“أبا الصادق” رأسٌ جديدٌ في “البيت الشيعي”!

تظهر "ديانة أحمدية السلام والنور" حركةً دينية مهدوية حديثة التكوين ذات جذور في التشيّع الإمامي، تشكّلت داخل فضاء اجتماعي وسياسي متحوّل شهد تصاعد أسئلة الشرعية والتمثيل والعدالة. هذا السياق أتاح ولادة خطاب خلاصي كثيف يعيد ترتيب العلاقة بين النص والقيادة والجماعة، ويمنح الوعد المهدوي وظيفة تنظيمية ومعنوية تتجاوز البعد العقدي الخالص.

يقود الحركة عبدالله هاشم أبو الصادق، ويقدَّم داخل خطابها بوصفه حامل الوصاية وممثّل القائم في الزمن الراهن. تُبنى الزعامة على كاريزما خطابية عالية الإيقاع، وعلى لغة نبوئية مباشرة تُحيل إلى مفردات البيعة والراية وحاكمية الله، وتضع القائد في مركز إنتاج المعنى وتفسير التاريخ وتوجيه السلوك. هذه المركزية تمنح الجماعة بنية متماسكة وهوية مكتملة الحدود، وتخلق علاقة طاعة قائمة على اليقين والاصطفاء.

تقوم الأفكار الأساسية للجماعة على قراءة حرفية وتأويلية لمفهوم الوصية وسلسلة الأوصياء، مع إعادة تفعيل المهدوية بوصفها حدثًا حاضرًا. يظهر في خطابها توسّع رمزي يتجاوز الفقه الكلامي المألوف، حيث تتجاور عناصر باطنية وسرديات كونية مع تأكيد على زمن خلاص قريب. هذا البناء ينتج تصورًا شاملًا للعالم، ويمنح الأتباع قاموسًا عاطفيًا كثيفًا يوفّر إحساسًا بالتماسك والاستقرار الرمزي.

يتّخذ التواجد الجغرافي شكل طبقات متراكبة. ثمّة حضور رقمي واسع عبر منصّات التواصل يشكّل الواجهة الأبرز للحركة، يقابله انتشار بشري متفرّق في العراق ولبنان وإيران واليمن ومناطق من شمال أفريقيا، إضافة إلى جماعات ناشطة في أوروبا وأستراليا وأميركا الشمالية. في أوروبا، ولا سيّما في بريطانيا، يتبلور مركز تنظيمي واضح يُدار منه الإنتاج الإعلامي والتواصل مع الأتباع في مناطق متعددة. هذا النمط العابر للجغرافيا يعكس تحوّل التدين المعاصر نحو الشبكات والمنصّات الرقمية.

يُفهم الحجم العددي للجماعة ضمن نطاق محدود نسبيًا قياسًا بالجماعات الكبرى، مع أثر رمزي وإعلامي يفوق الوزن العددي. الفضاء الرقمي يضاعف الحضور، ويحوّل التفاعل والمشاهدة إلى قوة تأثير تتجاوز التجمع الفيزيائي. هنا تعمل الحركة وفق منطق الكثافة الرمزية، حيث تكفي قاعدة صغيرة متماسكة لإنتاج ضجيج واسع في حقل المعنى.

بعد هذا التعريف، يبرز التحليل السياسي بوصفه مدخلًا لفهم الوظيفة الأوسع للحركة. بروز رأس قيادي جديد داخل البيت الشيعي يعني تحوّلًا في سوق الشرعية ذاتها. الخطاب المهدوي المعاصر ينافس المرجعيات التقليدية في مجال تفسير الزمن والحدث، ويقترح نموذج طاعة قائمًا على الكاريزما المباشرة واليقين السريع. هذه المنافسة تجري في حقل الرموز قبل التنظيم، وتُنتج إرباكًا معرفيًا يعيد توزيع الثقة والشك داخل الجماعات الشيعية.

القابلية للتوظيف السياسي تنبع من طبيعة الخطاب ذاته. كل سردية خلاصية حادّة تُعيد تعريف الشرعية وتطرح بديلًا راهنًا وتفتح المجال أمام الاستثمار غير المباشر ضمن صراعات النفوذ. يتجلّى هذا الاستثمار عبر تضخيم إعلامي انتقائي، أو عبر تحويل الحركة إلى ملف أمني وإعلامي، أو عبر استخدام خطابها مادة تفكيك داخل بيئات مذهبية متعبة. في هذا المستوى يعمل الخطاب بوصفه فاعلًا سياسيًا قائمًا بذاته، حتى في غياب علاقة تنظيمية صريحة مع أي جهة.

المنصّات الرقمية تؤدي دور البنية التحتية لهذا المسار. المحتوى القصير، الصورة المكثّفة، واللغة العاطفية المباشرة تصنع جماعة متخيّلة عابرة للحدود، وتحوّل القائد إلى قطب كوني حاضر في شاشات متعددة. هذه الآلية تُنتج أثرًا مزدوجًا: داخليًا عبر إعادة تشكيل الولاء واليقين، وخارجيًا عبر توفير مادة جاهزة لإعادة رسم صورة التشيّع في الإعلام العام.

في المحصلة، تقدّم “أحمدية السلام والنور” نموذجًا لحركة مهدوية رقمية تتموضع بين جذور شيعية مأزومة، وقيادة كاريزمية عابرة للأقاليم، ومشهد سياسي إقليمي شديد الحساسية للانقسامات الرمزية. تعريفها يمر عبر أفكارها وبنيتها وانتشارها، وفهمها سياسيًا يمر عبر سؤال الوظيفة والتوظيف: كيف يتحوّل الوعد الخلاصي إلى قوة تفكيك رمزية، وكيف يغدو القائد رأسًا جديدًا يربك خرائط الطاعة الموروثة ويقترح طاعة سريعة الإيقاع، عالية العاطفة، واسعة الأثر.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  مشعل الأحمد ولياً لعهد نواف الأحمد
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  "ناتو إسلامي" جديد مقابل "الحلف الإبراهيمي"؟