ذاكرة الجنوب المعلَّقة.. الجسد والعودة والخيال بعد «حرب الإسناد» (2/2)

لا تعيش ذاكرة الجنوبيّين بعد «حرب الإسناد» في الرّوايات الشفهية فحسب، بل تستقرّ في الأجساد والبيوت المهدّدة، وفي الكلمات المتردّدة على شرفات المنازل المؤقّتة، وفي الأحلام المؤجَّلة عن عودةٍ قد لا تشبه ما فُقِد. بعد سنة على النّزوح، لا يكون السّؤال فقط عمّا حدث، بل عن الكيفية التي يستمرّ بها الحدث في التجلّي، في أرق اللّيل، في الزّيارات الخاطفة إلى القرى، في الجدل حول من يحقّ له أنْ يتكلّم باسم الجنوب، وفي الصور المتخيَّلة لجنوبٍ قادمٍ قد لا يشبه الجنوب الذي عرفه النّاس من قبل.

هذه المقاطع تحاول الاقتراب من الذّاكرة بوصفها ممارسةً يوميّةً أكثر منها سجلًّا ثابتًا، ذاكرة تُكْتَبُ على الجسد قبل أن تُقَال، تُخْتَبَرُ في خطواتٍ سريعةٍ داخل بيتٍ قد يُدمَّرُ غداً، وتُعَادُ صياغتها في النّقاشات الصّغيرة بين النّازحين، ثمّ تُدْفَعُ إلى المستقبل في هيئة مشاريع عودة، أو رغباتٍ في القطيعة، أو سيناريوهات معلَّقةٍ بين الخوف والأمل. بهذا المعنى، ما يرد هنا ليس وصفًا نهائيًّا لما خلّفته الحرب في الجنوب، بل محاولةً لالتقاط لحظةٍ انتقاليّةٍ، ما زالت فيها الذّاكرة تتشكّل، وما زال الجنوب نفسه يُعْادُ تخيّله من جديد.

الجسد كأرشيفٍ قَلِقٍ.. 

لا تظلّ الذّاكرة محصورةً في الحكي فحسب، بل تستقرّ أيضاً في الجسد. كثيرون يتحدّثون بعد سنةٍ عن نومٍ متقطّع، عن أرق، عن استيقاظٍ حادٍّ على أيّ صوتٍ قويٍّ في اللّيل. الأذن تعلّمت التّمييز بين أصوات القذائف وأصوات المفرقعات، بين هدير الطّائرات الحربيّة وأصوات الطّائرات المدنيّة، حتى داخل مدنٍ أكثر هدوءاً من القرى الحدوديّة. هذا «الإنذار الدّائم» المستقرّ في الجسد يجعل العودة إلى حياةٍ عاديةٍ أمراً صعباً، لأنّ السلامة نفسها تبدو ظرفيّةً ومعلّقةً على خبرٍ عاجلٍ قد يرد في أيّ لحظة. داخل هذا السّياق تضطلع النساء غالباً بدورٍ خاصٍّ في تشكيل الذّاكرة اليوميّة؛ فهنّ من أَدَرْنَ تفاصيل الحياة في الغرف المشتركة والبيوت المستأجرة، تفاوضن مع أصحاب العقارات، قسّمن المساحة، نظّمن أوقات الأطفال ومدارسهم، وابتكرن حلولًا اقتصاديّة في ظلّ موارد ضئيلة. ذاكرتهن تميل إلى التّفاصيل العمليّة التي لا تلتقطها عدسات الإعلام، كيف أصبح المطبخ المشترك مساحةً للنّقاش والفضفضة، كيف تحوّل ترتيب الفرش على الأرض إلى تمرينٍ دقيقٍ على توزيع الأعباء، وكيف تداخلت الرّعاية العائلية مع بناء شبكات تضامنٍ صغيرةٍ بين النّساء المهجَّرات.

للنساء الجنوبيات قصصٌ كثيرة ستروى في يومٍ من الأيام. تقول إحدى السيّدات الجنوبيات إنّها خالفت إرادة أولادها بالاقامة في شقة صغيرة وقرّرت أن تستقر في غرفة مدرسة تتشاركها مع آخرين من عمرها. وقالت سيدة أخرى إنها كانت تتمنى أن يُدمّر الجيش الإسرائيلي بيتها، بعدما بلغها إن منزلها في إحدى حارات بني حيّان هو الوحيد الذي ما زال واقفاً. تضيف “لا تتصوروا مدى سعادتي عندما صرنا أنا وجيراني بالهوا سوا”!

زيارات خاطفة وعودة معلّقة

شهدت السنة الأولى أيضاً موجاتٍ من «العودة الخاطفة» إلى القرى عند كلّ فترة هدوءٍ نسبيًّ أو عند فتح طريقٍ لفترةٍ قصيرة. يدخل بعض النّازحين إلى بيوتهم لبضعِ ساعات، يفتحون النّوافذ المغلقة منذ شهور، يمسحون الغبار المتراكم على الطّاولات، يتفقّدون الشّقوق في الجدران، يلتقطون صورًا كثيرةً لكلّ زاوية، ثمّ يغادرون مسرعين قبل أنْ تتغيّر التّعليمات أو يعود التّوتّر الأمنيّ. هذه الزّيارات القصيرة تخلّف أثرًا مركّبًا في الذّاكرة: هي تطمئن أحيانًا، حين يظهر البيت واقفًا برغم الشّظايا؛ وهي تقطع القلب أحيانًا أخرى، حين يُكْتَشَفُ أنّ السّقف انهار أو أنّ غرفة الأطفال محروقة أو أنّ الحقل امتلأ بحفر القذائف. تتباين أوضاع القرى، بعضها يبقى مغلقاً، بعضها يصبح ممرّاً سريعاً، وبعضها يستعيد عدداً من سكّانه فيما يبقى آخرون في النّزوح. هذا التّفاوت ينعكس على طريقة الكلام عن العودة؛ هناك من يتبنّى خطاب الصّمود، يصرّ على أنّ البقاء أو العودة إلى القرية فِعْلُ تحدٍّ ضروريٍّ ولو في بيتٍ متضرّر، وهناك من يشعر بأنّ العودة إلى مكانٍ قابلٍ للاشتعال في أيّ لحظةٍ مغامرةً لا يطيقها، فيفضّل البقاء في بيتٍ مُسْتَأْجَرٍ ضيّقٍ لكن أكثر بُعداً عن الخطر. لا تعود العودة نهاية القصة، بل تصبح حلقةً في دورةٍ مقلقةٍ من خروجٍ وعودةٍ واحتمالِ خروجٍ جديد.

من يملك حقّ الكلام باسم الجنوب؟

في المجالس المشتركة أو على شرفات البيوت المؤقّتة، لا تُرْوَى الحرب بوصفها حكايةً واحدةً متّفقاً عليها. الذّاكرة هنا ساحة تفاوضٍ اجتماعيٍّ وسياسيّ، من جهة، ثمّة إجماعٌ على عنف العدوّ الخارجيّ الذي قصف وهجّر، ومن جهةٍ أخرى يظهر تململٌ أو تساؤلٌ مكتومٌ أحيانًا وعلنيٌّ أحيانًا أخرى حول الخيارات التي قادت إلى هذه المواجهة، وحول دور القوى السّياسية المحلّية، وحول غياب الدّولة أو حضورها المتأخّر. حتى التّسمية موضع نقاش، بعضهم يردّد عبارة «حرب الإسناد» وفيها اعترافٌ بالانخراط في معركةٍ أوسع من حدود الجنوب، وبعضهم يفضّل تسمياتٍ أكثر التباساً أو عموميّةً مثل «الأحداث» أو «الوضع»، كأنّ تخفيف حدّة التسمية محاولةٌ لتخفيف ثقل الالتزام بسرديةٍ بعينها. يتفاقم هذا التّفاوض حين يتعلّق الأمر بمن يحقّ له أن يتكلّم باسم القرية أو باسم الجنوب، من بقي في المكان تحت الخطر يشعر أحياناً بأنّه وحده صاحب حقّ الكلام، ومن تهدّم بيته كاملًا يرى أنّ خسارته تمنحه شرعيةً خاصة، ومن يملك منبراً إعلاميّاً أو سياسيّاً يتصرّف وكأنّ صوته هو التّرجمة الشّرعيّة لمعاناة الجميع. هكذا تصبح الذّاكرة أداةً لتوزيع الرّمزيّة والشّرعيّة، ولتحديد من يُسْمَعُ صوته في المجال العامّ ومن يُحْبَسُ في نطاق الشّكوى الخاصّة.

إقرأ على موقع 180  أوتوغولبي السودان.. ليس هناك إنقلاب

أيّ جنوبٍ بعد اليوم؟

مُسنّة في أحد شوارع الخيام عام 1978

برغم ثقل الماضي القريب، لا تنحصر الذّاكرة في إعادة تدوير ما حدث، بل تفتح أفقاً للتّخيّل. في أحاديث المساء يعود حلمٌ بسيطٌ وعنيد، أنْ تعود الحياة كما كانت، أنْ تُفْتَحَ أبواب البيوت نفسها، أنْ يعود الأطفال إلى المدارس ذاتها، أنْ تُعَادَ زراعة الحقول، أنْ تستعيد القرية إيقاعها قبل الحرب. في الوقت نفسه، يخرج من بين الكلمات وعيٌ مبهمٌ بأنّ «العودة إلى ما قبل» قد لا تكون ممكنةً تماما؛ فالهواجس الأمنيّة الجديدة، وأثر الدّمار على البنية التّحتيّة، وتغيّر علاقات الجيرة بفعل النّزوح، تجعل العودة أشبه بإعادة تركيبٍ للبيت والحياة على أسسٍ مختلفة. بعض العائلات تتحدّث بوضوحّ عن تغييراتٍ مقرَّرة ٍسلفاً إنْ قُدِّرَ لها أنْ تعود، كأن يكون البيت الجديد متواضعاً جداً أكثر من أي وقت مضى، بناءِ ملجأ، تعزيزِ الجدران، تغيير نمط الزّراعة، أو حتى بيعِ الأرض والانتقال إلى مكانٍ بعيد. على الطّرف الأقصى، يظهر بين حينٍ وآخر خطابٌ أشدّ جذريةً لدى من فقد كلّ شيءٍ أو لدى من أنهكتهم رحلة النّزوح والفقر، فيردّدون رغبتهم في الرّحيل النّهائيّ عن الجنوب، أو حتى عن البلد كلّه إنْ استطاعوا. هذا التّخيّل قد يكون بعيد المنال، لكنّه يكشف حدود القدرة على تحمّل دورة العنف المتكرّرة، وحدود ما يمكن أنْ تطلبه الجماعة من أفرادها باسم الانتماء، ولعل أرقام الهجرة اللبنانية في السنتين الأخيرتين تُقدّم الأجوبة حيال ما يُمكن أن يحدث من فراغ، عندما يُصبح الفرار خياراً يتردد على ألسنة كثيرين من أبناء قرى المواجهة.

خلاصة الأمر، سنةٌ واحدةٌ لا تكفي لترسيخ سرديةٍ نهائيّةٍ لما سُمِّيَ «حرب الإسناد» في الجنوب. مثل هذه التّجارب تحتاج إلى عقودٍ كي تتحوّل إلى حكاياتٍ كبرى تُدَوَّنُ في الكتب والمناهج والذّاكرة الوطنية. لكنّ السَّنة الأولى هي دائماً الأكثر كثافة، لأنّها لحظة الصّراع بين النّسيان المستحيل والحاجة الملحّة إلى مواصلة الحياة. ذاكرة الجنوبيّين اليوم فسيفساء من صورٍ منزليّةٍ حميميّة، وأجسادٍ متوتّرةٍ تعيش على إيقاع الإنذار العاطفيّ والأمنيّ، ونقاشاتٍ مكتومةٍ أو معلنةٍ حول المسؤوليّة والمعنى، وحلمٍ غامضٍ بالعودة يتأرجّح بين اليأس والأمل. في هذه الذّاكرة يبدو الجنوب أقلَّ من كونه هامشًا جغرافيًّا للبلد، وأكثر كونه مركزاً تُخْتَبَرُ فيه بعنفٍ أسئلة الوطن والأمان والعدالة، ومعنى أنْ تعيش وأنْ تحبّ مكانًا يتحوّل مرّةً بعد مرّةٍ إلى جبهة، ثمّ يُطْلَبُ منك أنْ تعود إليه، وأنْ تواصل تشييد ذاكرتك على أرضٍ لم تُتْرَكْ لها فرصةٌ كافيةٌ كي تلتئم.

(*) راجع الجزء الأول: سنة في المنفى القريب.. ذاكرة الجنوبيين بعد “حرب الإسناد”

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  خطة ترامب لقطاع غزة.. ترتيبات ما بعد الإبادة!