيوش التقليدية، لكن السلاح النووي يكفي القليل منه لتدمير العالم أو جزء منه. ما هو موجود لدى الدول المالكة للسلاح النووي يكفي بضع مرات لإبادة الأرض ومن عليها. وجه الأرض “أسود كئيب” كما ينسب لآدم أول البشرية. علّق تشومسكي على أحد مقولات كاتب أميركي أن لكل فصيل حي مدة حياة تقارب مئة ألف عام. وهذه بالنسبة للبشر قاربت من نهايتها. أليس تزايد إقتناء السلاح النووي دليلاً على ذلك؟

الغائب الأكبر في هذا الصراع هو إرادة شعوب الأطراف المتنازعة. واضح أن إرادة الشعب، في كل حرب يُدفع إليها ويزج في أتونها، لا تؤخذ بالاعتبار لدى قادة الصراع، سواء كانت بلدانهم ديموقراطية أم ديكتاتورية. الحرب قرار يتخذه أهل السلطة، وهم عادة من الطبقات العليا، ويموت فيها المحاربون والشعوب، وهم غالباً من الفقراء

قال جنرال أميركي، في محاضرة، بعد عودته من الصومال، إن إله المسلمين هو غير إلهنا. أثار ضجة. ربما عوقب على كلامه. لكن الكلام يخفي عنصرية من نوع ما. لو فقه معنى كلامه لأدرك أن إله السلاح النووي هو غير إله البشر. إله البشر رحمة ولطف. التعاون البشري خير من الصراع. العقاب لا ينزل إلا بمن خالف مقتضيات الرحمة والتعاون.

الغائب الأكبر في هذا الصراع هو إرادة شعوب الأطراف المتنازعة. واضح أن إرادة الشعب، في كل حرب يُدفع إليها ويزج في أتونها، لا تؤخذ بالاعتبار لدى قادة الصراع، سواء كانت بلدانهم ديموقراطية أم ديكتاتورية. الحرب قرار يتخذه أهل السلطة، وهم عادة من الطبقات العليا، ويموت فيها المحاربون والشعوب، وهم غالباً من الفقراء. هؤلاء لا يد لهم في قرار يؤدي الى إبادتهم كلياً أو جزءاً منهم. اعتدنا أخذ الموقف بجانب الطرف الزاعم أنه شيوعي أو اشتراكي. هو الآن صراع بين رأسماليتين؛ صراع على السلطة والهيمنة. تدفع ثمنه جحافل الفقراء. هؤلاء يدفعون الثمن مرتين، ويدفنون مرات. أقلها، مرة حين يجردون في بلادهم من وسائل العيش الكريم. وتستخدم نتائج عملهم التي تُجبى ضرائب في حروب لا يريدونها، أو لا يُزجون في عملية القرار بشأنها. الفقراء وقود الحرب. كل حرب. مهما ادعى أهل السلطة نبالة أهدافها، وحقوق الإنسان، والسعي من أجل الديموقراطية والدفاع عن الحق والحقيقة. الحرب وسيلة للربح. الربح يقتطع بالقوة والإكراه من الذين كانوا السبب في انتاجه. الربح والفائدة شيء واحد. كل الحروب تموّل من عائدات ذلك. هؤلاء لا يد لهم في أي قرار يتعلّق بالحرب. هم ينتجون ما يُستخدم لقتلهم وإبادتهم. الحرب أيضاً وسيلة لحلّ أزمات اقتصادية – مالية لا يجد السادة ما يمكن تفاديها بوسائل سلمية. الرأسمالية لا تعرف السلام ولا تجيد صنعه. في الخارج حروب وفي الداخل قسر وإكراه وعنف لاقتطاع فائض القيمة الذي تُموّل به الحروب.

العصبية الخلدونية وسيلة حرب. هذا باسم قومية – دينية. وهذا باسم حقوق لم يعودونا الدفاع عنها في أي منطقة في العالم. الحقوق واجبة فقط لجماهير الناس. هؤلاء يزاحون قسراً الى حيث يجردون من القرار أو المساهمة فيه. نرى جميع الأطراف المشاركة في أزمة أوكرانيا مساهمة بالاحتلال وبيع السلاح في حروب الثورة المضادة في منطقتنا العربية دون مراعاة لشعار الثورة الأصلية، أي شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”. رأت شعوبنا العربية، في انتفاضة واحدة من الخليج الى المحيط، أن إسقاط أنظمتها طريق الحرية والتقدم والرفاه. لم يأبه لشعوبنا أي من أطراف الصراع حول أوكرانيا. هي ليست حروب الآخرين على أرضنا العربية. هي حروبنا من أجل الحرية. حروب تدخلت فيها كل القوى المتصارعة حول أوكرانيا. العظمى، والعظيمى، والمعظومة، لدعم منظومة الاستبداد عندنا.

 بالحرب يُخضعون الشعوب ويسلبون الحريات ونتائج العمل والحياة الحرة الكريمة. الحرب أولها كلام. هي كما قال زهير بن أبي سلمى، الشاعر الجاهلي:

وما الحربُ إلا ما علِمتُمُ وذُقتُمُ/ وما هو عنها بالحديث المُرجَّمِ

متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً/ وتَضرَ إذا ضريتموها فتضرمِ

كلهم يتحدثون عن الحقوق والإنسانية و”القانون الدولي”. وكلهم يكذبون. حتى في الخطابة لا يجيدونه. خطاباتهم رؤية مبتذلة ساقطة هابطة. فليهدأ المحللون وأهل العلم الذي يدعونه زيفاً. وليخرجوا من الشاشات ويتحدثوا، ولو قليلاً، عن الإنسان وقود الحرب، لا الاستراتجيات التي لم يخبرهم عنها أحد من قادة الصراع. وليس لهم سبيل الولوج الى معرفتها.

Print Friendly, PDF & Email
الفضل شلق

مثقف وكاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180   ساعة فيينا تدق على توقيت طهران.. وموسكو