أزرق بيكاسو لجميع الألوان.. وهذه “غرنيكا”! 

أصابع صغيرة ترتفع في الهواء لترد على أسئلة المعلمة.. الموضوع جدارية بيكاسو "غرنيكا" (Guernica) في متحف الملكة صوفيا الوطني في العاصمة مدريد.

تنبسط جدارية “غرنيكا” على طول ما يقارب الثمانية أمتار من جدار القاعة الأطول في المتحف وفي وسط الطابق الثاني للبناء القديم. اخترق الأولاد دون السادسة من عمرهم ذلك الجمهور المحتشد أمام الجدارية وافترشوا الصف الأول بين المشاهدين. عددٌ كبيرٌ من الحراس بلباس أزرق في كل زاوية من هذه القاعات البيضاء. “ممنوع التصوير” (no photo). “ممنوع التصوير” (no photo) عبارة تطاردك وترن في أذنيك كيفما اتجهت. هؤلاء الحراس يلاحقون الأشخاص الذين يتجرؤون على استعمال عدساتهم برغم التحذير من ذلك. ولكن من الصعب أن تتمالك الرغبة التي تجتاحك لالتقاط لحظة مواجهة “غرنيكا” ومصادفة بيكاسو عبرها.

في “غرنيكا” لم يكتفِ بيكاسو بالأبيض والأسود والرمادي كما يقال عامةً، بل أدخل الأزرق السماوي في المعالجة اللونية. كتب بيكاسو في أحد أشعاره عام 1935: “الأزرق أجمل ما وجد في العالم.. هو لون جميع الألوان.. الأشدّ زرقةً”. كما أن الفنان وصف هذا اللون في شعر آخر له قائلاً إنه مثل “ضربة سكين”. وهو يتكلم عن أثر اللون وقدرته التعبيرية والتجريدية كما يبحث عن لون قاتم عميق الأبعاد لمعالجة موضوع يتعلق بعنف الحرب.

أنهى بيكاسو جداريته خلال شهر واحد بعد قراءته للصحف اليومية وقد سيطرت عليه مشاعر الغضب والحزن لما حلّ بهذه المدينة الأسبانية من دمار في 26 نيسان/أبريل 1937 بعدما قُصِفت بالقنابل الفاشية للجنرال فرانكو الأسباني. أربع وخمسون رسمة لبيكاسو مهّدت لولادة “غرنيكا”. الأم التي تصرخ حاملةً طفلها الذي فارق الحياة وتعبّر عن ذهولها أمام مصرعه. الحيوانات في الجدارية خصوصاً الثور والحصان هي رموز الميتولوجيا الأسبانية. النار تلتهم المدينة، والصرخة واحدة عند جميع العناصر والأفواه فاغرة من شدة الألم.. إذا أمعنا النظر في الجدارية، نتلمس اشتعال النار والخوف، كما الاختناق من الدخان الذي حجب الشمس. ولقد اعتبرت (Guernica) أكبر ملصق في ثلاثينيات القرن العشرين ضد وحشية الحرب وهمجيتها.

عندما نُشرت الصورة الفوتوغرافية الأولى للجدارية التي التقطتها تيودورا ماركوڤيك – الملقبة بدورا مار – في الحادي عشر من شهر أيار/مايو 1937 في مجلد “دفاتر الفن” الرقم 12، أعلن بيكاسو “ان حرب اسبانيا هي معركة الشعب في الدفاع عن الحرية. لقد قاومت طوال حياتي الفنية موت الفن وأعدائه من الرجعيين. في هذا العمل الذي سميته (Guernica)، عبرت عن رفض الطغمة العسكرية التي أغرقت اسبانيا في بحر من الألم والموت”.

استقرت اللوحة الجدارية في متحف الملكة صوفيا في مدريد بعد رحيلها من مدينة الى مدينة في أوروبا، وذلك لأن بيكاسو أراد لمحطتها الأسبانية أن تتزامن مع نهاية فاشية حكم الجنرال فرنكو. خصص الطابق الثاني في متحف الملكة صوفيا لمرحلة الثلاثينيات من القرن العشرين. هناك تنفلش أمامك ملصقات ضخمة ترافقها كلمة (Liberty) أي الحرية بأسلوب الرسم التكعيبي. وقد دعيت هذه المدرسة التي ظهرت في أوروبا عام 1910، الى بناء علاقة جديدة مع الواقع المتغيّر.

صحف يومية، مجلات، رسومات، رسائل، كتب شعر تصطف في هذا المكان ومعظمها باللغة الأسبانية والبعض منها باللغة الفرنسية، كلها ساهمت في حركة التحرر من الفاشية. ومن أبرز المجلات الفرنسية مجلة “Vu” ومجلة “Regard” و“Cahiers d’Art”. صور فوتوغرافية بعدسات نساء أسبانيات تدوّن الحياة اليومية في مدريد تستقبلك في هذا القسم من المتحف كما تودعك أربعة أقنعة أفريقية مذكرةً بان أوروبا اكتشفت الفن الإفريقي في الثلاثينيات. واليوم ما زلنا نتحاور مع هذا الفن الإفريقي الخلاّق ومع جميع الفنون الأصلانية لحيويتها البارزة ولتأثيرها المباشر علينا وبساطة أسلوبها المبتكر.

هبّت العاصفة لدى خروجي من المتحف الذي تتوسطه حديقة خضراء.. وأخذ العمل المعلق للفنان كالدار (Alexandre Calder) يدور فوق رؤوسنا كإشارة أخرى للزمن المتحرك!

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  جوائز الصحافة.. وجماعة الجورنالجية!
غريتا نوفل

فنانة تشكيلية، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  آرام جوغيان: كونشيرتو الألوان