عملية سايروس: “الموساد” يُجهّز “جُرعة الرب” لمشعل! (88)

في كتابه "انهض واقتل اولا، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الاسرائيلية، يقدّم الكاتب رونين بيرغمان في هذا الفصل من كتابه بعنوان "ماكر كأفعى وساذج كطفل صغير"، روايته لقرار رئيس الوزراء "الاسرائيلي" بنيامين نتنياهو باغتيال خالد مشعل نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الاردن.

يقول رونين بيرغمان، إنه بعد ثمانية أيام من توقيع بنيامين نتنياهو “الصفحة الحمراء” (قرار اغتيال خالد مشعل)، “ذهب فريق من وحدة “الحربة” في “الموساد” بإمرة رئيس الوحدة المدعو “جيري” الى الاردن، في مهمة استطلاعية وبدأ بجمع المعلومات عن مشعل الذي كان حينها في الحادية والاربعين من العمر ويدير (بصفته نائب رئيس المكتب السياسي) قيادة الحركة من “مركز الغوث الفلسطيني” الواقع في أحد الاسواق الساحرة في قلب العاصمة الاردنية عمان، وخلال أيام تمكن فريق وحدة “الحربة” من معرفة مكان سكنه، وكيف يسافر وباقي اساسيات حركته الروتينية اليومية، كما أعطى الفريق القليل من الاهتمام لمتابعة عضوين آخرين في المكتب السياسي للحركة وهما محمد نزال وابراهيم غوشة، كما ان الفريق لم يلاحق رئيس المكتب السياسي للحركة موسى ابو مرزوق على الاطلاق. وعندما عاد فريق “الموساد” من الاردن، قدم تقريره إلى نتنياهو وافاد فيه انه بات يملك المعلومات الكافية عن مشعل للتحرك قدما من اجل تنفيذ خطة تصفيته، ولكنه لا يملك معلومات كافية للتصرف حيال الاهداف الثلاثة الاخرى (نزال وغوشة وأبو مرزوق)”.

يتابع بيرغمان، “في الوقت الذي كان فريق الاستطلاع يجمع المعلومات في الاردن، كان عملاء آخرون في مقر قيادة “الموساد” يسعون إلى معرفة الطريقة التي يمكن من خلالها تنفيد “عملية صامتة” طالب بها نتنياهو، وهي القتل من دون التسبب بأي اثارة ومن دون معرفة القتلة، والنموذج الافضل لذلك هو ان يبدو وكأن مشعل مات لأسباب طبيعية، وقد برزت امام هؤلاء العملاء خيارات عدة من ضمنها حادث سير وقد دُرست ورُفضت، ما ترك خياراً وحيداً وهو تسميمه، وبدأ النقاش داخل الوحدة التكنولوجية في “الموساد” بالتنسيق مع المؤسسة “الاسرائيلية” للبحوث البيولوجية في احد المقرات السرية للغاية في منطقة نيس زيونا جنوبي تل ابيب، حول المادة السامة التي يتوجب استخدامها. اخيراً استقر الرأي على استخدام مادة الفينتانيل التي تعتبر اقوى بمئات المرات من المورفين (يقول الكاتب ان شركات صيدلانية حاولت تطوير هذه المادة لاستخدامها في التخدير الذي يسبق العمليات الجراحية، ولكنهم وجدوا انه ليس بالامكان السيطرة عليها بصورة فاعلة لمنع قتل المريض)”.

وكانت الخطة، كما يقول الكاتب بيرغمان، تقضي بان يصار الى القيام خلسة بدس جرعة من هذه المادة لمشعل، “والفينتانيل هو نسبيا عقار بطيء المفعول ويحتاج إلى ساعات عدة يشعر خلالها مشعل بالدوخة أكثر فأكثر مع مرور الوقت حتى يغط اخيراً في النوم، عندها يبدأ الدواء بإبطاء تنفسه الى أن يوقفه كلياً. وعندها لن تبدو وفاته سوى عبارة عن جلطة او نوبة قلبية وعادة لا يترك الفينتانيل اي أثر، وإذا لم يتم فحص المصاب بحثاً عن هذه المادة فان تشريح الجثة لن يُظهر اي شيء. وكان البعض في “وحدة قيساريا” يسمي هذه المادة “جرعة الرب”. ولكن هنا برزت معضلة كيفية دس هذه المادة في جسم مشعل من دون اكتشاف الامر. اقترحت المؤسسة البيولوجية استخدام آلة تعمل على الموجات فوق الصوتية مشابهة لتلك التي تستخدم لتطعيم الاطفال والتي تدخل المادة الى الجسم من دون استخدام ابرة، ولكن مع ذلك كانت هذه الالة تتطلب الاقتراب كثيرا من مشعل الذي من المرجح ان يشعر معها بلسعة من الهواء الرطب، فقررت “وحدة قيساريا” ان أفضل مكان لتنفيذ عملية القتل هو في الهواء الطلق في شارع مكتظ يتدافع فيه المارة. يقوم فيه عميلان بالاقتراب من مشعل من الخلف ويقوم أحدهما بفتح قارورة صودا مخضوضة جيداً وفي اللحظة نفسها يقوم العميل الآخر برش المادة السامة من الآلة التي تعمل على الموجات فوق الصوتية التي تكون في كف يده (يقول الكاتب تخيل الرجل العنكبوت يطلق شبكته من يده)، وعندما يستدير مشعل ليعرف ما تسبب له بالرطوبة سوف يجد سائحين مع علبة صودا فوارة، ولان المادة خطرة جدا يجب ان يكون متواجدا في عمان خلال العملية طبيب من الموساد يحمل المادة المضادة في حال تعرض أحد العملاء إلى نقاط من المادة بصورة عرضية”.

بيرغمان: الخطة تقضي بان يصار الى القيام خلسة بدس جرعة من مادة الفينتانيل لمشعل وهو عقار بطيء المفعول ويحتاج إلى ساعات عدة يشعر خلالها مشعل بالدوخة أكثر فأكثر مع مرور الوقت حتى يغط اخيراً في النوم، عندها يبدأ الدواء بإبطاء تنفسه الى أن يوقفه كلياً. وعندها لن تبدو وفاته سوى عبارة عن جلطة او نوبة قلبية وعادة لا يترك الفينتانيل اي أثر

يقول بيرغمان، “كان القتلة يتمرنون على تقنية العملية – الكثير من المارة تم رشهم بالكوكا كولا في شارع ابن غابيرول – في شهر سبتمبر/ايلول (1997) عندما قام ثلاثة انتحاريين، أحدهم تنكر بزي متحول جنسيا لتفادي التفتيش، بتفجير أنفسهم في سوق بن يهودا للمارة، ما تسبب بمقتل خمسة اشخاص، أحدهم في الرابعة عشرة كان قادما من لوس انجلوس لزيارة عائلته، كما اصيب 181 بجروح. عندها قام نتنياهو بعيادة المصابين في مركز شاعيير زيديك الطبي وقال إنه صار لزاماً وضع لمثل هذه الاعمال، واضاف “من هذه اللحظة سوف تكون طريقتنا في التعامل مع هذا الامر مختلفة”. بعدها، أمر رئيس الوزراء رئيس “الموساد” داني ياتوم بالمضي فورا في عملية “سايروس”، وهو اسم عملية اغتيال خالد مشعل. حاول ياتوم ان يقنع نتنياهو بان يكون الرد اولاً بقتل عملاء حماس في اوروبا، ولكنه لم ينجح”.

إقرأ على موقع 180  المجتمع العربي في أراضي الـ 48: إرتفاع قياسي في جرائم القتل

يستطرد بيرغمان هنا للقول “كان من حق العملاء – الذي استخدموا المادة الفينتانيل اكثر من مرة في السابق – ان يخبروا قادتهم او حتى رئيس الوزراء نفسه انهم يعتقدون ان المهمة “غير ناضجة” او ان المخاطر فيها غير منطقية، وبطبيعة الحال لم يكن بالأمر السهل او المريح ان تقول ذلك لرئيس وزراء يمارس اقصى درجات الضغط لتنفيذ العملية. ولكن في اللحظة التي وافق فيها “الموساد” على المباشرة بتنفيذ عملية قتل مشعل كان عملاؤه ملزمين ان يباشروا ببعض الخطوات التحضيرية ومنها على سبيل المثال انهم خلال زيارتهم الاستطلاعية تنكروا بزي سواح اوروبيين، وهم اشخاص استخدموا في عمليات سابقة وتبين ان باستطاعتهم مواجهة التدقيق المكثف، ولكن بسبب انهم كانوا عائدين الى الاردن من جديد في فترة زمنية وجيزة فقد اعطوا اوراق ثبوتية كندية، وهي الجنسية التي كانت معرفتهم بها ضعيفة، بالإضافة لذلك فان العملاء المكلفين بالتنفيذ لم يخضعوا خلال التدريب للغوص بدقة في تفاصيل نموذج منطقة تنفيذ العملية. ويقول أحد اعضاء لجنة التحقيق بنتائج العملية في الموساد “لم تكن الطريقة التي جرى فيها التخطيط للعملية هو السبب بان لا تنتهي بنجاح مبهر، بالتأكيد فان طريقة التخطيط كان يفترض ان تنتهي على هذا النحو، وعملية من طبيعة هذه العملية يجب ان تنتهي الى النجاح او على الاقل ان لا تنتهي بالفشل. لذلك فان الفكرة التي تكمن وراء اتخاذ اقصى التدابير الوقائية هي كي لا يسمح لأحداث غير متوقعة او للحظ السيء ان يقلبا الامور رأسا على عقب”.

ويضيف بيرغمان ان وزير الدفاع حينها اسحاق موردخاي الذي كان يفترض ان يسأل عن موافقته على العملية بعد التدقيق بها – لرئيس الوزراء السلطة ان يأمر بتنفيذ عمليات “الموساد”، ولكن جرت العادة ان يتم اتخاذ القرار النهائي بأي عملية بمشاركة وزير آخر او وزيرين – لم يكن على علم بان العملية قيد التنفيذ، وفي وقت سابق لذلك، كان قد اقر التقرير عن المعلومات المجمعة عن استطلاع العملية ولكن لم يجر اعلامه عن انطلاقة العملية او حتى عن مكان تنفيذها، وكان موردخاي جنرالا ومحاربا سابقا ومن الذين يركزون على الامور التفصيلية الدقيقة، ولو كان اطلع على العملية مسبقا كان بالتأكيد اجرى تحسينات على تحضيرات “وحدة قيساريا” لها كما سبق ان فعل في حالات اخرى، ولكن بكل بساطة لم يتم إعلامه بها”.

وينقل بيرغمان عن رئيس “الموساد” حينها داني ياتوم قوله انه كان مقتنعا انه كان بالإمكان وقف تنفيذ العملية “بهدوء وسلاسة والا كنت اخبرت نتنياهو بعكس ذلك”. من جهته، فان نتنياهو لم يشعر ان اللوم يقع على حكمه على الامور او برنامجه، مُضيفا “ما هو دور رئيس الوزراء؟ صناعة السياسة. فيما الموساد لديه وحدات الاستخبارات ووحدة العمليات التي برأيه منذ قتل (قائد الجهاد الاسلامي فتحي) الشقاقي كانوا نائمين. لقد قلت لهم اعطوني اهدافا فاعطوني من بين اسماء اخرى خالد مشعل الذي كان برأيي هدفا مناسبا. ليس عملي ان اكون المحقق الداخلي للموساد، عملي هو ان اسال هل يمكنكم ان تنفذوا العلمية؟ هل أنتم على استعداد؟ ومن اللحظة التي يقولون فيها نعم يجب على ان اعتمد عليهم”.

ويروي بيرغمان كيفية سير العملية قائلاً إن اول عضوين من فريق “وحدة الحربة” وصلا الى الاردن في 19 سبتمبر/أيلول. وفي اليوم التالي، وصل “جيري” وخمسة عملاء آخرين من بينهم إمرأة حيث نزلوا في فندق انتركونتيننتال في عمان بصورة منفردة، كذلك نزل في الفندق الضابط في “وحدة قيساريا” بن ديفيد وطبيبة تخدير يطلق عليها لقب “الدكتورة بلاتينيوم”، وكان من عادة “الموساد” ان يُوظّف بلاتينيوم في مهمات خاصة مثل إقدامها على تخدير الفني النووي المنشق موردخاي فانونو في روما عام 1986 من اجل إعادته الى “اسرائيل” لمحاكمته، وهذه المرة لم تكن مهمة بلاتينيوم التخدير بل حمل المادة المضادة للمخدر السام الفينتانيل.

يختم بيرغمان روايته هذه بالقول إن فريق “الموساد” قرر ان يكمن لخالد مشعل عند مدخل مقر حماس، في الطابق الثالث لمركز شامية للتسوق، “حيث كان على مشعل كي يصل الى مكتبه ان يسير من سيارته عبر ممر ليصل الى منعطف، كان طول الممر حوالي ثلاثين ياردة (حوالي 27 متراً). طلب “جيري” من عميلين ان ينتظرا مشعل خلف أحد الاقواس وان يسيرا نحو المدخل عندما يخرج مشعل من سيارته، عندها سيكونان خلفه تماماً لرشه بالسم والكولا في الوقت نفسه. على مدى خمسة ايام، لم تكن الظروف ملائمة، فمرة لم يظهر مشعل كالمعتاد ومرة اخرى كان هناك الكثير من الناس في المنطقة التي سيجري فيها الهجوم، وكل صباح كان بن ديفيد وبلاتينيوم ينتظرا في الفندق فيأتيهما الإخطار بان العملية الغيت اليوم”. وينقل بيرغمان عن بن ديفيد قوله عندما كان يأتي الاخطار بإلغاء التنفيذ “كنا نفعل كما يفعل السواح، نُمضي نهارنا كأننا في رحلة سياحية، فعمان مدينة ممتعة”!

(*) في الحلقة المقبلة: كيف تم تنفيذ العملية وماذا كان لها من تداعيات على صعيد علاقة حماس بالأردن والعلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية؟

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  غازي كنعان لفرزلي: دعهما (عون وجعجع) يكسران الجرة