العقد الاجتماعي Archives - 180Post

800-27.jpg

لكل انتقالٍ تاريخي لحظةٌ يبدأ فيها المستقبل بطرح أسئلته قبل أن ينتهي الماضي من تقديم أجوبته. عندها لا يكفي فهم أسباب التعثر، بل يصبح التحدي بناء الطريق إلى ما بعده. ويبدو أن لبنان، بعد قرنٍ من الأزمات، قد بلغ هذه اللحظة التي لم يعد فيها إصلاح الدولة كافيًا، بل غدا التفكير في إعادة تأسيسها ضرورة وطنية.

800-15.jpg

تكشف التجارب التاريخية أن الحروب لا تنتهي بالضرورة عندما تصمت المدافع. فكثيراً ما تغادر المعارك ساحات المواجهة العسكرية لتستقر داخل المجتمعات والدول نفسها، حيث تعود الصراعات بأشكال أكثر تعقيداً تتصل بالسلطة والهوية والاقتصاد وتوزيع النفوذ. وما أن تتراجع حدة المواجهة الخارجية حتى تطفو على السطح التناقضات الداخلية التي كانت الحرب تؤجل انفجارها.

800.jpg

في تاريخ لبنان الحديث لم يكن النقص يومًا في عدد الزعماء؛ فقد تعاقبت زعامات سياسية وطائفية وحزبية استقطبت الجماهير، وخاضت الصراعات، وأدارت الحروب والتسويات. غير أن وفرة الزعامات لم تُنتج وفرةً في رجال الدولة، ولذلك لم تكن الأزمات المتكررة ثمرة غياب الزعماء، بقدر ما كانت نتيجة ندرة رجال الدولة القادرين على الارتقاء بالمصلحة الوطنية فوق المصالح الجزئية، وصياغة أفق وطني جامع يجعل الدولة المرجعية العليا التي تنتظم في إطارها جميع الولاءات والانتماءات.

810-1.jpg

في حياة الأمم لحظات تكشف فيها الأزمات حدود السياسة اليومية وتعيد طرح الأسئلة التأسيسية المتعلقة بمعنى الجماعة ومصيرها. ففي مثل هذه اللحظات لا يعود الخلاف حول الحكومات والتحالفات وموازين القوى هو القضية الأهم، بل يصبح السؤال: ما المرجعية التي تمنح الدولة شرعيتها وقدرتها على الاستمرار؟

764.jpg

لم يعد أمراً خافياً أن لبنان يعيش انقسامات حادة شتى، تعبّر عن تاريخ من التراكمات والصراعات والحروب والعصبيات والمصالح والفئات. لكنها أيضاً تعبّر عن غياب الإطار الانتمائي الذي عُرف بالدولة الحديثة أو الدولة الوطنية، والذي تطور توصيف دوره وأدواته إلى أن أصبح دولة المؤسسات والقانون ذات الطبيعة الرعائية، قبل ولوجنا انفجارات المرحلة الحالية – في العالم ولبنان ضمناً – التي تعكس تحوّلات جذرية في كل هذه الأطر والأبعاد.

790.jpg

مع البيان اللبناني الإسرائيلي الذي صدر برعاية أميركية، فجر الخميس الماضي، سواء حول ما يُسمى "وقف النار" أو ما تضمنه من بنود أخرى أبرزها انهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، يزداد الوضع الداخلي تأزماً، في ظل تقديرات متباينة حول ما إذا كان هذا المسار من شأنه أن يضع لبنان، في المستقبل القريب، على سكة شبيهة بسكة السابع عشر من أيار/مايو 1983.

801-5.jpg

بلغنا في لبنان أدنى دَرَكٍ. الحقيقة هنا جارفة وجارحة. أصبحنا نخشى الحديث عن الوَحدة الوطنية. كدنا نصل إلى شبهِ يقينٍ بأنها شبهُ مستحيلة. تلك هي الكارثة التي لا يعترف بها، ويعلن عنها إلَّا قليلون. وتلك هي التي يجب أن تكون محور حياتنا كي لا تتحوَّل إلى عبارة جوفاء، وقالبٍ لفظيٍّ مَيْتٍ، وشعار اِستلابيٍّ يُستدعى للاستهلاكِ في المناسبات والتصريحات. كلمات مُحنَّطة أمستْ تُستخدَمُ للتكاذُبِ الطائفي المتبادل، ولسدِّ فراغٍ سياسيٍّ وجوديٍّ وإنسانيّ.

800-11.jpg

ليس لبنان دولة فاشلة بالمعنى التقليدي، بل كيان لم ينجح في إنتاج المعنى الذي يجعل الدولة ممكنة أصلًا. فالأزمة التي يعيشها لا تختزل في الفساد أو سوء الإدارة أو اختلال التوازنات، بل تكمن في الشروط التي يقوم عليها الاجتماع السياسي ذاته، حيث يغيب المعنى الذي يوحّد الأفراد داخل إطار جامع. من هنا، لا يعود السؤال كيف نُصلح النظام، بل ما إذا كان قابلًا للإصلاح، أم أن المطلوب هو إعادة تأسيس الدولة عبر بناء عقد اجتماعي جامع يقوم على معنى مشترك يسبق الجماعات ويتجاوزها جميعًا.

796.png

نشأ مفهوم العدالة الانتقالية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتطوّر بعد ذلك مع تتابع الصراعات الأهليّة والتحوّلات العالميّة. ثمّ تمّ تثبيته من قبل الأمم المتحدة التي وضعته ضمن سياق الهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة: "السلام والعدل والمؤسسات القويّة". إلاّ أنّ هذا المفهوم ينطوي في جوهره على إشكاليّات عميقة، ترتبط بسياقات الصراعات والانتهاكات المحليّة، ما نقل مقارباته من إطار قانوني صرف إلى أبعاد متداخلة قانونيّة واجتماعيّة وسياسيّة، وكذلك نفسيّة على المستويين الفردي والمجتمعي.