محمد الصفدي.. “قصة موت مُعلَن”

حصلت على مرّ الأزمان ظواهر غريبة في العالم، أدرجها العلم في خانة الأحداث الغامضة بعد أن عجز عن إيجاد تفسير لها، أبرزها: المعادن ذو الأخاديد في جنوب أفريقيا، والمطر الأحمر في الهند، وطاعون الرقص في ستراسبوغ، والهمهمة في بلدة تاوس المكسيكية، إضافةً إلى الحجارة السيّارة، والتأثير الوهمي للأدوية وغيرها. حدثٌ جديدٌ مريب أدخله لبنان، هذه المرّة، إلى "لائحة الغوامض"، وسيبقى هذا الحدث هناك، إذا لم يفسّره صانعوه (بصدق) للّبنانيّين : مَنْ اقترح اسم محمد أحمد الصفدي مرشَّحاً توافقياً لرئاسة الحكومة المنتظرة على وقع حشود الساحات والتظاهرات وقطْع الطرقات؟

مع أنّ الذكاء ليس من مزايا الممسكين بالقرار السياسي في لبنان، إلاّ أنّ هؤلاء جرّبوا التذاكي، كما يبدو، على الشعب عبر تسريب اسم رجل الأعمال محمد الصفدي رئيسا لحكومة هذه اللحظة من تاريخ لبنان. ثوانٍ قليلة مضت بعد هذا التسريب، لتنفجر، على مواقع التواصل الاجتماعي، التعليقات الغاضبة والمستنكرة والساخرة من اختيار محمد الصفدي، ولتُبَثّ الفيديوهات (المولَّفة على عجل) التي تسرد وتذكّر بالسمعة السيئة جداً لرجل الأعمال اللبناني.

محمد الصفدي يمثّل بالنسبة لغالبية الشعب اللبناني، رمزاً من رموز الفساد والسمسرات المشبوهة؛ فهو متورِّط، على سبيل المثال لا الحصر، في صفقة الأسلحة الشهيرة التي تمّ إبرامها، أواخر عام 1985، بين شركة “بي أيه إي سيستمز” البريطانية والسعودية (عُرِفَت بصفقة اليمامة). وهو، أيضاً، بطل فضيحة “الزيتونة باي” (أي شركة إنماء واجهة بيروت البحرية) التي تملّك الصفدي أغلبية أسهمها بأبخس الأثمان، من خلال التعدّي على الأملاك البحرية العامّة التي قامت بها شركة سوليدير، بداية تسعينيات القرن الماضي. الأهم من هذا كله، أن الصفدي وقع عندما كان وزيراً للأشغال في حكومة فؤاد السنيورة (2005 ــ 2008) في عام 2007، مع نظيره القبرصي اتفاقية حول تعيين حدود المنطقة الاقتصاديّة الخالصة بينهما، حرمت لبنان من مئات الكيلومترات المربعة من حدوده البحرية لمصلحة كيان العدو.

والرجل، وعلى الرغم من ضحالة جودة إنتاجيته، تقلّب مراتٍ في مناصب الدولة بوصفه شخصيّة سنيّة طرابلسية لها وزنها (السطوة المالية)، فانتُخِبَ نائباً أكثر من مرة عن طرابلس، ثم عُيِّن وزيراً ولم يبقَ أمامه إلاّ تسلّق أعلى رتبة يمكن أن يصل إليها لبنانيٌّ سنّي: دخول نادي رؤساء الحكومات.

كان الرئيس عون قد كان أول من طرح فكرة الإتيان بالصفدي رئيسا للوزارة خلفا لسعد الحريري المحتجز، عندما قدم إستقالته من الرياض في مثل هذه الأيام من خريف العام 2017، قبل أن يأتي حلفاء الجنرال ويوضحون له حقيقة ما جرى برئيس حكومة لبنان!

قد يكون هذا هو السبب الذي دفع بالرئيس ميشال عون لتحقيق أمنية صديقه الشخصي محمد الصفدي، لذا كان، كما قيل، أوّل مَنْ سارع لقول Go لرئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري ليزفّ تكليف الصفدي، خصوصاً بعدما كان الرئيس عون قد كان أول من طرح فكرة الإتيان بالصفدي رئيسا للوزارة خلفا لسعد الحريري المحتجز، عندما قدم إستقالته من الرياض في مثل هذه الأيام من خريف العام 2017، قبل أن يأتي حلفاء الجنرال ويوضحون له حقيقة ما جرى برئيس حكومة لبنان!

سيناريوهات التسمية

مَنْ سمّى محمد الصفدي فعلياً؟ واحدٌ من اثنيْن كما تقاطعت المعلومات: إمّا سعد الحريري أو جبران باسيل (ضمنًا عون). ولماذا محمد الصفدي بالذات؟ وما خلفيات تسميته؟

في ما يلي سنحاول الإجابة على هذيْن السؤاليْن المندرجيْن من احتماليْن لا ثالث لهما؛ احتمال أول يقول إنّ سعد الحريري لا يريد، فعلاً، العودة إلى السراي الكبير، واحتمال ثانٍ يقول إنّ سعد الحريري يستميتُ للعودة إلى رئاسة الحكومة، وتصبح السيناريوهات كالآتي:

أولاً، ربّما أراد الحريري النأي بنفسه في هذه المعمعة التي دخل فيها البلد، دولةً وشعباً ومؤسسات، منذ ما يقرب الشهر، والهروب (بما تبقّى من ماء وجهه السياسي وثروته) فيتخلَّص من عبء الانهيار الاقتصادي المالي التدريجي المستمر. وعندما يواجه ربّه، بعد العمر الطويل، يقول له “إنّه ما فعل ذلك إلاّ استجابةً مع المنتفضين المساكين في الشارع”. الرجل مدرك أيضا أن ما يشتهيه بأن يؤلف حكومة من ألفها إلى يائها ليس متاحا بالحالة اللبنانية، لذلك، يصبح الهروب في هذه اللحظة، أسهل الخيارات.

ثانياً، ربما استجاب الحريري لرؤساء الحكومات السابقين الذين وضعهم بجوّ عدم رغبته بالعودة واستشارهم بخصوص البديل عنه فقالوا له، بحسب مصادره، إمضِ في ترشيح محمد الصفدي بدَل تمّام سلام الذي كان حتى مساء أمس (الخميس) الأوفر حظاً للتكليف، لأنّ الصفدي “خيار قويّ” (هل لأنّه طرابلسي وهكذا يمكن إرضاء أهل طرابلس التي سُمِّيَت عروس الثورة؟). هذا الإحتمال ينسفه سلوك الحريري الذي لا يستشير عادة زملاءه في النادي، وربما هو يفضل إبعادهم حتى يبقوا جالسين في الصف الثاني ولا يتأهب أحدهم للحلول محله، خاصة وأن المستقبل “قدامهم” كما يقال بالعامية، بينما تنطبق معادلة الصفدي على عون الذي قال قبل أيام قليلة إنه لا يبحث عن مستقبل فمستقبلي صار ورائي”. لن يجد الصفدي لقبا أحب من “دولة الرئيس”، يختم به حياته، وهو الذي قرر التقاعد سياسياً، منذ آخر إنتخابات نيابية.

“لبيك يا سعد”

ثالثاً، يتوق الحريري لتظهير مشهد، لتسميته مجدّداً رئيساً للحكومة، فيه “أكشن”؛ هو يعرف بفساد محمد الصفدي وبكونه شخصية مرفوضة شعبياً، فأراد أن يحرق الرجل بمجرّد تسريب اسمه، فـ”تصرخ” عندها الجماهير والأطراف الضالعة معه بالتسوية السياسية الرئاسية، “لبيك يا سعد… وأينك يا مخلِّص”. فيعود الحريري مغتبطاً بشروطه لا شروط غيره إلى حلبة مصارعة تشكيل حكومة على ذوقه، إلى حد كبير.

ما فعلته السلطة، في الواقع، ليس أكثر من تقديمها شخصيةً “من حواضر بيتها”، ولها مواصفات حكّامنا ذاتها، أي إنّ محمد الصفدي هو بنظر الشعب فاسد، لكنّه شخصية مرموقة بعيون السلطة

رابعاً، قد يكون تسريب اسم الصفدي محاولة لتمرير الوقت وكسْبه، بهدف إنضاج شكل الحكومة ونوعها ومحتواها (خصوصاً أنّ هذا هو بيت القصيد في كلّ الجدل والسجالات الدائرة في قصور ومراكز السلطة وحولها وفي ما بينها). فهناك وقت تحتاجه الأطراف المعنية، فرأت أن تملأه بالتسريب، فرفْض الشارع، فتصريحات تحمّل الناس مسؤولية هذا الرفض والتأخير، فردود فعل على هذه التصريحات من الشارع، فمعاودة جوجلة أسماء، فتسريب جديد (مرفوض ربّما أيضاً)… وهكذا.

خامساً، ربما لا يدرك رئيس البلاد وحلفاؤه، حجم ما يدور، حقيقةً، في الساحات والشوارع والطرقات منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر، ولا يتحسّسون حالة الغضب والاحتقان السائدة بين اللبنانيّين، فطرحوا اسم الصفدي، كما لو كانوا يتمتّعون بترف التأنّي والاختيار وفتْح البازارات الطائفية والسياسية للتعيينات والتكليفات والتشكيلات.

سادساً، وقد يكون حصل العكس تماماً، أي إنّهم يدركون ما يرون فيتصرّفون على أساسه، وبعد قصور ملحوظ، بأن يفجِّروا كلّ الحقد الدفين لديهم حيال هذا الشعب المُنَكَّل به طوال سنين، انتقاماً منه كونه تجرّأ على قول “لا” مدوِّية ضد نظامهم وسلطتهم وحكمهم. قد يكونون أرادوا فعلاً (وهذا الأخطر من السيناريوهات) استفزاز الجماهير المحتشدة في الساحات وعلى الطرقات، كي يتدفق المحتجّون إلى الشارع بفوضى عارمة وغوغائية كبيرة، فيصبح عندها القمع مشروعاً، أمام عدسات التلفزة العالمية، وسحب الناس مع مطالبهم من الساحات بالقوة بعد سحلهم على مفارق الطرقات. وهكذا تتلطّخ يدا الجيش بالدم، بعدما بدأ تلطيخ سمعته والحطّ من شأنه خلال عمليات فتْح الطرقات، فتتنفّس السلطة الصعداء، وتنتهي من هذا الهرج والمرج المستمريْن منذ شهر.

“من حواضر بيتها”

سابعاً، ربما كلّ هذه السيناريوهات افتراضية، وما فعلته السلطة، في الواقع، ليس أكثر من تقديمها شخصيةً “من حواضر بيتها”، ولها مواصفات حكّامنا ذاتها، أي إنّ محمد الصفدي هو بنظر الشعب فاسد، لكنّه شخصية مرموقة بعيون السلطة. وربما يستغرب حكّامنا “تعنّت” المحتجّين “يلّي ما بيرضيهم شي”، بحسب ما فُهِم من كلّ الكلام السياسي الذي صدر خلال الانتفاضة الشعبية، وهذا الكلام ستعاود السلطة تكراره، بعدما يرفض الناس محمد الصفدي رئيساً للحكومة المنتظرة، وسنسمع، من جديد، لازمة “ما في شي عاجبهن”، أو أن يقال “عملتو حراك حتى يقرر جبران باسيل وسعد الحريري عنكم من هو رئيس حكومتكم”!

كلمة أخيرة. هناك أربعة أسبابٍ رئيسيّة كي يموت الجنين داخل أحشاء أمّه: إصابة الحامل بتسمّم أثناء الحمل؛ خلل جيني يسبّب ضعف الجنين ومن ثمّ موته؛ وجود تشوّهات خلقية في الجنين؛ تعرّض الحامل لحادث أو ضربة قوية؛ استدامة فترة الحمل وقتاً أكثر من الطبيعي.

كلّ هذه الأسباب متوفّرة كي تولد حكومة محمد الصفدي ميتة، وهذا ما سيحصل بلا أدنى ريب. اقتضى التوقّع.

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
online free course