اقتصاد الحرب في تل أبيب.. ما هو سر الصعود التاريخي في البورصة؟

سجّلت الأسواق المالية في إسرائيل، في صباح الثالث من آذار/مارس 2026، مشهداً صادماً للمنطق التقليدي؛ ففي الوقت الذي كانت فيه المؤشرات العالمية الكبرى تتراجع تحت وقع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، بلغت بورصة تل أبيب أعلى مستوى تاريخي لها. ولم يكن هذا التباين تفصيلاً عابراً، بل عكس ديناميكية متجذّرة في سلوك السوق الإسرائيلية، حيث تتحوّل الحرب – على عكس ما هو مألوف عالمياً – إلى محفّز مالي بدل أن تكون عاملاً كابحاً.

مع اندلاع الجولة الأخيرة من الصراع في 28 شباط/فبراير 2026، كان من المفترض أن يقود هذا التصعيد إلى ذعر شامل في الأسواق، وهو ما حصل فعلاً في معظم البورصات العالمية، حيث تراجعت الأسهم وقفزت أسعار النفط والذهب واندفع المستثمرون نحو الملاذات الآمنة. وحدها بورصة تل أبيب سلكت مساراً معاكساً، مع ارتفاعات قوية في المؤشرات الرئيسية وعمليات شراء كثيفة للأسهم القيادية.

هذا السلوك يعكس منطقاً استثمارياً خاصاً تشكّل عبر عقود من الصراعات المتكررة. فالمستثمر الإسرائيلي لا ينظر إلى الحرب باعتبارها نهاية مفتوحة، بل مرحلة مؤقتة تُفضي لاحقاً إلى بيئة أمنية مختلفة، وإنفاق حكومي ضخم، وطلب عالمي متزايد على المنتجات الدفاعية. من يشتري في ذروة الخوف، وفق هذا المنطق، يجني الأرباح عند عودة الهدوء النسبي.

بورصة تل ابيب بعد استهدافها بصواريخ ايرانية

التجربة الأوضح على هذا النمط تعود إلى ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. يومها انهارت السوق المالية الإسرائيلية بعنف عقب هجوم حركة “حماس” على غلاف غزة، في رد فعل طبيعي على الصدمة. لكن التعافي كان سريعاً وحاداً، إذ دخلت المؤشرات في مسار صاعد طويل مدفوعاً بالحرب نفسها. ومنذ منتصف 2024، ومع اتساع المواجهة إقليمياً، حققت السوق مكاسب كبيرة، ما رسّخ قناعة لدى المستثمرين بأن فترات التصعيد تحمل في طياتها فرصاً استثنائية.

القطاع الدفاعي كان المستفيد الأكبر. أَسْهم شركات السلاح والمكوّنات العسكرية حققت ارتفاعات، مدفوعة بزيادة الطلبيات الحكومية وتوسّع الطلب الخارجي. المثال الأكثر تطرفاً كان شركة صغيرة متخصصة في مكوّنات الذخيرة، قفزت قيمتها آلاف في المئة خلال عامين فقط، مع تضاعف أرباحها وإيراداتها بفعل الحرب. وبرغم تحذيرات إدارتها من أن هذا النمو مرتبط بمشاريع ظرفية وقد لا يكون مستداماً، واصل المستثمرون الرهان على استمرار الطلب العالمي على الذخائر.

في المقابل، بدت الشركات الدفاعية العملاقة أقل اندفاعاً في مكاسبها. السبب لا يعود إلى ضعف أدائها التشغيلي، بل إلى أن أسهمها كانت قد استفادت مسبقاً من موجات تسليح عالمية سابقة، خصوصاً منذ الحرب في أوكرانيا. بمعنى آخر، جزء كبير من “علاوة الحرب” كان مسعّراً سلفاً، ما حدّ من القفزات اللاحقة برغم تحسّن النتائج المالية وارتفاع دفاتر الطلبيات.

الطفرة لم تقتصر على الدفاع المباشر. شركات التكنولوجيا المرتبطة بالطائرات المسيّرة وأنظمة الاستشعار حققت بدورها مكاسب ضخمة، وانتقلت بعضُها من مؤشرات ثانوية إلى المؤشرات الرئيسية. إلى جانب ذلك، كان القطاع المصرفي شريكاً أساسياً في اقتصاد الحرب، مستفيداً من تمويل الإنفاق العسكري عبر شراء السندات الحكومية، ومن هوامش الفائدة المرتفعة ورسوم الوساطة. الدولة، التي ضخت مئات المليارات في المجهود الحربي، رفعت مستوى الدين العام، لكن البنوك خرجت رابحة من هذه الدورة.

أحد أبرز مؤشرات الثقة كان أداء العملة المحلية. الشيكل لم يضعف مع التصعيد، بل تعزّز بقوة أمام الدولار، مقترباً من مستويات تاريخية. هذا السلوك عكس قناعة الأسواق بأن الصراع لا يشكّل تهديداً وجودياً للاقتصاد، بل مناوشة كبرى يمكن احتواؤها. ساهم في ذلك تدفق الاستثمارات الأجنبية، وأرباح شركات التكنولوجيا التي تُحقّق بالدولار وتُحوَّل إلى العملة المحلية، إضافة إلى ديناميكية التحوّط التي تزيد الطلب على الشيكل كلما تعزّزت التوقعات الإيجابية حياله.

الأرقام تؤكد هذا الاتجاه، استثمارات أجنبية بمليارات الدولارات تدفقت إلى البورصة، وارتفعت حيازات المؤسسات الدولية، كما سجّل الاستثمار الأجنبي المباشر واحداً من أقوى مستوياته منذ سنوات. في نظر المستثمرين، لم تكن إسرائيل سوقاً يفرّ منها رأس المال زمن الحرب، بل ساحة يُعاد تسعيرها على أساس موازين قوة جديدة.

مع ذلك، لا يخلو هذا المشهد من تناقضات عميقة. فجزء كبير من النمو الاقتصادي المسجّل يعود إلى إنفاق دفاعي استثنائي، لا إلى توسّع إنتاجي حقيقي. عندما يُستثنى الإنفاق الحربي، تبدو الصورة أقل إشراقاً، مع ركود فعلي في نصيب الفرد من الناتج المحلي. الكلفة الإجمالية للحرب بلغت مستويات غير مسبوقة، ويُموَّل جزء كبير منها عبر الدين العام، ما يعني أعباء مؤجّلة على الأجيال المقبلة.

التحذيرات من استمرار النزاع حاضرة أيضاً. فحملة عسكرية طويلة قد تُضعف الاستهلاك وتضغط على الأسر والشركات، حتى لو دخل الاقتصاد المرحلة الحالية من موقع قوة نسبية. مؤسسات مالية دولية تشير إلى أن هذه الجولة تحمل مخاطر كلية أعلى من النزاعات السابقة، بسبب اتساعها الإقليمي واحتمال إطالتها.

ثمّة بعد أخلاقي لا يمكن تجاهله. الارتفاعات الصاروخية في أسهم شركات الذخيرة والمسيّرات ليست أرقاماً مجردة، بل ترتبط مباشرة بحروب حقيقية وضحايا فعليين. هنا تكمن المفارقة القاسية، المأساة الإنسانية تتحوّل إلى فرصة استثمارية، والدمار إلى أرباح، في اقتصاد يتغذّى على الصراع بدل أن يتعافى منه.

إقرأ على موقع 180  جمهورية الرقابة تُفكّرُ عنا في حجرنا "الإختياري"

خصوصية الحالة الإسرائيلية تعود إلى تركيبة سوقها، الأقل اعتماداً على الطاقة والأكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا والدفاع، وإلى الدعم الأميركي والثقة المؤسسية بوضعها الجيوسياسي. هذه العوامل عزلت السوق نسبياً عن صدمات الإقليم، في وقتٍ تتأرجح فيه الاقتصادات الأخرى مع كل اضطراب نفطي.

يبقى السؤال المفتوح: هل ما يجري اليوم تحوّل استراتيجي طويل الأمد أم نشوة مؤقتة؟ إذا استمر الإنفاق الدفاعي ونجحت إسرائيل في فرض معادلة أمنية جديدة، قد تكون المكاسب الحالية مجرد بداية. أما إذا طال النزاع أو انحسر التوتر وانخفض الطلب العسكري، فقد تتحوّل هذه الأسهم إلى “ضحايا سلام”، ويأتي التصحيح بحجم الرهانات التي وُضعت عليها.

بورصة تل أبيب تراهن اليوم على نهاية سريعة وحاسمة للحرب. لكن التاريخ وحده سيحسم ما إذا كان هذا الرهان تعبيراً عن قراءة واقعية لموازين القوة، أم مجرّد اندفاعة في قلب العاصفة.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  تجربة سليماني السورية... الانتصارات والخيبات بعيداً عن الأسطورة