هكذا تبرز إشكاليّات أساسيّة في تسمية هذه الآليّة. فمن يُطبّق العدالة وبأيّة آليّات؟ علماً أنّ “دولة القانون” تضعُفُ في فترات الصراع وما بعدها. وعلى من تُطبَّق العدالة؟ على الخاسرين وحدهم أم على جميع من ارتكبوا انتهاكات؟ وهل ثمّة انتقائيّة في تعريف الضحايا وفي توصيف ما تعرّضوا له؟ أهي الانتهاكات الجسديّة فقط، أم تشمل أيضاً الانتهاكات الاقتصاديّة والاجتماعيّة؟ أمّا تعبير “الانتقالية”، فيطرح بدوره سؤالاً جوهريّاً: الانتقال إلى ماذا؟ واللافت للانتباه، في مواجهة هذه الإشكاليّات، أنّ عدداً كبيراً من الآليّات التي أُدرجت ضمن إطار “العدالة الانتقالية” اختار تسميات بديلة، على غرار “لجنة الحقيقة والمصالحة” في جنوب إفريقيا، تفادياً لحمولة المفهوم وإشكالاته.
وبالتالي، لا بدّ من التوضيح أنّ مفهوم “العدالة الانتقاليّة”، مهما اختلفت تسميات آليّاته، يتعارض جوهريّاً مع مفهوم “العدالة الثوريّة”، التي تُشرعن تصرّفات عشوائيّة لـ”المنتصِر” بذريعة تمثيله لـ”ثورة” ما انتصرت. إذ إنّ أسمى ما منح الثورة الفرنسيّة معناها التاريخي كان إعلان حقوق الإنسان والمواطنة الذي صاغته، لكنّها فقدت جوهرها الثوري والإنساني عندما أطلق “الثوريّون” ما عُرف لاحقاً بـ”الإرهاب”، حيث جرت إعدامات جماعيّة بالمقصلة. ثمّ ما لبث أن انقلب العنف على صانعيه أنفسهم، مع تصفية الثوريّين بعضهم لبعض (روبسبيير الذي أرسل دانتون إلى المقصلة)، لتُفتَح الطريق مجدّداً أمام عهود استبداد وأباطرة وملوك وحروب.
ومع صعوبات تحقيق عدالة قانونيّة شاملة بعد الصراعات، وهي عدالة يُفترَض بها أصلاً ترسيخ السلام وتجنّب تجدّد النزاعات، تبرُز “الحقيقة” بوصفها محوراً أساسيّاً. إذ إنّها السبيل إلى التئام الجراح التي خلّفتها جرائم القتل والتعذيب والاختفاء القسري، وكذلك الاعتداءات على النساء، سواء لمن عانوا منها مباشرة أو لذويهم، بما يحول دون سيادة منطق الانتقام وعشوائيّته. لذلك يتضمّن محور “الحقيقة” أبعاداً نفسيّة واجتماعيّة، كما لا يقتصِر على الانتهاكات الجسديّة وحدها، بل يشمل أيضاً التعدّيات على الأرزاق وسبل العيش والملكيّات.
لكن هنا أيضاً، يُمكِن لـ”المنتصِر” أن يتلاعب بالحقيقة، عبر الآليّات التي يضعها لـ”العدالة الانتقالية”، وكذلك من خلال الإعلام والمناهج الدراسيّة، بما يسمح بإبراز أجزاء من الحقيقة وإخفاء أخرى، أو بتوظيف هذه الأجزاء لخدمة مصالحه وفرض سيطرته. كما أنّ التركيز على انتهاكات ومظالم مرحلة الصراع قد يُستخدَم للتغطية على انتهاكات ومظالم تُرتكَب بعد “الانتصار”.
وفي الواقع، لا معنى للبحث عن الحقيقة ضمن عدالة انتقاليّة تهدف إلى سلام مستدام، ما لم تُعتمَد آليّات جادّة تعمل على طيّ صفحة الماضي “المرير” بما حمله من انتهاكات ومظالم فرديّة وجماعيّة، وذلك عبر الحوارات المجتمعيّة لا التهييج الإعلامي، وعبر جبر الأضرار والتعويض، المعنوي والمادّي.
تحدي المصالحة الاجتماعية
المحور الآخر هو المصالحة. مصالحة بين ضحايا ومنتهِكين، يمكن أن يلعب القضاء دوراً فيها، أو تُدار عبر أجسام خاصّة يتمّ تصميمها خصّيصاً وتشارك فيها فعاليّات يحترمها المجتمع. وذلك خصوصاً في مجتمعات نادراً ما يُلجأ فيها إلى القضاء، ليس فقط في البيئات القبليّة أو الريفيّة، بل أيضاً في نزاعات كبار التجّار الذين يفضّلون التحكيم على التقاضي، تجنّباً لضعف المؤسّسات القضائيّة وبطء عملها عند تراكُم القضايا، فضلاً عن الفساد. في هذه الحالات، تُحال إلى القضاء فقط القضايا الكبرى، سواء تعلّق الأمر بمجرمين كبار أو بـ”أمراء حرب” استغلّوا فترات الصراع لتحقيق مكاسب واسعة على حساب مجموع المواطنين، لما في انتهاكاتهم من حساسيّة خاصّة لدى المجتمع. وعليه، تنقلب “العدالة الانتقالية” رأساً على عقب حين يُحاكَم صغار المنتهِكين قضائيّاً، بينما تُعقَد تسويات أو يُمنَح العفو لكبار المنتهِكين، ولا سيّما إذا جرت هذه التسويات دون شفافيّة، أي دون كشف الحقيقة عمّا جرى خلال الصراع وما بعده.
والمصالحة لا تقتصر على الأفراد، بل تشمل أيضاً المجموعات الاجتماعيّة التي ترى أنّ لها مظالم جماعيّة، وتعتبر مجموعات أخرى، لا أفراداً بعينهم، مسؤولة عنها بوصفها “الظالمة”. وربّما لا يكون الأمر مصالحة بالمعنى الضيّق، بقدر ما هو استعادة وعي جماعي بالمواطنة المشتركة وبالمساواة الكاملة فيها، والتعرّف على الخلفيّات الثقافيّة والتاريخيّة لكلّ فئة مجتمعيّة، إذ يؤدّي الجهل المتبادل دوراً رئيسيّاً في توتير الصراعات. كما يشمل إيجاد حلول لخلافات اقتصاديّة واجتماعيّة على المستوى المحلّي، بين أحياء أو قرى متجاورة. وفي هذا السياق، تبرز أهميّة كبرى لإعادة إحياء الذاكرة الجمعيّة المشتركة في مواجهة التناقضات الشكليّة، وإبراز أدوار وفعاليّات داخل مختلف فئات المجتمع ساهمت تاريخيّاً في صنع ما هو مشترك عبر نضالاتها وجهودها.
بالتالي، لا يُمكن لـ”المصالحة الاجتماعيّة” أن تظهر في محصّلتها كنوع من انتصار فئة اجتماعيّة على أخرى، أو كاستبدال مظالم سابقة بمظالم جديدة.
وفي الواقع، تُعَدّ “المصالحة الاجتماعيّة” من أكبر تحدّيات “العدالة الانتقالية”، إذ إنّها تستهدف الوعي الجمعي بكلّ ما يحمله من موروثات، وبما يُمارَس عليه من تلاعب عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، بهدف تمزيق المجتمع وإخضاعه. ويزداد هذا التحدّي في المجتمعات التي لم تنجح الدولة الوطنيّة فيها في صهر الهويّات الاجتماعيّة ضمن هويّة المواطنة، كما في لبنان وسوريا في منطقتنا العربيّة (وكما في إسبانيا في أوروبا). في هذه الحالات، يجري التلاعب بمفاهيم الأكثريّة والأقليّات، وبطوائف مفترضة، وبإثنيّات وخصوصيّات، والغاية النهائيّة واحدة: “فرِّق تسُد”، سواء من سلطات قائمة أو من دول خارجيّة تسعى إلى التدخّل وتأجيج الصراعات.
“المصالحة الاجتماعيّة” هي استعادة الثقة بأنّ المجتمع واحد، وبأنّ المصير مشترك: ثقة المجتمع بنفسه، وبجميع أطيافه، وبين مختلف مناطقه. لكنّها، في جوهرها، استعادة الثقة بالدولة بوصفها نتاج عقد اجتماعي جامع يعمل لخدمة المجتمع ككلّ، لا كملكيّة حصريّة لسلطة أو فئة.
فغاية العدالة الانتقالية هي الانتقال نحو الدولة: الدولة بوصفها مؤسّسة عادلة ومحايدة تجاه جميع مواطنيها، والمؤسّسة التي تحمي أمنهم من التهديدات الخارجيّة كما من الصراعات الداخليّة. لذلك لا يمكن أن تكون الدولة حكراً على حزب واحد أو فكر واحد أو سلطة مهيمنة واحدة. ولا معنى لإفراغ العدالة الانتقالية من مرتكزاتها في الحقيقة والمصالحة، واستخدامها أداة للتلاعب بأمل الانتقال نحو الدولة العادلة.
ليست العدالة الانتقالية سوى مفهوم وآليّات، أمّا الجوهر فهو المجتمع كلّه. ولا فائدة من توحيد الأرض شكليّاً تحت سلطة واحدة إذا بقي المجتمع متشرذماً، وبقيت المظالم كامنةً، تهدّد المستقبل وتعيد إنتاج الصراع.
