فورين بوليسي: الأغلبية البيضاء فى أمريكا ستصبح.. أقلية

نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالا بتاريخ 22 آذار/مارس للكاتب جاستن جيست أشار فيه إلى التحولات الديموغرافية التى يشهدها المجتمع الأمريكى من حيث تباطؤ معدل نمو السكان البيض وزيادة النمو السكانى من الهجرة، وهو ما يعنى أن تتحول الأغلبية البيضاء إلى أقلية.. نعرض منه الآتي.

شهد العام 2021 أبطأ معدل نمو فى عدد سكان الولايات المتحدة فى التاريخ، وللمرة الأولى جاء غالبية النمو السكانى من الهجرة. على الرغم من سنوات دونالد ترامب فى السلطة وسياساته المعادية للهجرة، لم تخرج الولايات المتحدة عن المسار الذى سيصل بها فى عام 2044 إلى «الأغلبية الأقلية»؛ وهى اللحظة التى تصبح فيها الأغلبية البيضاء من غير اللاتينيين واحدة من الأقليات.
تُغيّر الهجرة تكوين الدول، ومن خلال ذلك يمكن فهم الصراعات السياسية الحالية فى الولايات المتحدة حول المناهج الدراسية على سبيل المثال على أنها محاولات للتوفيق بين ما كانت عليه هوية الأمة وبين ما أصبحت عليه حالياً.
لا نعرف حتى الآن سوى القليل عن شكل استجابة المجتمعات عندما تشعر الأغلبية بالتهديد. لمعرفة شكل الاستجابات المستقبلية للتغيير الديمغرافى فى الولايات المتحدة، تمت دراسة مجتمعات أخرى وصلت إلى مرحلة الأغلبية الأقلية والتى ساهمت فيها أيضا موجات الهجرة. تحول الأغلبية لأقلية نادرا ما يحدث ولكنه ليس ظاهرة استثنائية. ركزت الدراسة على 6 مجتمعات: البحرين وهاواى وموريشيوس وسنغافورة وجمهورية ترينيداد وتوباغو والجزر التى كانت تشكل مدينة نيويورك فى القرن التاسع عشر. جلب المستوطنون فى هذه المجتمعات العنف والأوبئة ثم العبودية ثم المهاجرين لسد الاحتياجات من العمالة. هذه المجتمعات الستة مختلفة عن بعضها البعض؛ من حيث طبيعة السكان الأصليين والتاريخ والأنظمة السياسية.. إلخ. لكن تاريخهم يتميز بأنماط متشابهة من الفصل العنصرى وسياسات الهوية وردود فعل أنتجت استجابات سياسية واجتماعية فريدة.

الاعتراف بهوية واحدة يتجاوز أوجه عدم المساواة التاريخية بين السكان، إلا أن عدم المساواة ينتج عنه توترات اجتماعية

إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فسوف يستغرق الأمر جيلا آخر قبل الوصول إلى مرحلة الأغلبية الأقلية فى الولايات المتحدة، وجيلين فى كل من كندا وأستراليا. يمكننا قبل أن يحدث ذلك التعلم من نجاحات ونضالات المجتمعات التى مرت بهذه المراحل؛ ويمكننا تحديد السياسات التى تبناها قادتهم أو مؤسساتهم وما نتج عنها من صراع أو تعايش أكبر. يمكننا بعد ذلك إعادة تحديد الهوية الوطنية والإجابة على ذاك السؤال الوجودى، من نحن؟

***

استجابت سنغافورة على سبيل المثال للتغيير الديموغرافى من خلال القمع. استخدم النظام فى سنغافورة قوانين وسياسات هجرة وروايات لتأمين الهيمنة الصينية العرقية على مدينة كانت جزءا صغيرا، وإن كان مهما، من ماليزيا الحديثة حتى عام 1965. تعانى جمهورية ترينيداد وتوباغو وجمهورية موريشيوس من أحزاب سياسية عنصرية وتوترات اجتماعية مستمرة. قسمت جمهورية ترينيداد وتوباغو إلى فصائل من أصل هندى وأفريقى منذ أن تم انتخاب أول رئيس وزراء من أصل هندى، باسديو بانداى، فى عام 1995. الأحزاب فى موريشيوس منقسمة بناء على العرق والإثنية. ذهبت نيويورك وهاواى فى طريق مختلف؛ فبعد عدد من الصراعات الاجتماعية تصالح السكان فى النهاية من خلال إعادة تعريف الهوية المحلية.
يعتقد الكثيرون أن التحولات الديموغرافية مثل تلك التى واجهتها هذه المجتمعات صعبة بسبب عدم قدرة الأفراد على التعامل مع التغيير الاجتماعى والميول البشرية المستمرة نحو العنصرية وكراهية الأجانب. بالفعل الاستبعاد الاجتماعى والتحيز منتشران بلا شك. ومع ذلك، فإن أى نهج يعتمد على زيادة وعى الأفراد تجاه تحقيق تعايش ناجح، يقلل من التعصب وقوة الدولة فى إدارة عملية التغيير الديموغرافى من خلال مؤسساتها وخطابها؛ فالعلاقات بين الأغلبية والأقلية هى نتاج خيارات القادة السياسية.
للدولة مصلحة قوية فى توحيد الشعوب المختلفة لحكمها؛ الأناشيد الوطنية ترمز إلى المجد من ساحات المعارك التى تعود إلى قرون، الزهور الوطنية ترمز إلى أصل الأمة، تقوم المتاحف الوطنية بتجميع القطع الأثرية لبلورة الروايات حول أصل ومآسى وانتصارات شعب لا يقهر. الهوية والوحدة هى أشياء نبنيها كمجتمع. إذا لم يكن للحكومة دور فى تنسيق هذه الجهود، فسيتم تركها للأسواق والخوارزميات والسياسيين الانتهازيين ــ حيث يجد العالم نفسه الآن.

***

تتكون المجتمعات من غرائز متعارضة كما الحال مع الأفراد: غرائز تريد تكريم تراثهم والحفاظ على تقاليدهم، وفى الوقت نفسه للتكيف والتقدم فى المستقبل. هذا التعارض يظهر فى سياسات الاحتواء والإقصاء، وخاصة فى نقطتين: أولاً، يجب على الدول تقرير ما إذا سيعامل الجميع على قدم المساواة كمواطنين أمام القانون. ثانياً، يجب أن يقرروا ما إذا كانت الأمة ستعكس التنوع أم ستعزز مجموعة على حساب أخرى. وفى حين أن الاعتراف بهوية واحدة يتجاوز أوجه عدم المساواة التاريخية بين السكان، إلا أن عدم المساواة ينتج عنه توترات اجتماعية.
يمكن، بل ويجب، توسيع الهويات القومية لتشمل الوافدين الجدد من مختلف الأعراق أو الأديان وإعادة تشكيل الأغلبية إذا أردنا تحقيق التعايش السلمى فى المجتمعات التى تتحول فيها الأغلبية لتصبح أقلية، على الرغم من صعوبة هذه المهمة. كانت مقاومة التغيرات الديمغرافية سمة رئيسية فى المجتمعات التى تمت عليها الدراسة، ويبدو أن رد الفعل هذا أمر مفروغ منه. ولكن على الرغم من أن التغيير الديمغرافى ظل سمة رئيسية للحضارة الإنسانية على مر عقود، إلا أنه أصبح أكثر تسييسا اليوم حيث تخشى الأغلبية البيضاء فى الدول الديمقراطية الكبرى من تراجعها العددى.

إقرأ على موقع 180  جيل السبعينيات والمقاومة فى مصر.. الجريحة

***

كان الاتجاه نحو المعايير الليبرالية والمؤسسات الديمقراطية يعنى أن القوى السياسية تخضع لشكل التركيبة السكانية ومنطق الأغلبية. يسمح انتشار الحرية بوجود حديث قد يكون متعصبا عن الهويات العرقية، وحرية التجمع تسمح بالتعبئة والتظاهر على أسس عرقية. وبما أن الديمقراطيات توزع الموارد وفقا لبيانات السكان، فإنها تزيد من الأحجام النسبية لمجموعات معينة. ومن ثم، ولدت القومية من جديد فى هذه البيئة؛ وأصبحت تحقق بعضا من الأمان فى مواجهة التغييرات الديمغرافية المزعزعة للاستقرار وتهديدات العولمة.

تعتمد التوقعات الأكثر تفاؤلا بالنسبة للولايات المتحدة على إعادة النظر في ما يعنيه أن تكون أمريكيا، إعادة تخيل شكل المجتمع. يجب أن يكون معيار الحكم هو القدرة على إعادة النظر فى المجموعات المتباينة وتوحيدها، وهذا هو أعظم تحد اجتماعى فى عصرنا

الحالات التى تمت دراستها لا يمكنها التنبؤ بمستقبل الولايات المتحدة، ولكن يقدمون لمحات عن المستقبل البديل وفقا للطريقة التى سيتعامل بها القادة السياسيون مع التغييرات الديمغرافية والعلاقات الاجتماعية. يتبنى قادة الولايات المتحدة نفس التفكير قصير المدى الذى أدخل المجتمعات السابقة فى صراع وبدلا من البحث أو تبنى سياسات تعزز من الاندماج، يسعى بعض القادة إلى زيادة دعمهم السياسى من خلال قاعدتهم الدينية أو العرقية. وما لم يغير القادة السياسيون والتجاريون وقادة المجتمع المدنى مسارهم، ستظل الولايات المتحدة منقسمة مثل المجتمعات التى تمت دراستها.
قد يكون السيناريو الأسوأ هو أن تدفع الانقسامات الاجتماعية الأمريكيين إلى تبنى أشكال حكم غير ليبرالية تسعى إلى ترسيخ هيمنة مجموعة بشكل غير ديمقراطى. فى حين أنه من غير المحتمل أن تتبنى الولايات المتحدة أنظمة سياسية مثل تلك الموجودة فى سنغافورة، إلا أن الاستقطاب والحزبية الموجودين اليوم يزيدان من فرص وجود نظام غير ليبرالي؛ مثل محاولات ترامب إلغاء نتائج الانتخابات لعام 2020 وقيامه بانتهاكات أخرى تم التسامح معها فى كثير من الأحيان من قبل مؤيديه من المسيحيين البيض. هذه هى المخاطر التى تظهر عندما يضع الناس مصالح مجموعتهم العرقية والدينية فوق الدول.

***

هدف المؤسسات الحكومية وقادتها فى هذه الظروف هو نشر الوعى حول «من نحن»، وهذا يتجاوز بكثير حمل الجنسية. إنها مسألة أشخاص نتشارك معهم تجربة مشتركة، بحيث يمكننا أن نتعاطف معهم، ونتعاطف مع محنتهم، ونتوقع منهم أن يستمعوا إلى محنتنا. تضاءل عدد الأمريكيين الذين يشعرون بهذا النوع من الارتباط مع الأمريكيين الآخرين على مر العقود مع إغلاق دور العبادة وإفلاس الصحف المحلية وتوحيدها. لقد قسم الإنترنت الحياة الاجتماعية إلى ثقافات فرعية أكثر من أى وقت مضى، وزاد الانقسام مع جائحة كورونا. تعتمد التوقعات الأكثر تفاؤلا بالنسبة للولايات المتحدة على إعادة النظر في ما يعنيه أن تكون أمريكيا، إعادة تخيل شكل المجتمع. يجب أن يكون معيار الحكم هو القدرة على إعادة النظر فى المجموعات المتباينة وتوحيدها، وهذا هو أعظم تحد اجتماعى فى عصرنا.

(*) بالتزامن مع “الشروق

(**) النص بالإنكليزية في موقع “فورين بوليسي

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "نيويوركر" تسأل وتجيب: كيف فشلت أميركا في أفغانستان؟