ليس من السهل مقاربة سياسات الثورة الإسلامية الإيرانية بوصفها مجرد نتاج لحظة سياسية عابرة، إذ لم تكن هذه الثورة انقلابًا على نظام حكم فحسب، بل جاءت تتويجًا لمسار تاريخي طويل من الصراع مع الخارج والسعي إلى الاستقلال.
ليس من السهل مقاربة سياسات الثورة الإسلامية الإيرانية بوصفها مجرد نتاج لحظة سياسية عابرة، إذ لم تكن هذه الثورة انقلابًا على نظام حكم فحسب، بل جاءت تتويجًا لمسار تاريخي طويل من الصراع مع الخارج والسعي إلى الاستقلال.
يستعد الأميركيون للاحتفال بمرور قرنين ونصف على إعلان استقلال الولايات المتحدة. يسبق هذا العيد مناسبات أخرى تستحق أيضًا أن يتفرغ الرأي العام الأميركي للاستعداد لها وهو مرتاح نفسيًا واقتصاديًا وسياسيًا. نحن أيضًا، وأقصد جمهرة صناع الرأي، أميركيين كنا أم أجانب، نشعر بأن واجبنا يحتم علينا أن نساهم في هذه الاستعدادات. اخترت شخصيًا أن أستعد بحصر أولي لمجمل الإنجازات التي حققتها الولايات المتحدة، ومجمل الإخفاقات التي وقعت نتيجة أعمال من أطراف أجنبية ومن مسؤولين أميركيين ومؤسسات داخلية.
لا يمكن قراءة مسارات التفاوض اللبناني مع إسرائيل بوصفها قرارات سيادية مستقلة، بل كنتاج مباشر لتحوّلات عميقة في موازين القوى الدولية والإقليمية، وانعكاس لواقع داخلي مأزوم يقيّد قدرة الدولة على إنتاج قرار موحّد. وبين اتفاق 17 أيار/أيار 1983 ومسار 14 نيسان/أبريل 2026، تتبدّل السياقات وتتغيّر الأدوات، لكن المعادلة الحاكمة تبقى واحدة: التفاوض في لبنان هو تعبير عن ميزان القوة أكثر منه خياراً سياسياً معزولاً عن الواقع.
لم يعد الخطاب السياسي مجرد وسيلة للتعبير عن المواقف، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى أداة لصناعة الواقع ذاته. وفي هذا التحول، يبرز صعود دونالد ترامب بوصفه لحظة مفصلية في تاريخ الرئاسة الأميركية، ليس فقط من حيث مضمونه السياسي، بل من حيث إعادة تعريفه لوظيفة الخطاب وحدوده.
نادراً ما تكون الحروب الكبرى في الشرق الأوسط مجرد مواجهات عسكرية معزولة عن السياسة والاقتصاد. ثمة معادلات ترسمها النيران تتعلق بمن يملك حق تحديد قواعد نظام إقليمي جديد سيرسم ملامح النظام الدولي الجديد. في هذا السياق، تكتسب المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران معناها الحقيقي بوصفها صراعاً على ما بعد الحرب، لا على وقائعها الميدانية المباشرة فقط.
وضع دونالد ترامب المنطقة والعالم أمام مواعيد واحتمالات تفوق التوقعات المرصودة من صُنّاع السياسات، لا سيّما أنه جزم في خطاباته المتتالية بأنه سيدمّر إيران في أربع ساعات إذا لم تقبل الصفقة المطروحة عليها، فيما حلفاؤه التاريخيون في المنطقة يتحضّرون لنتائج "الجحيم الأميركي الموعود"، بينما دول مثل روسيا وباكستان وتركيا ومصر وسلطنة عُمان وقطر تعمل بأقصى طاقاتها لإيجاد تسوية تحمي المنطقة والعالم من تداعيات ما بعد "الجنون الترامبي"!
خلف مجرياتِ ومعطياتِ وأحداثِ الحربِ الأميركيّةِ الاسرائيليّةِ الحاليّةِ على الجمهوريةِ الاسلاميّةِ في إيران، تبرزُ اشكاليّةُ خطابِ دونالد ترامب كظاهرة تستحقُّ التوقّفَ عندها. فمن الواضح عند أغلبنا، على الأرجح، أنّ هذا الخطابَ يمثّلُ اشكاليّةً حقيقيّةً في حدِّ ذاته، ليس فقط في الرّسائلِ التي قد يقصدُ توجيهَها هنا وهناك، بل خصوصاً في نوعيّتِه وشكلِه وفلسفتِهِ الخطابيّة العامّة إن جاز التّعبير.
تختبىء السلطة في لبنان وراء نفسها. ليست خجولة أبداً. زحفت نحو التفاوض غير المشروط فلم يرُدَّ عليها أحد من الأميركيين الذين لبَّت كلَّ شروطهم، ولا من الإسرائيليين الذين يواصلون عدوانهم بالاتفاق مع واشنطن. وتتذرَّع السلطة بأنَّ الدبلوماسيَّة هي الحل، لكنَّها لا تقول ما هو الحلّ. وهذه ثغرة يستفيد منها العدوّ الإسرائيلي وحده. ولا تريد أن تعترف بأنَّ التخفّي وراء الأقنعة لم يكن مجدياً ولن يكون. ولا تملك الجرأة للقول أمام الرأي العام إنَّ الدبلوماسيَّة فشلت.
في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها حسابات الحرب مع خرائط الطاقة، برزت من جديد فكرة قديمة بثوب استراتيجي جديد، وهو تحويل إسرائيل إلى ممر بديل لنقل النفط والغاز نحو أوروبا. هذا الطرح لم يعد مجرد تصور نظري، بل بات جزءاً من نقاشات فعلية داخل مراكز القرار، مدفوعاً بتداعيات المواجهة العسكرية التي اندلعت في 28 شباط/فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما رافقها من اضطرابات حادة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
لا تقتصر تداعيات استمرار الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران على الشرق الأوسط أو الاقتصادات الأوروبية المتضررة من ارتفاع أسعار النفط واضطراب إمدادات الغاز، بل تمتد بشكل واضح إلى آسيا، التي تواجه ضغوطًا متزايدة في مجال الطاقة. ومع تطور الأزمة، قد لا تظل هذه التداعيات اقتصادية فحسب، بل تتسع لتشمل إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وربما إحداث تحولات أعمق في ميزان القوى داخل القارة.