جيوش الشرق الأوسط غير النظامية.. تقلب المعادلات

لا يقاس فتح معبر القائم ـ البوكمال، ببعده الإقتصادي، على أهميته. هذا المعبر الحيوي الإستراتيجي شكل نقطة تلاق بين ثلاثة جيوش غير نظامية: "الحشد الشعبي" العراقي، "حزب الله" اللبناني، "قوات الدفاع الوطني" السورية، بالإضافة إلى تشكيلين نظاميين هما الجيش السوري والجيش العراقي، من دون إستثناء دور مجموعات أخرى، أبرزها بطبيعة الحال، مجموعة المستشارين العسكريين التابعة للحرس الثوري الإيراني وتحديدا فيلق القدس بقيادة الجنرال قاسم سليماني.

في إحتفال “يوم القدس العالمي”، قبل سنتين، قال الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله إنه في حال إندلاع حرب محتملة مع اسرائيل فإن هذه الحرب لن تقتصر على مقاتلين من لبنان وفلسطين بل أن عشـرات الآلاف بل مئات الآلاف من المقاتلين ومن مختلف أنحاء العالم سوف يلتحقون في صفوف المقاومة في حربها ضد اسرائيل.

لماذا هذه الإستعادة لكلام عمره حوالي السنتين؟

لا يمكن الفصل بين ما أعلنه نصرالله قبل سنتين وما كشف عنه قاسم سليماني قبل حوالي الأسبوع، بقوله إنه طيلة أيام حرب تموز/ يوليو 2006، كان إلى جانب نصرالله والقائد العسكري الأول في حزب الله عماد مغنية. حضور سليماني الرمزي في غرفة عمليات حرب الثلاثة وثلاثين يوما، شكّل بداية التأسيس لمعادلة تلازم الجبهات من غزة إلى طهران مرورا بلبنان وسوريا والعراق واليمن. حتى أن الصورة الثلاثية التي عُمّمت وجمعت كلا من السيد علي الخامنئي ونصرالله وسليماني، لا تخرج عن هذا السياق، بتأكيد تلازم القدرات وحتمية مشاركة كل الجيوش غير النظامية من غزة إلى طهران في أية معركة محتملة مع إسرائيل.

لكن المغزى الثاني للصورة والمقابلة في آن معا، أن ما قام به حزب الله والإيرانيون في حرب تموز/ يوليو، لا يقاس فقط بلحظته، إنما بما يخبئه هذا التحالف من مفاجآت في السنوات المقبلة، إستنادا إلى تجربة حصلت قبل 13 سنة، وتراكم تجارب في مواجهة “داعش” في ساحات العراق وسوريا ولبنان، على مدى أكثر من ثماني سنوات تقريبا.

هل ما يجري في المنطقة من حروب بدد قدرات حزب الله وسوريا والعراق وإيران وساعد في الحفاظ على أمن اسرائيل؟

لنأخذ حسابات الربح والخسارة معا، فتكون الحصيلة هي الآتية:

أولا، ساهمت حروب السنوات الثماني الأخيرة، وبرغم أنها خلّفت خسائر بشرية ومادية فادحة، في ظهور جيوش غير نظامية (طبعا، لا نتحدث هنا عن داعش والنصرة وباقي المجموعات الإرهابية)، وكل واحد من هذه الجيوش أصبح يشكل قوة عسكرية يُعتد بها وأصبح مصدر قوة في بلده.

ثانيا، ساهمت الحروب الأخيرة في دفع الجيوش غير النظامية في الشرق الأوسط إلى تعلم تقنيات صناعة الطائرات المسيرة والأسلحة والصواريخ متوسطة المدى غير البالستية وحتى أن بعض هذه الجيوش أصبح يملك القدرة على صناعة الصواريخ البالستية، ما يعني أن هذه الجيوش باتت بمقدورها أن تغير جميع المعادلات في الشرق الأوسط باستخدامها تقنيات وتكنولوجيا عسكرية حديثة، والأمثلة أكثر من أن تحصى وتعد.

أميركا وبسبب هذه الجيوش غير النظامية لم تعد قادرة على شن حرب جديدة في المنطقة، كما فعلت في العراق عام 2003

ثالثا، أبرزت أحداث المنطقة قادة في جيوش غير نظامية يوجهون عشرات لا بل مئات الآلاف من المقاتلين في الحروب العشوائية.

رابعا، سهلت الحروب الأخيرة آلية انتقال القوات من سائر الدول إلى المناطق الساخنة، وكشاهد على ذلك، يمكن الإشارة إلى إلتحاق المقاتلين من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشرق آسيا وحتى بعض الدول الأوروبية في صفوف داعش وهم يخوضون المعركة الأهم في المنطقة.

خامسا، برغم أن السياسة الأميركية نجحت في إفساد أجواء الصداقة وحسن الجوار بين دول المنطقة واستبدلتها بأجواء تفوح منها رائحة العداء والخصومة وحملت شعوب المنطقة أعباء حروب طاحنة، إلا أنها أيضاً إستوجبت تعزيز قدرات الجيوش غير النظامية في المنطقة، وربما يمكن القول إن أميركا وبسبب هذه الجيوش غير النظامية، لم تعد قادرة على شن حرب جديدة في المنطقة، كما فعلت في العراق عام 2003.

خمس جبهات مترابطة

سادسا، الآن، وبعد مرور 16 عاماً على احتلال العراق، وبعد مرور 8 سنوات على الحرب السورية، وبعد مرور 4 سنوات على حرب اليمن، وبعد مرور أكثر من عامين على تطهير العراق من “داعش”، ظهرت جيوش كبيرة، غير نظامية، في المنطقة، وهي تنجح في تحقيق أهدافها الاستراتيجية في العديد من الساحات.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، في العام 2017 وعندما كان الجيش السوري وحلفاءه يتحركون باتجاه الحدود المشتركة مع العراق، وتحديداً باتجاه نقطة البوكمال الحدودية، وبرغم تعرض أرتال الجيش السوري آنذاك لثلاث ضربات مؤلمة من قبل الطائرات الأميركية، واصلت مسيرها وتغلبت على جميع العقبات حتى وصلت أخيراً إلى الحدود السورية العراقية المشتركة، بمساندة من باقي “الجيوش” الحليفة.

سابعا، ثمة تحالف بين خمس جبهات عسكرية (العراق، اليمن، سوريا، لبنان، فلسطين)، ويسجل له أنه نجح بقدراته الذاتية واكتساب العلوم والتكنولوجيا العسكرية، بتشكيل قوة عسكرية لوجستية لا يُستهان بها على الإطلاق في المنطقة.

كسر التوازنات

ثامنا، اي حرب أو مواجهة مستقبلية بين اسرائيل والمقاومة اللبنانية، سوف تكون مجرياتها ونتائجها مختلفة تماماً عن الحروب والمواجهات السابقة، فالاسرائيليون يدركون جيداً أن القدرات العسكرية لحزب الله حاليا في المنطقة أفضل بكثير مما كانت عليه قبل 13 عاما، وهذه القدرات لا تقتصر في الوقت الحالي على لبنان، وهم يدركون جيداً أنه لا يمكن الإعتماد على أية قوة دولية من أجل منع المقاومة من الرد على أي اعتداء اسرائيلي مُحتمل أو محاولة تغيير أو تعديل قواعد الإشتباك، كما حصل مؤخرا، فاسرائيل تدرك الآن جيداً أن قوة جبهة المقاومة بصورتها الحالية في الشرق الأوسط ليست قابلة للمقارنة مع قوتها في ثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي أو حتى خلال فترة حرب تموز/ يوليو على الإطلاق.

تاسعا، حان الوقت لكي تعيد كل من أميركا واسرائيل النظر في طريقة مواجهتهما لحزب الله، مثلما يجب أن يدركا أن سياسة الفوضى الخلاقة وبرغم أنها نجحت في إشعال فتيل حرب طاحنة في الشرق الأوسط والمنطقة إلا أنها ساهمت في تأسيس جيوش غير نظامية قادرة بقدراتها الدفاعية أن تنتقل إلى الهجوم وشن حروب خاطفة وممؤثرة ضد أقوى الجيوش الكلاسيكية في المنطقة.

(*) كاتب إيراني

 

طهران ـ علي منتظري

كاتب وصحافي ايراني مقيم في طهران

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course