شكري غانم… وزير نفط القذافي الذي “ابتلعه” الدانوب

عندما تتداخل عوالم السياسة والمخابرات والنفط والتسلح والجاسوسية والجنس، دائما ما يكون هناك ضحايا. هل شكري غانم وزير النفط الليبي السابق الذي قيل إنه إنتحر في نهر الدانوب في أوروبا تسري عليه هذه المعادلة؟ على الأرجح نعم. ثمة إنطباع أوروبي أن الرجل قتل، تماما كما إنتحر من بعده الأميركي جيفري إيبساتين في زنزانة مخصصة لمراقبة السجناء المحتمل إنتحارهم!

لم يكن شكري غانم (1942-2012) مقرباً من معمر القذافي و”الضباط الوحدويين الأحرار” عند قيامهم بانقلابهم على النظام الملكي ليلة الأول من أيلول/سبتمبر 1969. ولم ينتمِ إلى حركة “اللجان الثورية” التي نالت حظوتها عند “العقيد” بفضل تلطخ ايديها بالدماء، بدءاً من إعدامات السابع من نيسان/أبريل أواخر السبعينيات، وأصبح رجالاتها يتناوبون على تقلد المناصب الرفيعة في الحكومة التي تعرف بـ”اللجنة الشعبية العامة”.

رعايته لنجل القذافي الأكبر، سيف الإسلام، في العاصمة النمساوية فيينا في تسعينيات القرن الماضي، رفعته إلى المقدّمة. رعاية جعلت القذافي الأب يرى فيه “المخرج” من العزلة الدولية المطبقة عليه من جهة، و”العرّاب” الفعلي لبروز القذافي الإبن الذي قاد مشاريع “الإصلاحات” في الجماهيرية التي ينخرها الفساد وتئن تحت نير العقوبات الدولية آنذاك، من جهة أخرى.

دخل شكري غانم النادي الحكومي، الذي أشبه ما يكون بلعبة الكراسي الموسيقية، إبّان تعديل وزاري في حزيران/يونيو 2001 كأمين (وزير) اللجنة الشعبية للاقتصاد والتجارة. بعد عامين، وتحديدا عندما كانت ليبيا تسابق الزمن لتسوية ملفاتها الشائكة مع الغرب بغية العودة إلى الأسرة الدولية، عيّن القذافي غانم أميناً للجنة الشعبية العامة (رئيس وزراء) لقيادة إصلاحات إقتصادية شرّعها مؤتمر الشعب العام (البرلمان)، ليصبح أول رئيس وزراء “تكنوقراط” من نوعه.

جاء ذلك بعد شهرين فقط من غزو العراق(2003)، لكن غانم نفى فور توليه منصبه الجديد أن يكون تخلي ليبيا عن برنامج انتاج اسلحة دمار شامل بسبب الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد نظام صدام حسين، بل جاء بعد “نقاش داخلي طويل الأمد”، وفق تعبيره.

الرجل الذي بدا دبلوماسياً ويمتلك خطاباً هادئاً يختلف عن بقية المسؤولين، كشّر عن أنيابه في أول مقابلة تلفزيونية عالمية، مع هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” في شباط/فبراير 2004، عندما وصف دفع مبلغ الـ2.7 مليار دولار لأسر الضحايا المتضررة من إسقاط الطائرة التابعة لشركة بانام )103( فوق قرية لوكربي الاسكتلندية (في كانون الأول/ديسمبر 1988) بأنه مجرد “شراء سلام” وليس إقراراً بمسؤولية ليبيا عن الحادثة التي راح ضحيتها 270 قتيلا، كما فنّد أيضاً خروج الرصاصة التي أودت بحياة الشرطية البريطانية أيفون فلتشر من السفارة الليبية في لندن (سنة 1984). تصريحات أثارت جدلاً واسعاً في حينه وكادت تعرقل تطبيع العلاقات الليبية الأميركية وتوتّر العلاقات القائمة مع المملكة البريطانية، قبل أن تتراجع الخارجية الليبية عن تصريحات غانم بوصفها “غير دقيقة”.

في عهده، بدأت عملية خصخصة القطاع العام وفتح باب الاستثمارات للشركات الأجنبية (وهو ما تحقق بشكل جليّ في كانون الثاني/يناير 2005 مع عودة شركات النفط الأميركية إلى ليبيا بعد ما يزيد عن عشرين عاما من القطيعة)، وقام بتخفيض الرسوم الجمركية لـ”تحرير التجارة وزيادة النشاط الاقتصادي” أملاً منه في أن يحوّل البلاد إلى “مركز تجاري للتسوق في المنطقة مثل دبي أو هونغ كونغ”.

إلى جانب ذلك، أعادت حكومته وزارة السياحة بعد إلغائها مطلع التسعينيات ووضعت خططا “طموحة” للارتقاء بهذا القطاع وجذب السياح إلى ليبيا من أجل توفير مصادر دخل بديلة عوضاً عن الاعتماد الكلي على النفط الذي يشكل ما يزيد عن 90% من المداخيل، غير أن هذه المحاولات باءت الفشل كما فشلت ليبيا في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.

شهدت ولايته كرئيس وزراء استقبال نظيره الإسباني خوسيه ماريا آزنار )في أيلول/سبتمبر 2003( كأول مسؤول غربي رفيع يزور ليبيا منذ أكثر من عقد من الزمن (تحديداً منذ فرض مجلس الأمن عقوبات على ليبيا سنة 1992). ثم استقبال المستشار الألماني غيرهارد شرودر (في تشرين الأول/ أكتوبر 2004) بعد تسليم الدفعة الأولى من التعويضات المتفق عليها لضحايا تفجير ملهى “لابيل” الليلي في ألمانيا سنة 1986.

خلال السنوات الثلاث التي جلس فيها على رأس السلطة التنفيذية، تغيّرت ملامح ليبيا. تمت تسوية كل القضايا والملفات الشائكة التي أرهقت كاهل الدولة الليبية على غرار “قضية لوكربي”، ورفعت كل العقوبات الدولية وعادت العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة بشكل كامل تدريجياً (قطعت العلاقات بينهما سنة 1981).

قبل ذلك، شغل غانم مناصب رفيعة لما يزيد عن ثماني سنوات في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) التي تتخذ من فيينا مقراً لها، فيما كان خلال الثمانينيات يعمل محاضراً وأستاذاً زائراً بين الجامعات الليبية والغربية بفضل شهادة الدكتوراه التي حصل عليها من كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس الأميركية.

قيل إنّ الحرس القديم لم يكن راضياً على اداء شكري غانم، ولهذا أقيل من رئاسة الحكومة وأصبح وزيراً للنفط في سنة 2006، وهي الوزارة التي عمل فيها في الستينيات والسبعينيات، وكاد أن ينسحب من النادي الحكومي سنة 2009 غير أنه تراجع عن استقالته لاحقاً.

بعد اندلاع الانتفاضة في شباط/فبراير 2011، فرّ غانم عبر تونس إلى روما (يمتلك جواز سفر إيطالي حصل عليه من رئيس الوزراء السابق سيلفيو بيرلسكوني في كانون الأول/ديسمبر 2009) ومن هناك أعلن انشقاقه عن نظام القذافي، مؤكداً انضمامه لـ”خيار الشعب في بناء دولة دستورية ديمقراطية”.

عاد إلى النمسا ليعمل مستشاراً لإحدى الشركات هناك. لكن انشقاقه قوبل برفض بعض التيارات داخل المجلس الانتقالي لما اعتبروه أنه قفز من سفينة النظام الغارقة، ولم يستطع الرجوع إلى ليبيا بعد خروجه. كانت السلطات الليبية الجديدة بعد سقوط نظام القذافي ترغب في احضاره واستجوابه داخل ليبيا ليدلي بشهاداته في بعض قضايا الفساد، لكن موته بطريقة غامضة حال دون ذلك.

يومها (صباح 29 نيسان/ابريل 2012)، وجدت جثته بكامل ملابسه غارقة في نهر الدانوب بجوار شقته التي لا تبعد كثيراً عن مجمع الأمم المتحدة بالعاصمة النمساوية. لا آثار تعذيب أو محاولة خنق كما أوضحت الشرطة النمساوية، ولم يفلح الطب الشرعي في إثبات تعاطيه أي شيء. هكذا، ظلت التكهنات محصورة في حدوث سكتة قلبية مباغته أودت به في النهر مستندين في ذلك إلى بعض الأقاويل عن تدهور صحته خلال الفترة الأخيرة قبل موته، وهي الرواية التي عززتها عائلته وبعض من أصدقائه.

سيظل شكري غانم “الميت الذي ما زال يتكلم” كما عنونت جريدة لوموند الفرنسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2016

 

لكن موته بهذه الطريقة أمسى لغزاً أثار الكثير من التساؤلات والتخمينات، قبل أن تطغى تطورات الأحداث في ليبيا على قضيته، ليعود اسمه من جديد إلى صدارة الأحداث عندما نشر موقع “ميديابارت” الفرنسي في أيلول/سبتمبر 2016 تحت عنوان “الرجل الغارق الذي يطارد ساركوزي”، مقتطفات من دفتر ملاحظات صغير (تحصّل عليه الفرنسيون من السلطات النرويجية) مكتوب بخط اليد في سنة 2007 بما هو أشبه بالمذكرات. الدفتر الذي صار بحوزة المدعي العام الفرنسي يدين الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي بتلقي ستة ملايين ونصف المليون يورو من القذافي لدعم حملته الانتخابية التي جرت في العام نفسه، وفيه إشارة إلى دور الرجل الذي لطالما كان قريباً من معمّر القذافي، بشير صالح، الذي تعرّض بدوره العام الماضي إلى محاولة اغتيال في منفاه في جنوب إفريقيا.

في الدفتر أيضاً اتهام لشخصيتين بارزتين من نظام القذافي؛ عبدالله السنوسي (مسؤول الاستخبارات وصهر القذافي) وموسى كوسا (آخر وزير خارجية في عهد القذافي) بحقن الأطفال في “قضية الإيدز” الشهيرة، والتي سُجنت بسببها خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني ما بين عامي 1999 و 2007، وحكم عليهم بالإعدام قبل أن يُفرج عنهم بفضل وساطة زوجة الرئيس الفرنسي السابق سيسيليا ساركوزي. غير أنّ تدوينات غانم أثارت بعض الشكوك في مصداقيتها، خصوصاً أنها لم تنشر بشكل كامل.

ما الذي يمكن أن يخفيه موته؟ “ربما يرجع ذلك الأمر إلى ما لديه من أسرار حيال بعض العقود النفطية التي أبرمها خلال فترة تولية إدارة المؤسسة الوطنية للنفط”، هكذا خمنَ رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل بعد موته. لا شيء أكيدا في سر مقتل الوزير الليبي، لكن المؤكد أن جثته ستعود في كل مرة للإفصاح عن معلومات خطيرة وفضائح مثيرة. وبعبارة أخرى، سيظل غانم “الميت الذي ما زال يتكلم” كما عنونت جريدة لوموند الفرنسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2016.

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
free online course