حربٌ قد تصنع.. قنبلةً!

لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية محدودة يمكن احتواؤها عبر الوساطات أو الضغوط الدبلوماسية. فبعد أسابيع على اندلاعها بدأت تتكشف ملامح صراع أوسع يعيد رسم موازين القوة في المنطقة، ليس فقط عبر الصواريخ والعمليات العسكرية، بل أيضًا عبر معادلات علمية وتقنية تتصل مباشرة بالملف النووي الإيراني وبمستقبل الردع الاستراتيجي في الإقليم.

في شباط/فبراير 2026 أعلن بنيامين نتنياهو عن ما أسماها «الضربة الحديدية» التي يُفترض أن تغيّر وجه الشرق الأوسط، فيما أطلق دونالد ترامب عملية «مطرقة الليل» عبر قاذفات B-2 التي استهدفت منشأتي فوردو ونطنز النوويتين، بالتزامن مع اغتيال المرشد الإيراني السابق السيد علي خامنئي. وكان الهدف المعلن واضحًا: إسقاط النظام الإيراني وبطبيعة الحال إنهاء البرنامج النووي الإيراني، لكن المجريات اللاحقة قلبت المشهد بالكامل.

وبدلًا من الفوضى التي توقعتها الحسابات الأميركية والإسرائيلية، انتقلت السلطة في إيران بسرعة إلى آية الله السيد مجتبى علي خامنئي الذي انتُخب مرشدًا أعلى خلال أيام قليلة، في مشهد عكس استمرارية سياسية أكثر تشددًا لا انهيارًا للنظام. ومع هذا التحول دخل الملف النووي الإيراني مرحلة أكثر تعقيدًا.

المعطى الفيزيائي الأكثر حساسية، بحسب العالم الفيزيائي اللبناني وسام جابر، يتعلق بمخزون اليورانيوم المخصب. فالتقديرات المتداولة تشير إلى وجود نحو 450 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة بين 60 و84 بالمئة. ومن الناحية العلمية تحمل هذه الكمية دلالة استراتيجية خطيرة؛ إذ إن القنبلة النووية تحتاج عادة إلى نحو 25 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بدرجة عسكرية (أكثر من 90%)، ما يعني أن المخزون المذكور قد يكفي نظريًا لانتاج ما يقارب 18 قنبلة نووية محتملة.

الفيزياء النووية تضيف بعدًا آخر. فالمرحلة الأصعب في التخصيب هي الوصول إلى نسبة 60%، أما الانتقال من 60% إلى 90%، وهي النسبة العسكرية، فيتطلب وقتًا أقل بكثير وفق حسابات وحدات العمل الفاصلة SWU. ومع أجهزة الطرد المركزي المتطورة مثل IR-6 أو IR-9 قد تتمكن إيران نظريًا من بلوغ مستوى التخصيب العسكري خلال أيام أو أسابيع قليلة إذا اتُّخذ القرار السياسي بذلك.

ولا يقتصر البعد التقني على التخصيب، بل يشمل أيضًا التحصين الهندسي. فالمعلومات المتداولة تشير إلى أن جزءًا من المخزون النووي موزع في مواقع سرية عميقة داخل الجبال بعمق قد يصل إلى 100 أو 150 مترًا تحت الأرض، وهو عمق يتجاوز قدرة أقوى القنابل الخارقة للتحصينات الأميركية مثل GBU-57 التي لا يتجاوز اختراقها نحو ستين مترًا.

هذه المعطيات تعطي معنى مختلفًا للضربة التي كانت تهدف إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني. فبدل القضاء عليه، يبدو أن الحرب بدأت تدفع طهران إلى الاقتراب أكثر من العتبة النووية.

في الميدان السياسي والعسكري، لم يعد ممكنًا الفصل بين الجبهات. فالمواجهة التي بدأت في إيران امتدت إلى لبنان والعراق، مع احتمال دخول اليمن لاحقًا، ما يجعل الحرب أقرب إلى شبكة جبهات مترابطة تديرها حسابات إقليمية مشتركة.

أما في الجوهر الاستراتيجي للحرب فإن الصورة التي بدأت تتبلور بعد نحو أسبوعين من القتال تشير إلى تحولها تدريجيًا إلى حرب استنزاف. فأنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية والإسرائيلية تواجه ضغطًا متزايدًا مع كثافة الهجمات بالصواريخ والمسيّرات، فيما كان واضحاً أن إيران لجأت في بدايات الحرب إلى إطلاق أعداد كبيرة من الأسلحة الأقل تطورًا لاستنزاف المخزون الاعتراضي قبل إدخال قدرات صاروخية هجومة أكثر تقدمًا.

وسط هذا المشهد تحاول روسيا جس نبض الأطراف لفتح مسار وساطة، لكن فرص وقف النار تبدو ضعيفة في الوقت الراهن. فإسرائيل تريد تحقيق مكاسب حاسمة ضد حزب الله وإيران، فيما ترى طهران وحلفاؤها أن هذه الحرب قد تكون فرصة لفرض توازن ردعي جديد أو قواعد اشتباك جديدة في المنطقة تشبه ما فرضته حرب تموز 2006، لكن على مستوى إقليمي هذه المرة.

لهذا تبدو كل التصريحات عن نهاية قريبة للحرب أقرب إلى التمنيات السياسية منها إلى الواقع الميداني. فالمؤشرات تشير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع تختلط فيها الفيزياء النووية بحسابات الجبهات العسكرية، وتتحول فيها الأرقام العلمية – نسب التخصيب وكمية اليورانيوم – إلى عناصر حاسمة في ميزان القوة.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  تدمير أوكرانيا.. بداية تسوية دولية جديدة!
أكرم بزي

كاتب وباحث لبناني

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  "11 أيلول السيبراني".. تقويض ثقة الناس بالجيوش والأسواق (1)