إيمانٌ وإلحادٌ.. حدودٌ ملتبسة

الإنتماء شيءٌ معنويٌ بقدر ما يُمثل من وشائج الإرتباط بصورها العملانية السلوكية في الواقع، وإلا تحوّل إلى مجرد ترف شعوري ولذة ذهنية كأي لذة معرفية أو شعورية أخرى وإلى مجرد طقوس جوفاء فارغة من الغائية تزيد المرء اغتراباً عن ذاته ومحيطه وتسبب له معاناة فوق معاناة، وهذا لا يختص ببيئة أو بزمن بل هو مصاحب للإنسان مذ انفتحت إدراكاته على الوجود كله. 

وفق الأدبيات العقيدية الدينية، فإنَّ الإيمان هو عقدٌ بالقلب وقولٌ باللسان وعملٌ بالجوارح، هذا من حيث المبدأ، وللمبدأ أثر وقصة وأهمية إذا ما تساءلنا عن مدى تقبل ما يسمى بالملحد فكرة المبدئية لشيء ما ومنه صدور خلق العالم والإنسان، أو على الأقل مبدئية وأزلية المادة التي لا تتناهى؟

فإذا قلنا بأنّ الملحد يؤمن بفكرة المبدئية وبأن المادة هي خالدة أزلية مثلاً والبشر يخضعون لقوانينها فمن هذه الجهة، يصبح الملحد مؤمناً بالمعنى الضيق للكلمة، ولكن ليس إيماناً له بعد عقدي وغيبي بل من باب تصديق أو اعتناق الفكرة فيقال تجوزاً إنه مؤمن فكرةً وليس حقيقةً.

بعبارة أخرى، وقعنا نحن البشر في مصيدة التباس المصطلحات، وسوء الفهم والتقدير، وهو ما أدى إلى خلط الأمور والمفاهيم وضياع البوصلة، فصارت الفوضى حول قضايا مختلفة ومنها الإيمان والإلحاد تتحكم بالكثير من مقارباتنا.

لذا، لا بد من تحرير الذات من المقيدات، قدر الإمكان، حتى ترى بعين الفاحص والموضوعي كل الأمور وكي لا يتهم المؤمن بأنه يُقيّم الأمور من زاويته الدينية، وهذا مخالف لأبسط قواعد النقد؛ كذلك، في المقابل، على من يقول بأنه ملحد ألا يكون حاد النظرة وضيق النظر ويدعي لنفسه الحقيقة واستحواذها ويتعرف على موقعه من التسمية والمصطلح.. وهل هو فعلاً يتفهم ما يدعيه؟.

أولاً؛ إذا أتينا إلى الملحد، فمن هو يا ترى؟ هل هو منكر الله (الله كلفظ الجلالة في الشرائع السماوية)؟ أو هو الذي لا يقر بوجود الله الشرائعي أو أي إله أو آلهة أخرى؟.

فالإلحاد النظري يتعلق بكل إنسان قد سلب عن الله صفة الوجود ولا يقر له، وحتى في النظري، ترى فرقاً بين من يُنكر الله ولكنه مؤمن بإله أو آلهة أخرى وبين من لا يرى ذلك مطلقاً.

لا بل وصل الأمر بنا، وعند كل الطوائف والمذاهب، أن يرمي بعضنا البعض الآخر بالإلحاد والزندقة والمروق من الدين لأنك لا تتماشى مع فهمه وتصوره للإله أو الله الذي يعتقد به.

لنا أن نتساءل هل هناك ملحدون بالمعنى الدقيق للكلمة؟

من لا يستطيع استيعاب كل ما في الكون وما وراءه، ولا يمكنه ذلك من ناحية الفهم والتجربة، لن يكون من حقه علمياً نسف فكرة الله أو أي قوة أخرى مُوجدة ومُحرّكة لنظام الحياة والوجود.

فالإلحاد العملي هو الذي يُعرّف على أنه موقف كل من يريد التصرف في الحياة وكأن الله غير موجود البتة ولا حتى هو مكترث لإله آخر، أي لا يُعير اهتماماً لفكرة الخالقية التي لا بد له أن يراعي تعاليمها وينقاد لها، وهذا الأمر قد تعثر عليه بنسبة عالية حتى داخل المجتمع الإيماني، فهم لا ينكرون بينهم وبين أنفسهم الله، ولكنهم عملياً لا يلتزمون أوامر الله ونواهيه ولا يقيمون اعتباراً لمسؤولية أعمالهم وما يترتب عليها من ثواب وعقاب، وبالتالي هم ملحدون، لا على وجه الدقة والحقيقة أيضاً، بل ربما تطلق عليهم صفة الفاسق أو العاصي وما شاكل.

يُمكن للمؤمن المعتقد بدين أن يكون ملحداً لاإنسانياً عملياً وتجوزاً في التسمية، بمعنى عدم اكتراثه بحدود الله فينطلق في الحياة على رسله. كذلك يمكن لملحد لا يقر وجود الله مطلقاً أو على الأقل ينكر وجوده ويؤمن بقوة أخرى أن يلتقي عملياً مع روح الإيمان أو رسالته فيلتزم القيم الأخلاقية والإنسانية من حفظ الحقوق وعدم الظلم ونبذ التعصب وحب الخير والعطاء

ومن جملة الخلط بين المفاهيم والتصورات أنه يتم إطلاق مصطلح الملحد على المشتبه أو الذي انجرف مع التيار لمجرد أنه استهواه ذلك ورغب فيه لأسباب نفسية واجتماعية وغيرها. يعني لا بد من رسم الحدود والخانات قبل وسم الأشخاص والتدقيق في الخلفيات والتوجهات والسلوكيات للتعرف أكثر على موقعية الشخص وتلبسه الإلحاد أو لا، فحتى الإيمان المقبول والمرغوب هو هذا الذي ينبجس من السؤال والشك الإيجابيين عندما تشتبك لحظات الإنسان الداخلية ويقيم حواراً من داخله مع داخله وصولاً إلى يقين طبيعي غير مصطنع، فهل من يشك ويسأل ويبحث هو ملحد؟

زدْ على ذلك، أنه حتى تجذّر الإيمان كان القلق المعرفي وسيلة لإنضاجه؛ وحتى بات الإنسان في شعوره وموقفه وسلوكه كله في جواب طاعة الله كانت تلك جلجات نفسانية وضعته أمام خيارات شتى لا مناص من أن يكون أمامها حراً مريداً.

نعم، إن الإلحاد العملي اللاإنساني – إن صح التعبير – بمعنى الابتعاد عن تعاليم الله السماوية دخله كثيرون ممن ينتمون إلى أديان سماوية وقت أباحوا لأنفسهم الخيانة وعاشوا في السطح ولم ينفذوا إلى عمق الفكرة واستسلموا لأهوائهم وأناياتهم، وهو ما ترك أثراً رديئاً على مسلكهم ومشاعرهم وحتى أفكارهم فمارسوا ويمارسون الفساد والظلم والتعدي على الحقوق والكرامات.

إقرأ على موقع 180  "باخرة السيد" الدقيقة.. و"منظومة شيا" النظرية!

نعم هناك تململ ونقمة من تصرفات أولئك الذين دفعوا بسلوكياتهم المنحرفة كثيرين إلى أن يكرهوا كل شيء له لبوس التدين أو الدين، فنكون إذّاك كمؤمنين شكلاً كمن يُساهم في ابتعاد البشر عن الله باسم الله، ولكن مع الوقت، من يضمن للكاره أن يبقى كذلك ولا يخرج نهائياً من فكرة العودة إلى الإصلاح من داخل الإيمان نفسه؟

كما يُمكن للمؤمن المعتقد بدين أن يكون ملحداً لاإنسانياً عملياً وتجوزاً في التسمية، بمعنى عدم اكتراثه بحدود الله فينطلق في الحياة على رسله. كذلك يمكن لملحد لا يقر وجود الله مطلقاً أو على الأقل ينكر وجوده ويؤمن بقوة أخرى أن يلتقي عملياً مع روح الإيمان أو رسالته فيلتزم القيم الأخلاقية والإنسانية من حفظ الحقوق وعدم الظلم ونبذ التعصب وحب الخير والعطاء، ولكن قد يفعل ذلك من باب التزامه وحبه الذاتي لذلك من دون لحاظ الإيمان في ذهنه وفعله ولكنه يبقى غير مؤمن بالمعنى العقيدي للكلمة من الوجهة الإيمانية التي لا يعيرها اهتماماً هو أصلاً.

بالمحصلة نحن أمام فئتين من الناس؛ فئة تنتمي شكلاً لدين وتخالف روح إيمانها فلا تقيم وزناً لحدود الله الذي تؤمن به لساناً وتبتعد عنه سلوكاً وموقفاً… وهناك فئة أخرى غير مؤمنة أصلاً بفكرة أي إله ولكنها تلتزم القيم الأخلاقية والإنسانية السمحاء.

مع هاتين الفئتين هناك فئة ثالثة تؤمن قلباً ولساناً وعملاً وتلتزم قيم الله.. قيم الأخلاق والإنسانية وتنادي بالحوار والتعقل وتواجه استغلال الإنسان لأخيه وفرض التسلط عليه والعدوان على كرامته وحقوقه. هذه الفئة قليلة ولكنها فاعلة ومؤثرة إذا حاولت نقل أصحاب الفئة الأولى المتقدمة إلى فئتها، بدبلوماسية ومرونة وحكمة، وهذا يستدعي معرفة ووعياً كبيرين.

على من يؤمن قولاً وعملاً أن ينفتح إنسانياً وألا يخاف من الحوار مع الملحد المتناغم مع روح الإيمان والملتزم بالقيم الاخلاقية والإنسانية وألا يتأزم كل واحد من الآخر، بل أن يمتلك الشجاعة الكافية ويتأسى بوصية الإمام علي عليه السلام: «النّاسُ صِنْفانِ.. إمّا أَخٌ لَكَ في الدِّيْنِ، أو نَظِيرٌ لَكَ في الخَلْقِ».

قد يظن البعض أن المطلوب تحويل الملحدين إلى متدينين أو تحويل المتدينين إلى لادينين مطلقاً، ولكن هذا ليس صائباً وليس واقعياً، فأجيالنا باتت اليوم في مرمى ما يُسوَّق لها من أفكار ودعايات وأساليب عيش تحاول إقحامها طوعاً أو كرهاً في بوتقتها بينما نعيش أزمات خانقة ومستفحلة على الصعد كافة حتى بات الإنسان مشتتاً وتائهاً ويعيش في العراء والخواء في انتظار طوق نجاة.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

باحث وكاتب، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  ماذا لو.. إستيقظ العرب؟