سلطة ساديّة أم شعب مازوشيّ؟

أمام مشهدية الكارثة الوطنية والجرح الجديد النازف من طرابلس، لا يمكن للواحد منا مهما حاول ان يبحث عن تعريف مناسب لمفهوم السلطة السيئة، ان يجد ابلغ من تلك التي تدفع شعبها لاختيار قوارب الموت بحثاً عن اوطان اخرى تنشد فيها ملاذها وكرامتها ولو كان في "العالم الآخر".

نكبة مدينة طرابلس تأكيدٌ جديدٌ وصارخ على أن التردي والعبثية والفوضى في لبنان تجاوزت كل مألوف ومعروف، فالأزمات التي عصفت بهذا البلد منذ إعلان لبنان الكبير وكل فترة الانتداب والحروب الأهلية والاحتلال الإسرائيلي، لم تؤد الى نتائج وانهيارات كارثية، ماليًا واقتصاديًا واجتماعيًا وصحيًا وتعليميًا واخلاقيًا ووطنًيا وسياسيًا، كما نشهد ونعيش في هذه الايام العجاف.

أزمات ونكبات متتالية لم تأتِ بفعل احتلال خارجي أو حرب عدوانية مفاجئة ومباغتة، وانما نتاج طبقة سياسية طائفية فاسدة، تحكّمت بمقدرات وطن وشعبه على مدى عقود من الزمن وما زالت، فسيطرت على ثرواته وسلبت مقدراته، وتوارثت حكمه ومؤسساته. طبقةٌ سياسية عطلت مؤسسات الدولة، وحجبت المراقبة والمحاسبة عن أزلامها، وتجاوزت الدستور والانظمة والقوانين بعدما فصلّتها على مقاساتها، وجعلت القضاء شركة تأمين لمافياتها وكارتيلاتها ومصالحها الخاصة، وكرّست العرف بأنه السائد والاقوى من كل القوانين بحجة التوافقية والميثاقية والتوازن الوطني، وزرعت في كل مفاصل الدولة أزلامًا فاسدين فاشلين تابعين لها.

 نعم، طبقة سياسية جعلت الشعب أسير طبقة اوليغارشية مالية تجارية، من وكلاء لشركات حصرية وغير حصرية، ومن اصحاب مصارف تجارية ومرابين وسماسرة وصرافين ومقاولين حصريين، وكارتيلات احتكارية مهيمنة على الدواء والمشتقات النفطية والطحين والاسمنت ومواد البناء، والمدارس والجامعات وغير ذلك.

بربّكم. أي عجز؟ أي ضعف؟ أي خنوع؟ اي جرح؟ أي نزف هذا؟

كم نحن شعب مازوشيّ، وكم هم ساديّون. كم هم مجرمون، وكم نحن أبرياء

بربّكم، أيّةُ طبقة هذه التي تترك كرامة وطن ومواطنين شرفاء أعزاء في القيمة والنفس تنتهك على ايادي أصحاب الخوات واللصوص والمارقين والسماسرة والفاشلين والجماجم الفارغة والهمج الرعاع على محطات الوقود والافران والطرقات وحتى في عرض البحر؟

هذه طبقة ينطبق عليها وصف ميشال شيحا، تجار بالفطرة، لأنهم تاجروا بكرامات الناس وحوّلوا مفهوم الوطن الى شركة ومستودع أدوية ومحطة بنزين وفرن خبز. أيّةُ طبقة سياسية تلك التي ترقص على جثث مواطنيها وهم يموتون جوعاً وعطشاً وحرقاً وغرقاً؟ أيّةُ طبقة هذه التي تترك شعباً يموت ذلاً لأجل مسؤول من هنا، وسارق لص من هناك، وتشل مفاصل وطن لاجل المحسوبيات والحصص والتناتش والسرقات؟ هل يوجد اجرام اكبر من هذا؟

لا، لم يعرف التاريخ القديم ولا الحديث، طبقة حاكمة في دول العالم كما لبنان، طبقة لا مثيل لها. طبقة تحكم مواطنيها على طريقة اللوياجيرغا القبلية، كرست نفسها في أذهان الناس بأنها المعبر الوحيد لحياتهم في كل شيء، من البداية وحتى النهاية، وان مؤسسات الدولة العامة، المالية والاقتصادية والعسكرية والامنية والتربوية والصحية، إنما انشئت لخدمتها، وصون مصالحها، وحماية شركاتها وكارتيلاتها وازلامها واتباعها. طبقة تسعى بكل الاعيبها وحيلها بأن يبقى الناس في حالة استنفار دائم، وانقسام دائم، وتهديد دائم، باستخدام الطائفية والمذهبية سلاحها الامضى، ثم تقدم نفسها على أنها الخلاص، وان التوافق بين أقطابها المتصارعين ضمانة بقاء البلد وبقاء الناس قيد التنفس في بلد مفلس وجائع ومسروق ومشرّع على طاعون الأيام السود.

أيّةُ طبقة سياسية هذه التي تضحي بسيادة بلدها وترهن نفسها لمطالب الخارج وإملاءاته؟

أيّةُ طبقة هذه التي حولت الديمقراطية الى واجهة خارحية لسجن كبير يضج بمواطنين مقهورين ومذلولين ومخنوقين؟ نعم، أيّةُ طبقة هذه التي احترفت تحويل المال من جيوب الفقراء والطبقات الكادحة إلى جيوب المصارف تمهيداً لسرقتها؟ وأيّةُ طبقة هذه التي تبرع في التجييش والتحريف والتزوير واللعب على الخوف؟ وأيّةُ طبقة مبدعة هذه في قدرتها على تحويل الكارثة والنكبة والمصائب الى فرص ثمينة للاستغلال السياسي والطائفي؟

ايُّ شعب نحن، وما زلنا نقبل بزمرةٍ من أوغاد جعلتنا نتوسل حبة دواء وقطرة ماء وكسرة خبز ودقيقة كهرباء وليتر محروقات

يا لها من طبقة تفوقت حتى على رؤية ميكافيللي في طريقة الوصول للسلطة والثروة والحفاظ عليها من طريق الحيلة والخداع والمراوغة وأسلوب النذالة للحصول على الرتبة المرموقة. حتماً لو كان ميكافيللي حياً لأغنى مؤلفاته من تجربتها العجيبة.

أيّةُ طبقة هذه التي تتقن لعب دور الأسد والثعلب في آن معًا، غايتها الاولى البقاء على كرسي السلطة وسرقة مقدرات الشعب بأية وسيلة كانت. طبقةٌ منافقةٌ أنانيةٌ جشعة متغطرسة شرسة في السعي للحصول على المصلحة الفردية والفئوية على حساب المصلحة العامة.

أما نحن، ما يسمى بالشعب، كلا لسنا شعباً بالمفهوم التى ترتكز عليه الدولة كعنصر من مكوناتها، ولا نستحق ان نكون كذلك. نحن “قرطة عالم مجموعين” على حد قول زياد الرحباني. ايُّ شعب نحن، وما زال غالبيتنا يقدس الزعيم، ويؤلّه شيخ القبيلة ويمجده، بينما الجوع يعضنا، والموت والحرائق تلفّنا، والنفايات تحيطنا، والتلوث يفتك أجسادنا، والذل يحرق أنفاسنا، والمستشفيات تتاجر وتقامر بأجسادنا، والبحر المظلم يبتلع جثثنا. ايُّ شعب نحن، والطائفية القميئة تصادر إرادتنا لتتحكم بنا العصبيات؟ ايُّ شعب نحن والتعصب لملوك الطوائف والاحزاب والعشائر ينهش ارواحنا ويسرق احلامنا؟ ايُّ شعب نحن، وما زلنا نرفض ان نشهر سيوفنا في وجه مصارف سرقتنا، واكلت جنى أعمارنا بالتآمر والتآزر والتكافل والتضامن مع من نعتبرهم أسيادنا وحكامنا والمؤتمنين على مصالحنا الوطنية العليا، وفي وجه لصوص ومجرمين اتفقوا على إذلالنا وحطموا أحلامنا وبعثروها في الفراغ وفي الهواء، وقرروا لنا أن نهرم ونشيخ قبل أن نجد شبابنا، وأغمضوا أعيننا عن مشهد احلامنا الوردي. ايُّ شعب نحن، وما زلنا نترك اللصوص والمحتالين والمرابين والانتهازيين يسرقون رغيف خبزنا وننتظرهم ليعطوننا منه كسرة ثم نشكرهم. يا لوقاحتهم أم يا لغبائنا وخنوعنا الموصوف.

إقرأ على موقع 180  أوروبا: فضيحة "إيشلون" التلقيحية.. أبطالها ثلاثة!

ايُّ شعب نحن وكل يوم نأكل لحم بعضنا، ونقتل بعضنا، ونسرق بعضنا وفق مبدأ التذاكي والحربقة التي زرعت في لاوعينا، فأصبح جمع كبير منا مبتلى بقلوب سوداء وعقول سوداء وبصيرة سوداء لأجل تجارةٍ سوداء في حياة سوداء ووطن كئيب مكفهر آفاقه سوداء. ايُّ شعب نحن، وما زلنا نقبل بزمرةٍ من أوغاد جعلتنا نتوسل حبة دواء وقطرة ماء وكسرة خبز ودقيقة كهرباء وليتر محروقات.

نعم لنقلها جهارة وصراحة، نحن الشعب المنكسة كرامته، والمنكوب في كل شيء، في حاضره ومستقبله، في اقتصاده، في معيشته، في مؤسساته، في أمنه، في ثقافته الوطنية، في مواطنيته، في نخبه، فى تعليمه، في كل شيء.

بربّكم. أي عجز؟ أي ضعف؟ أي خنوع؟ اي جرح؟ أي نزف هذا؟

كم نحن شعب مازوشيّ، وكم هم ساديّون.

كم هم مجرمون، وكم نحن أبرياء.

Print Friendly, PDF & Email
ماجد جابر

كاتب لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الهوية الوطنية اللبنانية ممكنة أم مستحيلة؟