حين تتبدّل الفصول على نحوٍ مربك، وتتعاقب موجات الحر والجفاف والفيضانات كأنها أخبارٌ متتابعة من مكان واحد، يتقدّم “الأمن المائي والمناخي” من صفحات التقارير المتخصصة إلى قلب السياسة، ومن لغة التخطيط إلى لغة الشارع. هناك، في المسافة بين سدٍّ ينخفض منسوبه وحيٍّ ترتفع فيه فاتورة المياه، تولد توترات لا تحتاج كثيراً لتصبح صراعاً، ولا تحتاج كثيراً أيضاً لتصبح احتجاجاً.
وها هو الذكاء الإصطناعي يطرح تحديات غير مسبوقة في عالم يواجه أصلاً أزمة مناخية متفاقمة، فتخزين البيانات يحتاج إلى المياه لتبريد الخوادم، وثمة تقديرات أنه مع مع توسّع استخدام الـAI، يُتوقّع أن يصل استهلاك المياه المرتبط بالذكاء الاصطناعي إلى 6.6 مليارات متر مكعّب بحلول العام 2027، أي ما يعادل استهلاك دول بأكملها من المياه سنوياً.
في العادة، تفضل الدول أنْ تتعامل مع الأزمات على أنها أحداث منفصلة، موجة جفاف تُدار بإجراءات طوارئ، فيضان يُواجه بتعويضات، موسم حرائق يُحاصر بفرق الإطفاء. لكن ما يتضح شيئاً فشيئاً هو أنّ المناخ لم يعد يقدّم “حادثاً” يمكن تجاوزه، بل يقدّم نمطاً يضغط على البنى الأساسية ويكشف هشاشتها. حين تقلّ الأمطار في حوضٍ نهري، لا يتأثر المزارع وحده؛ تتأثر أسعار الغذاء، وتتأثر الكهرباء إذا كانت السدود مصدرها، وتتأثر فرص العمل حين تتراجع الزراعة والصناعة المرتبطة بها، ثم تتأثر شرعية الإدارة العامة حين يبدو أنّ الدولة لا تستطيع تقديم أبسط الخدمات. وهكذا، تتحول أزمة “تقنية” في توزيع الموارد إلى أزمة ثقة، ثم إلى سؤال سياسي، ثم إلى مادة خام للاحتجاج.
الماء، بخلاف كثير من الموارد، لا يملك ترف الانتظار. يمكن للناس أنْ يؤجلوا شراء سيارة أو تجديد منزل، لكنهم لا يستطيعون تأجيل الشرب، ولا تستطيع مدينة تأجيل الصرف الصحي، ولا تستطيع مستشفى أنْ تعيش على “ترشيد” يتجاوز حدّاً معيناً. لذلك فإن الأمن المائي يملك قدرة خاصة على تحريك المجتمعات بسرعة، وعلى خلق تحالفات غير متوقعة بين فئاتٍ لا يجمعها عادة مطلب واحد، سكان أحياءٍ فقيرة يدفعون الثمن الأعلى لانقطاع المياه، وطبقة وسطى ترى في تدهور الخدمات علامة على الانحدار، ومزارعون يواجهون خسائر وجودية، وشبابٌ يقرأون مستقبلهم في طوابير الصهاريج وحرائق الصيف. وما يربط هؤلاء ليس بالضرورة وعيٌ بيئيٌّ جديد، بل شعورٌ قديم بغياب العدالة، يُعاد إنتاجه هنا بلغة العطش والحر.
في كثير من الأماكن، لا يبدأ الاحتجاج حين ينعدم الماء تماماً، بل حين يصبح توزيعه دليلاً صارخاً على التفاوت. عندما تصل المياه إلى بعض الأحياء لساعاتٍ أطول، أو حين تتوافر لمشروعات كبرى فيما تُغلق حنفيات المنازل، أو حين تُرفع التسعيرة بطريقة تبدو معقولة على الورق لكنها قاسية في الواقع، يصبح الماء مرآةً للسلطة، من يقرر؟ من يحصل؟ ومن يدفع؟ حتى القرارات التي تُقدَّم بوصفها “إصلاحاً” قد تتحول إلى فتيل، لأن الإصلاح في اقتصادٍ مرهق قد يعني عملياً نقل الكلفة من الدولة إلى الأفراد، ومن الموازنات العامة إلى الجيوب الخاصة. ومع كل يومٍ حارٍّ إضافي، تتسع مساحة الغضب لأن الزمن نفسه يبدو كأنه يعمل ضد الناس.
ثم هناك الجغرافيا التي لا ترحم، الأنهار التي تعبر الحدود، والأحواض الجوفية المشتركة، والبحيرات التي تتغذى من أمطارٍ لا تعترف بالخرائط السياسية. في هذه المساحات، لا يكون الصراع فقط على “كمية” المياه، بل على السيادة والرمزية والأمن القومي. سدٌّ يُبنى في أعلى نهر قد يُقرأ في أسفله كتهديدٍ وجودي، حتى لو قُدّم بوصفه مشروع تنمية (نموذج سد النهضة وأثره على شعوب حوض النيل). والاتفاقات التي وُقّعت في عقودٍ سابقة على أساس مناخٍ أكثر استقراراً تبدو اليوم كأنها وثائق من عصر آخر؛ لأن المعادلة التي افترضت “مياهاً كافية للجميع” لم تعد مضمونة. حين يقلّ المورد، يصبح كل متر مكعب موضوع تفاوض، وكل موسم مطري موضوع قلق، وتصبح السياسة الداخلية أكثر حساسية لأي تنازل خارجي، لأن الجمهور الذي يواجه تقنيناً في بيته لن يتقبل بسهولة أنْ يسمع عن “تفاهمات” لا يرى أثرها في كوبه.
لكن الأمن المائي والمناخي لا يُنتج الصراع على المستوى الدولي فقط؛ إنه يعيد تشكيل الصراع داخل الدولة الواحدة أيضاً. في المدن الكبرى، تتنافس القطاعات على المياه كما تتنافس على الكهرباء، الزراعة تريد حصتها لتستمر، الصناعة تريد استقراراً لتخطيط الإنتاج، المدن تريد ماءً للشرب والخدمات، والبيئة تحتاج حدّاً أدنى كي لا تنهار الأنظمة الطبيعية التي تتكئ عليها حياة الناس أصلاً. وفي لحظة شحّ، تصبح المفاضلة بين هذه المصالح مفخخة سياسياً. إذا فضّلت الدولة الزراعة، اتهمتها المدن بتجاهل سكانها. وإذا فضّلت المدن، اتهمها الريف بقتل مصدر رزقه. وإذا رفعت الأسعار لتقليل الهدر، اتهمها الناس بأنها تعاقب الفقراء على فشل التخطيط. وإذا تأخرت في القرار، اتهمها الجميع بالعجز.
الأمن المائي والمناخي ليس مجرد “خطر جديد” يضاف إلى قائمة المخاطر. إنه إطارٌ يربط بين الأشياء التي اعتدنا فصلها، الاقتصاد بالصحة، الزراعة بالسيادة، التخطيط بالعدالة، البنية التحتية بالسياسة. ومن يظن أنّ الصراع القادم سيكون فقط على الحدود أو الأيديولوجيا قد يفوته أنّ الصراع الأكثر حضوراً قد يدور حول شيء أبسط بكثير: من يملك حق الوصول إلى الحياة اليومية نفسها، في عالمٍ أصبحت فيه شروط تلك الحياة أقل ضماناً وأكثر تفاوضاً
المناخ يضيف إلى هذا المشهد طبقة أخرى من التوتر لأنه يجعل “التوقع” أصعب. الحكومات تحب أنْ تبني سياساتها على أرقام مستقرة: متوسط هطول، مخزون متوقع، نمو سكاني معروف. لكن عندما تتقلب الأمطار بعنف، وتضرب العواصف في غير موسمها، وتتكرر موجات الحر على نحوٍ غير مسبوق، يصبح التخطيط أشبه بالسير في ضباب كثيف. هذا الضباب يخلق فرصة للاتهام المتبادل، السلطة تقول إنّ الظروف عالمية وخارجة عن السيطرة، والمعارضة تقول إنّ الظروف كانت معروفة وإنّ الفشل محلي. وبين القولين يقف المواطن وهو يرى أنّ حياته اليومية تزداد كلفةً وهشاشة. وفي المجتمعات التي تآكلت فيها الثقة أصلاً، لا تُقرأ الأزمة كقدر، بل كفضيحة.
حتى اللغة تغيرت. لم يعد الاحتجاج بالضرورة يحمل شعاراً بيئياً مباشراً؛ قد يخرج الناس بسبب انقطاع الماء، أو بسبب تلوثه، أو بسبب ارتفاع أسعار الغذاء، أو بسبب انقطاع الكهرباء المتكرر في موجة حر، لكن الخيط الذي يربط هذه المطالب قد يكون مناخياً في العمق. وحين تتراكم الأزمات، يصبح “المناخ” كلمة جامعة لتجربة العجز، عجز الفرد أمام الطبيعة المتغيرة، وعجز الدولة أمام بنية تحتية متهالكة، وعجز السياسة أمام حسابات قصيرة الأمد. في هذه النقطة تحديداً، يصبح الأمن المائي والمناخي محركاً للاحتجاج ليس لأنه قضية واحدة، بل لأنه يضغط على كل القضايا الأخرى في الوقت نفسه.
هناك أيضاً ما يمكن تسميته “اقتصاد الكارثة” الذي يزدهر على هامش الشحّ. عندما تتراجع الخدمات العامة، تظهر شبكات خاصة، صهاريج، فلاتر، حلول منزلية، مولدات، وسماسرة. بعضها ضروري لسدّ فراغ الدولة، لكنه يصبح أيضاً مصدراً لإعادة إنتاج اللامساواة. من يدفع يحصل على ماء أنقى وكهرباء أكثر واستقراراً أكبر، ومن لا يدفع يبقى رهينة الانقطاع والتلوث والمرض. ومع الوقت، لا تعود المشكلة فقط في قلة الموارد، بل في أنّ الأزمة أصبحت سوقاً، والسوق لا يعد بالعدالة. وحين يشعر الناس أنّ هناك من يربح من عطشهم، يصبح الغضب أكثر حدّة، لأن المسألة تتحول من “نقص” إلى “استغلال”.
المشهد الأكثر قسوة يظهر حين يصبح النزوح خياراً عقلانياً. ليس كل نزوحٍ دراميّاً كما تصوره نشرات الأخبار؛ قد يبدأ تدريجياً، مزارع يترك أرضه لأن المياه لم تعد تكفي، أسرة تنتقل من قرية إلى مدينة بحثاً عن عمل بعد موسم فاشل، مدينة ساحلية تفقد أجزاء من اقتصادها بسبب تآكل الشاطئ أو تملّح المياه الجوفية. لكن تراكم هذه الحركات يخلق ضغطاً اجتماعياً، المدن تستقبل أكثر مما تستطيع، الخدمات تتدهور، المنافسة على الوظائف والسكن تشتد، والخطاب السياسي يبحث عن “مسؤول” واضح. في مثل هذه الظروف، يصبح من السهل على بعض القوى أنْ تحوّل أزمة المناخ إلى أزمة هوية، الغرباء هم المشكلة، القادمون هم العبء، بينما السبب الحقيقي أكثر تعقيداً وأقل قابلية للاختزال.
ومع ذلك، ليس قدراً أنْ يتحول الأمن المائي والمناخي إلى صراعٍ دائم. ما يحدد الاتجاه في الغالب هو نوع الحوكمة لا حجم الأزمة وحده. البلدان التي تبني مؤسسات شفافة لإدارة المياه، وتنشر بياناتها، وتُشرك المجتمعات في القرار، وتستثمر في تقليل الفاقد وإصلاح الشبكات، وتضع أولويات واضحة للعدالة، تستطيع أنْ تخفف من حدة الاحتجاج أو على الأقل أنْ تمنحه مساراً تفاوضياً أقل انفجاراً. أما حين يُدار الماء بمنطق الغموض والمحسوبية وردّ الفعل، فإن كل موجة جفاف تصبح اختباراً للشرعية، وكل فيضان يصبح تهمة، وكل فاتورة مرتفعة تصبح بياناً سياسياً غير مكتوب.
والأهم أنّ الحلول التقنية وحدها لا تكفي إذا لم تُرفق بإجابة أخلاقية، من يتحمل الكلفة؟ من يُحمى أولاً؟ من يحصل على التعويض حين يخسر موسماً أو بيتاً أو صحة؟ لأن المناخ، في النهاية، لا يوزع الأذى بالتساوي. الفقراء غالباً يسكنون في أماكن أكثر عرضة للخطر، ويعتمدون على مصادر رزق أكثر حساسية للطقس، ويملكون قدرة أقل على التأمين أو الانتقال أو شراء الحلول. لذلك فإن أي سياسة للماء والمناخ تُصاغ دون مركز واضح للعدالة ستبدو، مهما كانت “علمية”، كأنها انحيازٌ لصالح من يملك القدرة على النجاة.
ما يحدث الآن أنّ السياسة تُعاد كتابتها ببطء حول عنصرين يبدوان، للوهلة الأولى، خارج السياسة، المطر والحرارة. لكنهما لم يكونا خارجها أبداً؛ نحن فقط كنا نعيش زمناً سمح لنا بأن ننسى. حين يصبح الماء أقل، يصبح السؤال أكثر: كيف تُدار الدولة؟ من تُخاطب؟ من تُنقذ؟ وعندما يزداد الحر، تصبح المدينة امتحاناً لخيالها، هل تستطيع أن تكون قابلة للعيش، أم أنها ستتحول إلى آلة تُرهق ساكنيها؟ في هذا الامتحان، الاحتجاج ليس انحرافاً، بل لغة مجتمع يحاول أنْ يُسمِع نفسه في وجه أزمةٍ لا تملك مكبر صوت إلا حين تصل إلى حنفية جافة أو شارعٍ مغمور أو سماءٍ تحترق.
وفي النهاية، الأمن المائي والمناخي ليس مجرد “خطر جديد” يضاف إلى قائمة المخاطر. إنه إطارٌ يربط بين الأشياء التي اعتدنا فصلها، الاقتصاد بالصحة، الزراعة بالسيادة، التخطيط بالعدالة، البنية التحتية بالسياسة. ومن يظن أنّ الصراع القادم سيكون فقط على الحدود أو الأيديولوجيا قد يفوته أنّ الصراع الأكثر حضوراً قد يدور حول شيء أبسط بكثير: من يملك حق الوصول إلى الحياة اليومية نفسها، في عالمٍ أصبحت فيه شروط تلك الحياة أقل ضماناً وأكثر تفاوضاً.
