هُرمز وباب المندب.. جغرافيا الطاقة في زمن الحرب

نقل تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن توجيه ضربات نوعية إلى المنشآت العسكرية في جزيرة "خَرج" الإيرانية، والتي تعدّ الرئة النفطية الإيرانية، المعركة إلى طور جديد من التصعيد على خلفية ضرب "اقتصاد الطاقة" دولياً. وحين تنخفض حركة المرور عبر مضيق هرمز الذي أقفله الإيرانيون بنحو 97 في المئة، وتلجأ وكالة الطاقة الدولية إلى أكبر سحب طارئ في تاريخها من المخزونات النفطية الاستراتيجية، نجد أنفسنا أمام السؤال الآتي: ماذا يحدث حين تتحول الجغرافيا نفسها إلى أداة ضغط، وحين يصبح البحر جزءًا من معركة الاستنزاف؟

يُمثّل مضيق هرمز أهم عنق زجاجة طاقوي في العالم. ففي العام 2024 مرّ عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط، أي ما يعادل قرابة 20 في المئة من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، فضلًا عن جزء وازن من تجارة الغاز الطبيعي المسال. ولهذا لم يكن مستغربًا أن يتحول، منذ الحرب العراقية – الإيرانية، إلى نقطة التقاء بين النزاع الإقليمي ومصالح القوى الكبرى.

لكن قراءة المحاولات السابقة تكشف أن إيران، برغم تهديداتها المتكررة، لم تتمكن قبل عام 2026 من فرض إغلاق كامل ومستدام للمضيق. ففي حرب الناقلات خلال الحرب العراقية – الإيرانية في الثمانينيات الماضية، استُهدفت السفن وناقلات النفط بكثافة، وارتفعت كلفة العبور والتأمين، غير أن الملاحة لم تتوقف كليًا. ثم جاءت عملية فرس النبي” (Praying Mantis) الأميركية في نيسان/أبريل 1988، بعد إصابة السفينة الأميركية Samuel B. Roberts بلغم بحري، لتؤكد أن أي محاولة إيرانية لنقل المضيق من خانة التهديد إلى خانة الإغلاق الشامل تستجلب ردًا عسكريًا واسعًا.

التأمين البحري.. الوجه الخفي للأزمة

ويظهر التأمين البحري كعامل مهم في المعركة الجارية، فلا يحتاج المضيق إلى قرار رسمي بالإغلاق حتى يبدو مغلقًا عمليًا. يكفي أن تصبح كلفة العبور مرتفعة إلى درجة ترهق الشركات وتدفع السفن إلى التردد أو تغيير المسار. فارتفاع كلفة التأمين إلى نحو اثني عشر ضعفًا ليس مجرد رقم مالي؛ بل مؤشر على أن الحرب بدأت تدخل في صلب التسعير الاقتصادي. فحين ترتفع أقساط التأمين بهذا الشكل، ترتفع معها كلفة الشحن، ثم كلفة الطاقة، ثم أسعار السلع في كل مكان. وبذلك لا يعود الخطر محصورًا في نقص الكميات فقط؛ بل يمتد إلى تضخم الأسعار حتى قبل حصول انقطاع كامل في الإمدادات.

البدائل المحدودة وقلق الأسواق

من هنا يمكن فهم المأزق الحقيقي. فالعالم لا يواجه فقط احتمال تعطل جزء من النفط والغاز؛ بل يواجه أيضًا سوقًا تعيد تسعير المخاطر يوميًا. وهذا يعني أن مجرد بقاء هرمز تحت الضغط كفيل برفع الأسعار وإدخال الاقتصاد الدولي في حالة من القلق المفتوح.

ولأن البدائل البرية المتاحة في الخليج والبحر الأحمر، مثل خط أنابيب السعودية شرق–غرب” (بترولاين)، وخط أنابيب حبشان – الفجيرة في الإمارات، وخط أنابيب سوميد في مصر، لا تستطيع تعويض كل ما يمر عبر المضيق، فإن البدائل تقع تحت مطرقتين:

الأولى؛ العجز في نسب التدفقات، لأن البدائل تغطي فقط نحو 40% من النفط، أما الغاز المسال (خصوصًا القطري)، فلا توجد له أنابيب بديلة كافية، ما يعني انقطاعه بالكامل عن الأسواق العالمية في حال الإغلاق.

الثانية؛ الضعف الجيوسياسي، لأن هذه الأنابيب نفسها (ومحطات الضخ) قد تصبح أهدافًا عسكرية سهلة بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة، ما يجعل الاعتماد عليها مخاطرة في حال الحرب الشاملة.

باب المندب إذا انضم إلى هرمز!

يكمن الخطر الأكبر في حرب الممرات البحرية في دخول باب المندب إلى ساحة الصراع العسكري. فإذا استطاع الحوثيون تعطيل هذا الممر أو إغلاقه بالكامل، بالتزامن مع استمرار اغلاق مضيق هرمز، فإن العالم لن يكون أمام أزمة خليجية فقط؛ بل أمام اختناق مزدوج يضرب الخليج والبحر الأحمر معًا، ما يجعل الضرر الكبير يطال التجارة بين آسيا وأوروبا. وستضطر السفن إلى الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعني مزيدًا من الوقت والوقود والتأمين والكلفة.

وهنا يدخل العالم في اقتصاد حرب بحري حقيقي، حيث تتداخل أسعار النفط مع كلفة النقل والتجارة والغذاء والسلع الأساسية.

حرب الاستنزاف كخيار استراتيجي

قد لا تكون إيران معنية، في هذه المرحلة، بتحقيق نصر عسكري حاسم بقدر ما هي معنية بفرض حرب استنزاف اقتصادية وسياسية على خصومها. فمن خلال إبقاء هرمز تحت الضغط، وترك باب المندب على حافة الاشتعال أو في قلبه، تستطيع طهران وحلفاؤها رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس فقط عسكريًا، بل أيضًا تجاريًا وطاقويًا وماليًا.

وتزداد أهمية هذا السيناريو إذا استطاعت إيران إطالة الحرب شهرًا أو أكثر. فصندوق النقد الدولي حذّر من أن ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10%، إذا استمر عامًا كاملًا، قد يرفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية ويضعف النمو. كما أظهرت تقديرات البنك الدولي أن صدمة نفطية بنسبة 10% يمكن أن ترفع التضخم العالمي بنحو 0.35 نقطة مئوية خلال سنة. وإذا أدت الحرب، بفعل التعطيل أو الخوف من التعطيل، في دفع سعر البرميل إلى 150 دولارًا، فإن العالم لن يواجه أزمة “غلاء وقود” وحسب، بل موجة تضخمية عالمية.

إقرأ على موقع 180  تركيا والنصرة صديقان لدودان .. ومصيرهما في إدلب على المحكّ

النفط بوصفه مشكلة انتخابية

إن أقصى ما تسعى إدارة دونالد ترامب إلى تجنّبه هو تحوّل موضوع الطاقة وممراتها الحيوية إلى كابوس سياسي عشية الانتخابات النصفية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، فالناخب الأميركي مستعدٌ لتحمل خطاب سياسي عالي السقف تجاه الخارج، لكنه أقل تسامحًا مع ارتفاع البنزين وتضخم الغذاء واضطراب الأسواق. وعليه، فإن نجاح إيران في إبقاء المضائق تحت الضغط لمدة شهر أو أكثر قد لا يمنحها نصرًا عسكريًا تقليديًا، لكنه قد يمنحها قدرة على جعل الحزب الجمهوري يدفع الثمن في الانتخابات المقبلة بخسارة المجلسين، فيصبح عندها ترامب في ما تبقى من نصف ولايته عبارة عن “بطة عرجاء”.. وإذا انتهت الحرب بموجب تسوية ما، فإن إيران لا بل كل منطقة الخليج ستكون أمام واقع جيوسياسي جديد.

حدود الورقة الإيرانية

ومن يُدقّق في المقاربة الإيرانية لسلاح “الممرات” يجد أنه لا يُستخدم إلا في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما، وعلى المستوى العملياتي تميل إيران إلى التحكم بالمضيق واستخدامه كأداة ضغط انتقائي أكثر من إغلاقه بالكامل. كما تربط أمن المضيق مباشرة بسلوك خصومها، مع إبقاء ورقة الإغلاق الكامل في اليد كحل أخير مرتبط بمدى تحييد الولايات المتحدة وإسرائيل لقطاعات الطاقة في إيران والجزر، لا سيما جزيرة “خرج”.

وتشي تطورات الساعات الأخيرة بأن الصراع حول مضيق هرمز وجزيرة خرج يتجه نحو مزيد من التعقيد. فقد لوّحت الإدارة الأميركية بإمكانية توسيع الضربات على الجزيرة، بل ودرست سيناريو السيطرة عليها إذا استمر تعطيل الملاحة النفطية في الخليج، في حين تعمل واشنطن على تشكيل تحالف بحري دولي لتأمين حركة السفن عبر المضيق من دون أن تلقى استجابة لا من أقرب الحلفاء ولا من أبعدهم حتى الآن. وفي المقابل، تميل طهران إلى إدارة المضيق بطريقة انتقائية، تسمح بمرور بعض السفن وتقيّد أخرى، في محاولة لاستخدامه كورقة ضغط استراتيجية دون الوصول إلى إغلاق شامل، وهذا ما يُفسّر مرور سفن هندية وتركية بعد التنسيق مع الإيرانيين، ويعكس مدى الدقة التي تتناول بها طهران فرصة إمساكها بورقة الممرات والمضائق وحرصها على منع تحولها إلى تهديد شامل، ما يتطلب وقتًا وصبرًا وحياكة هادئة، وهو ما يجيده الإيرانيون بدرجة كبيرة. وقد عبّر عن ذلك منشور علي لاريجاني على منصة “إكس”:
“إن مضيق هرمز إما أن يكون مضيق انفراج للجميع، وإما أن يتحول إلى مضيق اختناق للحالمين بالحروب”.

احتمال الانفجار الكبير

في المحصلة، لا تبدو معركة مضيق هرمز وجزيرة خرج مجرد حلقة عسكرية في صراع إقليمي؛ بل تعبيراً عن تحوّل أعمق في طبيعة الحرب الجارية، حيث لم تعد المواجهة تُدار فقط بالصواريخ، بل أيضاً بالاقتصاد والجغرافيا وممرات الطاقة. فحين تتحول المضائق البحرية إلى أدوات ضغط، تصبح أسواق النفط والتجارة العالمية جزءاً من ميدان المعركة، ويتداخل الأمن الإقليمي مع الاستقرار الاقتصادي الدولي على نحو غير مسبوق منذ أكثر من نصف قرن تقريباً.

وبينما يبقى احتمال الانفجار الكبير قائماً إذا خرجت المواجهة عن حدود التحكم، فإن المؤكد أن مضيق هرمز وباب المندب لم يعودا مجرد ممرات بحرية لنقل الطاقة، بل أصبحا جزءاً من معادلة القوة في الشرق الأوسط. ومن هنا، فإن مستقبل هذه الحرب لن يُحسم فقط في ميادين القتال، بل أيضاً في كيفية إدارة الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، وفي قدرة الأطراف المختلفة على استخدام أدوات الضغط من دون الانزلاق إلى صدام شامل يعيد رسم خرائط الطاقة والتجارة في العالم.

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  حرفة حماية الدول من السقوط.. هل تسري مصرياً على لبنان؟