لبنان: معركة لإقامة النظام، لا لإسقاطه

نجح اللبنانيون في أقل من 72 ساعة بتحويل حراكهم المدني إلى انتفاضة شعبية امتدت عفويا لتطال كافة الأراضي اللبنانية. هي اليوم أقرب إلى ثورة. ثورة لا يقودها شخص ولا عصبيات طائفية أو مذهبية أو حزبية أو مناطقية. ثورة قائدها الجوع، ووقودها البطالة والحرمان وفقدان أبسط مقومات العيش من تعليم وطبابة وبيئة ومواصلات وفرص عمل .

يموت اللبنانيون كل يوم ألف مرة: على الطرقات بالمجان، على أبواب المستشفيات، بالرصاص الطائش، بالسموم التي يتنشقونها والمياه التي يشربونها. صحيح أن عهد الفساد لا يعود إلى سنوات ثلاث خلت، وأن أسسه قد أرسيت منذ انتهاء الحرب الأهلية في أوائل التسعينيات حين وصل أمراؤها إلى السلطة، فتخلوا عن نظام الخوات الذي لم يعد من حاجة إليه في ظل إمكانية نهب المال العام والتحكّم بخزينة الدولة . نهب اتّخذ أشكالا عدة: سرقة موصوفة، هدر إرادي أو تبديد عرضي.

صحيح كذلك أن الكل شريك في الجريمة، وأن أيا من أقطاب النظام الحالي لا يتحمل وحده مسؤولية ما آلت إليه الأمور. إنّ ما حصل في لبنان خلال ثلاثين سنة مضت له توصيف واحد: اغتصاب جماعي لأنثى هي الدولة تبادل الجميع الدور عليها، مرة بعد مرة، وإنّ القادم حديثا وعابر السبيل حاله كحال الثابت اللامتغير. لا عذر تخفيفيا إذاً.

صحيح أنه خلال هذه المرحلة، حققنا انتصارات لا يمكن لأحد إنكارها. في الـ 2000، نجحت المقاومة بدحر الجيش الإسرائيلي عن أراضي جنوب لبنان، وفي الـ 2005 خرج الجيش السوري من لبنان تحت وطأة وضغط الشارع. لعل مشهد اللبنانيين يومها كان إلهاماً لما سمي بعدها بـ”الربيع العربي”.

على أن إحدى خصائص الثورة الحالية هي غياب أي شخص أو جهة تقودها. لا لينين أو ماوتسي تونغ هنا، لا فيديل كاسترو ولا الإمام الخميني. أنها ثورة عفوية من رحم شعب موجوع وانطلاقاً من مبادئ ومطالب محقة. إنّ إسقاط النظام القائم على المحاصصة الطائفية والحزبية يشكّل المدخل الأول لبناء دولة لبنان العصرية. دولة تكون على قدر تطلعات اللبنانيين: أولئك الذين يبرعون أينما حلوا في الخارج، ولكن الأهم أولئك الذين بقوا في الداخل – أصحاب الكفاءات الذين تهدر طاقاتهم وتهجّر أدمغتهم، أصحاب المهن والحرفيين القادرين على المساهمة بالنهوض بالصناعة الوطنية، المزارعين القادرين على المساهمة بتلبية حاجات السوق المحلية، كما أولئك الذين هم ضحية النظام القائم على فكرة التبعية العمياء للزعيم أو المذهب والذين هم اليوم أكثر من يدفع الثمن: فلا سوق عمل قادر على احتوائهم، ولا شهادة قادرة على فتح آفاق جديدة لهم.

يطالب بعض من هم في الشارع بأن يتولى الجيش الحكم. إلا أن تجربة دول عربية عدة بينها مصر، بينت أن حكم العسكر لم يكن أفضل حالا

في حال نجح الضغط الشعبي في الشارع في إرغام الحكومة على الاستقالة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو من القادر على الأخذ بزمام الأمور للمرحلة القادمة في ظل وضع جيو- استراتيجي صعب ومعقد من الحدود السورية الشمالية مروراً بالعراق إلى اليمن، وفي ظل صراع دولي لا يهمه طبيعة السلطة السياسية في لبنان، بفسادها وعبثيتها، بل جل ما يهمه هو ارتباطاتها الإقليمية بالنظر إلى الصراع الحاد ما بين الولايات المتحدة وإيران.

يطالب بعض من هم في الشارع بأن يتولى الجيش الحكم. إلا أن تجربة دول عربية عدة بينها مصر، بينت أن حكم العسكر لم يكن أفضل حالا من حكم لا حسني مبارك ولا “الأخوان”. كذلك، وإن كان الجيش قد استطاع الحفاظ على درجة من الحياد والتوازن خلال العقود المنصرمة، إلا أنّ دوره الأساس يبقى حماية حدود دولة ينص دستورها على أنّ نظامها ديموقراطي برلماني حر.

ومع أن اللبنانيين في الشارع اليوم قد أثبتوا أن غالبيتهم من غير المحازبين أو أولئك الذين ساهموا بإيصال من هم في السلطة اليوم إليها باندفاع غرائزي في كل الانتخابات الممتدة من 2005 إلى 2018، ثم ندموا على “فعلتهم”، إلا أنه يبقى أن للأحزاب قواعدها الشعبية التي من غير الممكن قياس عددها في ظل الظروف الراهنة، ناهيك عن حالة تفلت من الأحزاب والعصبيات على أنواعها.

لقد كسرت كل المحظورات اليوم، ولم يعد هناك من خيمة على رأس أحد ولا هيبة لأي زعيم عند أي جماعة. باختصار، ان أي “تابو” قد سقط

ما الحل إذاً؟

يبدو أن نظرية “أنا أو الفوضى” لم تعد تخيف اللبنانيين اليوم. إذا كانت ساحتا الشهداء ورياض الصلح قد اعتادتا المشاهد الاحتجاجية، فإنّ صور والنبطية، وصيدا وطرابلس وعكار وبرجا، وجونية والمتن وجل الديب شكلوا المفاجأة الأكبر: مفاجأة فحواها أن الشعب، وإن طال سكوته، إلا أنّه مدرك وواعٍ لحجم الكذب والنفاق والاستغلال من قبل زعمائه. لقد كسرت كل المحظورات اليوم، ولم يعد هناك من خيمة على رأس أحد ولا هيبة لأي زعيم عند أي جماعة. باختصار، ان أي “تابو” قد سقط.

من هنا، يأمل جزء كبير من اللبنانيين اليوم ان يكون الحراك نواة الانتقال إلى تلك اللحظة التاريخية التي تنهار فيها دعائم النظام الطائفي في السياسة والأمن والوظيفة العامة والأحوال الشخصية، ويصبح لبنان دولة مدنية يحكمها قانون موحّد عصري.

إنّ الوصول إلى تلك اللحظة المدنية التاريخية يستدعي حتماً تغيير النظام. تغييره وليس اسقاطه. تغييره عبر الإبقاء على طبيعته كنظام ديمقراطي برلماني حر والتخلص من الطائفية السياسية. هذه الثورة اليوم خطوة في هذا الاتجاه. إلا أنه من غير الممكن فعليا بلورة مشروع كهذا في الشارع. لكي ينجح هذا المشروع، لا بد وأن يحصل من خلال مؤسسات هي اليوم نفسها تلك التي يودّ الشارع اسقاطها. معضلة صعبة، لكنها غير مستحيلة. تحقيقها يتطلب شجاعة من هم في السلطة اليوم.

المبادرة إلى المحاسبة واسترداد الأموال العامة عبر الطلب إلى إحدى الشركات العالمية المتخصصة في هذا المجال القيام بتحديد وملاحقة الأصول

يعني ذلك أنّ على السلطة الحاكمة اليوم أن تتلقّف الرسالة جيدا وأن تقوم هي بتأمين انتقال سلس وسلمي إلى الدولة التي يطالب بها الشعب. يمكن لذلك أن يتحقق عبر التالي:

  • الانتقال من حكومة وحدة وطنية إلى حكومة مصغرة تتولى الحكم، ومعارضة تحاسبها في المجلس النيابي.
  • تقسم الحقائب الوزارية ما بين “سيادية” (بمعنى أنها مرتبطة بسيادة الدولة وحماية أمنها وحدودها، منها الدفاع والداخلية والخارجية) يتولاها أشخاص من رحم المؤسسات يتم التوافق على أسمائهم، وحقائب خدماتية (تكون من ضمنها وزارة المالية والإتصالات) يتولاها فريق من التكنوقراط من غير الحزبيين يوافق عليهم الحراك وتؤمن لهم السلطة إمكانية القيام بواجباتهم من دون أي تدخل من قبلها، ويشكل إختيارهم صدمة إيجابية للشارع اللبناني وللخارج.
  • تكلف لجنة مصغرة من ضمن مجلس الوزراء المصغّر بصياغة إصلاحات اقتصادية خلال مهلة 45 يوما تكون قابلة للتطبيق، لا يكون فيها أي بند ضرائبي يمتد إلى جيب المواطن بل تنطلق من مكامن الفساد والهدر الحقيقيين من كهرباء وجمارك وأملاك بحرية وصناديق مستقلة وجمعيات وهمية ولجان ومستشارين.
  • المبادرة إلى المحاسبة واسترداد الأموال العامة عبر الطلب إلى إحدى الشركات العالمية المتخصصة في هذا المجال القيام بتحديد وملاحقة الأصول (asset tracing) لا سيما وأن عددا لا بأس منها يتواجد في حسابات خارجية أكان في بلدان أوروبية قائمة على مبدأ السرية المصرفية أو بلدان ما يسمى “أوف شور”، وغالباً ما تكون هذه الحسابات بأسماء أشخاص غير مالكيها الفعليين (nominee structure) وبالتالي لا يمكن تحديدها إلا بمساعدة شركات متخصصة في هذا المجال.
  • تشكيل لجنة قضائية من القضاة غير المحسوبين على أي من الأحزاب السياسية يكون هدفها التحقيق في الأملاك الموجودة داخل لبنان والحجز عليها إلى حين انتهاء التحقيق في أصل ومصدر الأصول التي استعملت في شرائها، على أن تتم إعادتها إلى الدولة اللبنانية في حال تبيّن أنّه قد تمّ تمويلها بأصول غير شرعية.
  • إصلاحات فورية في الإدارات والمؤسسات العامة عبر تنحي المسؤولين الإداريين الذين تدور حولهم الشبهات واستبدالهم بأشخاص من أصحاب الكفاءة والكف النظيف.
  • بالتزامن؛ على المصارف وهي التي كانت أكبر المستفيدين من الهندسات المالية على مدى السنوات المنصرمة، أن تسهم، إن لم يكن طوعاً فإلزاماً، بتخفيض نسبة الدين العام عبر القبول باستبدال السندات اللبنانية الحالية بسندات ذات أجل لاحق وبفوائد مخفّضة، وكذلك بفرض ضريبة تكون منطقية على أرباحها بما في ذلك أي أرباح لم يجر بعد توزيعها.

إنّ لبنان اليوم أمام لحظة تاريخية في خضم حقبة هي نفسها مفصلية يمر بها محيطه العربي. مما لا شك فيه أنّ رسالة الشارع إلى السلطة السياسية قد وصلت مدوية، وأنّه لا مكان للتراجع أو النظر إلى الوراء. لكن يبقى على هذه السلطة أن تتلقفها جيداً وأن تسهّل العبور إلى الدولة العصرية التي يحلم بها اللبنانيون بطريقة سلسة وسلمية. كذلك، تقع على الحراك مسؤولية جمة: أن يبرهن أنّه قادر على بلورة مشروع واضح وتنفيذه، دون الانزلاق إلى فخ المحاصصات فيما بين تياراته المتفرقة، ومع قدرة معقولة على تحييد لبنان عما يجري حوله في المنطقة.

إما هذا، أو على لبنان السلام.

(*) مواطنة لبنانية

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download