“الجهاد” تفرض “وحدة الساحات”.. ماذا عن “التحييد”؟   

ما أن وُضع إتفاق وقف النار بين جيش الإحتلال و"حركة الجهاد الإسلامي"، حتى إنطلقت القراءات من هنا وهناك، لا سيما لناحية المعادلات التي كرستها هذه الجولة، وأبرزها ما يتصل بترابط الساحات الفلسطينية.

في 10 أيار/ مايو 2021، قادت حركة “حماس”، وإلى جانبها “حركة الجهاد الاسلامي” وباقي فصائل المقاومة الفلسطينية، مواجهة عسكرية مع الاحتلال الصهيوني استمرت 12 يوماً، عقب الإستفزازات الاسرائيلية في القدس المحتلة سواء في حي الشيخ جراح أو في داخل المسجد الاقصى (مشهد دخول جنود الاحتلال الى المسجد بأحذيتهم وأسلحتهم وإجبار المصلين على الإنبطاح أرضاً كان مستفزاً جداً). كانت هذه أول مواجهة في إطار ما بات يُعرف بـ”وحدة الساحات” الفلسطينية لتشمل غزة والضفة والأراضي المحتلة عام 1948، وتوقفت بمسعى مصري قام على أساس وقف الإنتهاكات المباشرة في المسجد الاقصى. وبالطبع، لم يحترم العدو هذا الأمر لاحقاً.

في الفترة اللاحقة، وقعت حوادث عدة بين العدو وقطاع غزة تمثلت بإطلاق قذائف هاون أو صواريخ على المستوطنات المقابلة للقطاع المحاصر والمضيَّق عليه إقتصادياً ومعيشياً. وكان العدو يقصف مواقع عسكرية (مراصد، مواقع إنشاء أو تخزين) تابعة لـ”كتائب عزالدين القسام” الجناح العسكري لحركة “حماس”، معتبراً أن الحركة هي الجهة المسؤولة عن الحفاظ على الهدوء على حدود القطاع وتتحمل عواقب أي إطلاق نار يستهدف المستوطنات او جيش الاحتلال انطلاقاً منه. عموماً، إقتصرت الأضرار على الماديات، لأن جيش الاحتلال كان يرسل إنذارات بوقوع غارات قريبة قبل المباشرة بتنفيذها، حرصاً منه على عدم إستفزاز “حماس”. وكانت هذه الغارات تجلب السخرية أحياناً من معلّقين اسرائيليين يعرفون أن المغزى منها الحفاظ على “ستاتيكو” صعب بسبب العجز عن تغييره في ساحة عرفت أربعة حروب متتالية (2008- 2012- 2014-2021)، وسلسلة من اغتيالات القادة السياسيين والعسكريين في المقاومة الفلسطينية، وبرغم ذلك تعاظمت قدرات المقاومة، لا سيما الصاروخية، التي أصبحت تهدد تل ابيب وتعكر أجواء الاحتلال في القدس في كل مناسبة.

في الأيام الأخيرة، تغيرت النغمة الاسرائيلية؛ لم تعد “حماس” هي الجهة المسؤولة التي ينبغي أن تدفع فاتورة الحساب عن أي تطور أمني. على العكس، كان الإسرائيلي حريصاً جداً على “عدم إستفزاز” حركة “حماس” وجرها الى المعركة، وحصَرَ عملياته في استهداف “الجهاد الاسلامي” للقول بأنه يخوض معركة ضد إيران و”أذرعتها” فقط.

تخيّل الإسرائيلي أنه من خلال هذا “التحييد” يمكن التفريق بين “حماس” و”الجهاد” اللذين يُعدّان طليعة أجنحة المقاومة من ناحية القدرات العسكرية والبشرية والتنظيمية، لكنه كان يعرف أنه من غير الممكن المضيّ في هذه المعركة الى النهاية بسبب تشابك الأذرع الفلسطينية التي تمنع الإستفراد بأي فصيل جرياً على سيرة تاريخ من النضال المشترك، حتى لو كان هناك تباين في ما بينهما في شأن الموقف من تطور هنا أو هناك.

وبرغم عدم مشاركة “حماس” في المواجهة الأخيرة، فقد كان ظلها مخيّماً على مسار التطورات الاخيرة، وكان هاجس العدو طوال الوقت هو كيفية تقصير أمد المعركة وعدم توسيع نطاقها.

يقودنا ذلك الى الإستنتاجات الأتية:

أولاً؛ أصبحت الخيارات الأمنية الاسرائيلية في التعامل مع قطاع غزة، ومع الوضع الفلسطيني عامة، ضيقة للغاية، وتبحث عن إنجازات موضعية لتفكيك أي عقدة تنشأ عن استمرار الممارسات الاسرائيلية، قضماً واستيطاناً وانتهاكاً للمقدسات واغتيالات واعتقالات إلخ.. لم يتحمل الاسرائيلي رؤية فصيل فلسطيني يوقف اسرائيل على “رِجل ونص” بعد اعتقال أحد قادة “الجهاد” في الضفة الشيخ بسام السعدي، واعتبر أنه يفقد هيبته بسبب منطق “ربط الساحات” الذي أصبح واقعاً يعيشه الفلسطينيون أكثر من أي وقت مضى: من غزة الى الجليل مروراً بيافا وعكا وحيفا والقدس والضفة والنقب. هذه المعادلة يكافح الإسرائيلي لتفكيكها والتحايل عليها بتسهيلات معيشية محدودة مع غزة المحاصَرة، حتى يخلو له الجوّ في افتراس الضفة مدينة مدينة، ومخيماً مخيماً، وابتلاع القدس منزلاً منزلاً.

اذا كانت “إسرائيل” تتهرب من مواجهة شاملة مع الفصائل الفلسطينية، ولا تستطيع حسم “المعركة” مع تنظيم فلسطيني واحد، في جغرافية مكشوفة ومحاصرة، فما هي النتائج التي تتوقعها مستقبلاً؟ من غير المستغرب أن تعلّق صحيفة “هآرتس” في افتتاحية لها قائلةً: “العملية في قطاع غزة شكّلت دليلاً إضافياً على الفشل الذريع للسياسة الإسرائيلية حيال القطاع.. ومن أجل وقف مسيرة الغباء هذه يجب تغيير الوُجهة كلياً”

ثانياً؛ إنها التجربة الأولى التي تقودها “الجهاد الإسلامي” في مسار الحروب والمواجهات خلال العقد الماضي. وبرغم أنها تُعدّ الفصيل الثاني من حيث القدرات العسكرية بعد “حماس”، تمكنت “الجهاد” من إثبات قدرتها على تحدي محاولة العدو الاستفراد بها، ولم تصدر عنها أي إشارة ضعف أو استغاثة برغم إصابتها البليغة في بعض قياداتها العسكرية. على العكس، فقد أظهرت الحركة قدرتها على إدارة المواجهة وإدامتها وزادت في اليوم الثالث – بعد استشهاد قائد الجبهة الجنوبية في القطاع خالد منصور الذي يُعد من أبرز قياداتها العسكرية ومعه قائد الوحدة الصاروخية رأفت الزاملي – من وتيرة القصف الصاروخي بشكل أثار انتباه المعلقين العسكريين الاسرائيليين. وقدّمت الحركة على مدى الايام الماضية نموذجاً في الأداء يشير الى ان عملها العسكري منظَّمٌ ومُمأسَسٌ بطريقة تحفظ الإستمرارية حتى لو سقط القادة في الميدان، وهذا يخالف التقديرات الاسرائيلية التي ترى أن المسّ بالقيادات العسكرية سيكون له أثر فوري ومتوسط المدى على العمل الميداني.

إقرأ على موقع 180  برنامج "الأثقال" الإسرائيلي.. الأسرى الفلسطينيون "يستحقون الموت" (51)

ثالثاً؛ بدا العدو مستعجلاً التوصل الى وقف لإطلاق النار، واستدعى الوساطات العربية القريبة والبعيدة لتفادي إطالة أمد المواجهة واتساع نطاقها. وبرغم انه استدعى ٢٥ ألف جندي، فإنه لم يجرؤ على اتخاذ اي مبادرة عسكرية برية ولو على شكل إنزال محدود، خشية التورط في حرب تؤدي إلى خسائر بشرية، على مسافة أسابيع قليلة من الإنتخابات التشريعية المبكرة.

رابعاً؛ إكتفى العدو بإنجازات متواضعة تمثلت بمفاجأة “الجهاد الإسلامي” وقتل قادة عسكريين. لكنه يعرف أن هذه العملية لم تعزز قدرة الردع لديه (أعلن الأمين العام للجهاد الاسلامي زياد النخالة بكل ثقة أن الحركة ستستأنف القتال اذا لم يلتزم العدو بما تم الاتفاق عليه عبر الوسيط المصري).

خامساً؛ يدرك العدو أنه في حال قررت الفصائل جميعاً خوض معركة شاملة سيكون أمام وضع صعب لا بل أصعب مما جرى في أيار/مايو 2021، حينما أوشك أن يفقد السيطرة على المواجهة التي امتدت الى داخل الأراضي المحتلة عام 1948.

سادساً؛ اذا كانت “إسرائيل” تتهرب من مواجهة شاملة مع الفصائل الفلسطينية، ولا تستطيع حسم “المعركة” مع تنظيم فلسطيني واحد، في جغرافية مكشوفة ومحاصرة، فما هي النتائج التي تتوقعها مستقبلاً؟ من غير المستغرب أن تعلّق صحيفة “هآرتس” في افتتاحية لها قائلةً: “العملية في قطاع غزة شكّلت دليلاً إضافياً على الفشل الذريع للسياسة الإسرائيلية حيال القطاع.. ومن أجل وقف مسيرة الغباء هذه يجب تغيير الوُجهة كلياً”.

سابعاً؛ من خلال التجارب الماضية، يتبين أن فصائل المقاومة إعتادت على التعويض عن فقد القيادات. وهي فصائل ولّادة، كما الشعب الفلسطيني. ولا أدلّ على ذلك من قائمة طويلة من القادة السياسيين والعسكريين الذين قام الإحتلال بتصفيتهم أو إعتقالهم، وهو ما عزز من خيار المقاومة واشتداد جذوته.

ثامناً؛ لا توجد لدى الإحتلال خيارات مفتوحة للتعامل مع المقاومة، حتى أصبحت أقصى أمنياته إحداث وقيعة مكشوفة بين الفصائل عبر محاولة تحييد “حماس”. وهذه محاولة لن تفلح في نقل “حماس” الى الضفة الأخرى لأن ذلك يناقض تاريخها وهويتها وتضحياتها التي سمحت لها بالوصول الى ما وصلت إليه من حضور وقوة وهيبة.

تاسعاً؛ من المتوقع أن تبوء محاولة عزل “الجهاد” بالفشل. وكان لافتاً للإنتباه إشارة الأمين العام للحركة زياد النخالة في مؤتمره الصحفي الأخير من طهران إلى أن “حماس” هي العامود الفقري لحاضنة المقاومة، “ونحن  في تحالف مستمر معها لمواجهة العدو، وسنبقى موحدين مع كل قوى المقاومة”.

خلاصة: بناء على ما سبق، إذا كان العدو يتوقع أن تؤدي هذه المواجهة إلى إضعاف “الجهاد الإسلامي” مرحلياً أو ردعها، يُمكن الجزم بأن ما جرى سيؤدي إلى ازدياد رصيد “الجهاد” التي ستلقى المزيد من التعاطف الشعبي والإستقطاب والتجنيد والدعم. وهذه سيرة الشعب الفلسطيني تاريخياً في احتضان من يتعرض للظلم الاسرائيلي وفي رفد من يواجه الاحتلال، وكل فصيل او قائد تستهدفه “إسرائيل” يتحول إلى رمز ومحل استقطاب للشعب الفلسطيني. هذا ما جرى مع ياسر عرفات، ومع حركة “حماس”، والآن مع “الجهاد”. ويكفي النظر في الفيديوهات التي تنقل التفاعل الحماسي الكبير للفلسطينيين في القدس ويافا وغيرهما مع انطلاق صفارات الإنذار وتحليق الصواريخ في سماء مناطقهم خلال اليومين الماضيين لإدراك استحالة احتواء الحلم الفلسطيني وتزييف الوعي لدى الشعب الفلسطيني.

Print Friendly, PDF & Email
علي عبادي

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الإنفجار ـ الفخ: لبنان ساحة صفقات أم تصفية حسابات؟