موقعة غزة.. وموقع اليمن الجديد

أكثر من مائة يوم مضت على العدوان الإسرائيلي على غزة، حاول بنيامين نتنياهو خلالها جرّ الولايات المتحدة إلى حرب شاملة ضد حلفاء حماس في المنطقة، بمن فيهم إيران، غير أن الرئيس الأمريكي جو بايدن ما زال يتحاشى خوض مثل هذه المغامرة المُكلفة لبلاده وإسرائيل في آن معاً.

لقد توصلت الإدارة الأمريكية مع عدد من القادة في تل أبيب، إلى نتيجة مفادها أن استمرار العدوان على غزة لن يُحقّق أهداف تل أبيب بل سيزيد الضغوط الدولية المتأثرة بموجات الرأي العام العالية الصوت ضد الحرب، ما يُحتم الحد من ضراوة الحرب في القطاع ولا سيما لجهة وقوع خسائر في صفوف المدنيين مقابل “جائزة ترضية” تتمثل بإجازة تنفيذ إغتيالات وعمليات أمنية موضعية تستهدف حماس وحركة الجهاد الإسلامي وباقي فصائل المقاومة في فلسطين ومحور المقاومة، من دون أن تصل الأمور إلى مرحلة الحرب الشاملة التي تسعى الولايات المتحدة لتفاديها منذ أكثر من مائة يوم.

في ظل هذه المناخات، شرع الجانب الإسرائيلي في تنفيذ خطته الجديدة باستهداف قادة مقاومين في كل من سوريا ولبنان والعراق، لعلّه يُحقّق من خلالها ردعاً مزيفاً أو صورة انتصار كاذب يعيد بعض ماء وجهه المهدور. في السياق نفسه، هاجم الأمريكيون والبريطانيون أهدافاً لحركة “أنصار الله” في شمال اليمن، إنسجاماً مع هذه الخطة التي تندرج تحت عنوان “المرحلة الثالثة” من الحرب الإسرائيلية، بيد أن الإستراتيجية البحرية لـ”أنصار الله” خلقت موقعاً جديداً لليمن والحوثيين في المعادلات الجيوسياسية في البحر الأحمر وباب المندب.
وقد أدى العدوان الجديد على حركة “أنصار الله” إلى زيادة شعبيتها ونفوذها حيث باتت جهة إقليمية فاعلة قادرة على فرض تكاليف استراتيجية باهظة على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من خلال ممر مائي حيوي للتجارة العالمية ونقل النفط.
ولا شك أن العدوان على اليمن لن يردع الجيش اليمني عن نصرة الشعب الفلسطيني بل سيشجعه على المضي قدماً باستهداف السفن الإسرائيلية أو المرتبطة بها في البحر الأحمر ویجعل السفن الحربیة المعتدية أهدافاً مشروعة للقوات اليمنية، لا سيما أن “أنصارالله” أصبحوا الآن أقوى من أي زمن مضى.
فشل الأهداف الأمريكية ـ البريطانية في اليمن، من شأنه وضع واشنطن في موقف محرج أكثر من ذي قبل، ففي حال عجزها عن فتح البحر الأحمر أمام السفن المتجهة لإسرائيل، ستجد أن هيبتها نحو المزيد من التلاشي في الساحة الدولية، برغم أن إسرائيل تحاول إيجاد بدائل للسفن المتجهة إليها عبر مرافىء البحرين ومن ثم البر الخليجي، كما أوردت صحيفة “يديعوت أحرونوت”.

إصرار الشعب اليمني على دعم الشعب الفلسطيني، ليس سلعة قابلة للأخذ والرد، وهذا الأمر أدركه الأميركيون جيداً وسيستمر حتى تحقيق وقف النار ورفع الحصار عن غزة

في الواقع إذا كانت الأهداف الإستراتيجية لأمريكا في مهاجمة اليمن هي استعادة التدفق الحر للتجارة عبر البحر الأحمر، ومنع التوسع الإقليمي للحرب بين حماس وإسرائيل في غزة من جهة، وإحباط جهود إيران الرامية لتجميد مسار تطبيع العلاقات الخليجية الإسرائيلية من جهة ثانية، لا شك أن الهجمات الأخيرة، قد أدت إلى تفاقم هذه المشكلة، إذ أن طهران هي المستفيدة من ردود فعل الولايات المتحدة حتى الآن، فضلاً عن السقف العالي للملكة العربية السعودية برفض التطبيع قبل إيجاد حل للقضية الفلسطينية، وهو الموقف الذي عبّر عنه وزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان في منتدى دافوس.
وبحسب التطورات الراهنة، وآخرها استهداف مقر مُعلن للحرس الثوري الإيراني في منطقة المزة بالعاصمة السورية، ما أدى إلى استشهاد أربعة من المستشارين العسكريين والأمنيين الإيرانيين، يبدو أن نطاق التوتر في المنطقة سيزداد إتساعاً في ضوء هذه الخطوات الأمريكية ـ الإسرائيلية المتصاعدة، لذلك، ثمة من قال للأمريكيين أن يُفكّروا ملياً بصعوبة خوض المضي في خيار المواجهة مع الحوثيين الذين نجحوا طيلة عقد من الزمن في التصدي للحرب الأمريكية ـ السعودية على شمال اليمن.
لقد أثبت اليمنيون عبر مقاومتهم الشرسة خلال العقد الماضي، أن ليس لديهم ما يخسرونه أمام أية قوة اقليمية أو دولية مع الأخذ بالاعتبار موقف الشعب اليمني التاريخي دعماً للفلسطينيين في نضالهم حتى نيل دولتهم واستقلالهم..

لقد أدرك اليمنيون منذ اللحظة الأولى لحرب غزة أن الولايات المتحدة هي التي ستخوض معركة بقاء إسرائيل بوصفها قاعدة غربية متقدمة، وبالتالي لا بد من كل ما يحميها ويحمي هيبتها، من دون الإنزلاق نحو حرب شاملة يمكن أن تضر بمصالح أمريكا والحلفاء في المنطقة ناهيك باعتبارات أخرى تتصل بالحرب الأوكرانية والتحدي الصيني والإنتخابات الرئاسية الأمريكية في الخريف المقبل.

إن إصرار الشعب اليمني على دعم الشعب الفلسطيني، ليس سلعة قابلة للأخذ والرد، وهذا الأمر أدركه الأميركيون جيداً وسيستمر حتى تحقيق وقف النار ورفع الحصار عن غزة.

خلاصة القول إنها معركة عض أصابع وضرب تحت الحزام ولننتظر من سيصرخ ويقول “آخ” أولاً.. وحتماً، فإن إسرائيل ما قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر ليست كما بعدها.. و”ستُبْدي لكَ الأيّامُ ما كُنتَ جاهلاً/ ويأتِيكَ بالأخبارِ مَن لم تُزَوِّدِ”.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  مصر وإيران.. متى يُقرَع جرسُ التطبيع؟
مجتبى علي حيدري

باحث في الشؤون الإيرانية، إيران

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  "أنا أو لا أحد".. المأزق اللبناني الكبير!