لبنان: إنتهى زمن المعجزات.. إنه زمن العجز

الأرقام الإقتصادية والإجتماعية والمالية ومعها الحكايات المتداولة والوقائع المعيوشة، تشي أننا أمام مرحلة جديدة من الإنتفاضة. الخشية، كل الخشية، ألا يبقى للناس إلا العنف.

لم يكتشف اللبنانيون الفقر بعد. يظن الكثيرون أن لبنان غني جداً. يرون إلى الأزمة الراهنة أنها عابرة. اعتادوا على نظرية المعجزة الإقتصادية. لم نصل بعد إلى واقع الموت جوعاً. الإنتحار حالات إستثنائية ونادرة. يعترفون أن الأزمة هي إحتجاز المصارف للودائع. يخافون من شح السيولة ويعولون على مجهول تفاؤلي. يعتادون على ندرة السيولة، وعلى منسوب مالي حرزان تحرر من قبضة المصارف، وبات يبيت في الخزائن المنزلية. يصغون إلى الخبراء الماليين ويختارون تصديق المتفائلين، بائعي الأوهام، أو، يرتعبون من نبوءات خبراء الشؤم، الذين ينذرون بإفلاس لبنان، بعد شهور أو أسابيع أو غداً القريب. لم يعد الساحر سلامة يقنعهم كثيرا. كانوا يطمئنون إلى معجزاته الهندسية، طوبوه نبي الإنقاذ. غفروا له انخراطه مع منظومة سياسية في ذروة الجشع والتعطش المالي واشباعه بأحقر الأساليب: السرقة والنهب والغش. في هذه السنوات العشر الأخيرة، انتفخت ثروات الأثرياء، رؤساء ونوابا ووزراء ومدراء وقضاة واصحاب رتب أمنية ونقابية ومقامات طائفية ومذهبية وهي كلها، على تناقضاتها المثمرة والدسمة، تلتقي على تجفيف حليب البقرة اللبنانية، وعلى التعويض على فقراء الطوائف، بإشباع الأتباع بالغرائز والخوف من الآخر الطائفي.

ارتقى الفساد من رتبة عادية إلى رتبة سامية، لا ينال منها أحد. فالفساد دين الدولة الرسمي، والأتباع بالملايين

إن الفساد محمي جداً وبإصرار، من جموع الطوائف المستشرسة. وهذا الفساد هو الهيكل الرسمي للإقتصاد والسياسة في لبنان. وقد ارتقى الفساد من رتبة عادية إلى رتبة سامية، لا ينال منها أحد. فالفساد دين الدولة الرسمي، والأتباع بالملايين.

إلا أن حدثاً كبيراً قدم إلى الساحات. فتح الأبواب على المغاور وتجرأ على الفساد والفاسدين والمفسدين، وتجرأ أكثر على منظومة الفساد السياسي، أي، على عقيدة الأحزاب السياسية الطائفية المتحدة،  المتحكمة بالألف حتى الياء. مالاً ونصباً وإحتيالاً. بلا خوف أبداً.

غير أن الفقراء لم يعودوا نكرات. ليسوا مستعدين للإنتحار. مسار الفقر في لبنان متسارع. فمنذ سنوات قليلة جداً، أي منذ أربع سنوات، وقبل اندلاع الأزمة والسقوط في الهاوية، كان البنك الدولي قد أحصى عدد الفقراء في لبنان، وأفشى بالأرقام الآتية:

  • 30 في المئة من سكان لبنان من الفقراء، أي أن مليون ونصف مليون لبناني يعيشون تحت خط الفقر. وبالأرقام، فإنهم يعيشون بأربعة دولارات في اليوم، أي بمعدل 120 $ شهرياً.
  • أكثر من 8 في المئة يعيشون في أسفل خطوط الفقر. يطلقون على هذه المرتبة لقب الفقر المدقع، رأسمالهم الشهري لما يسمى ما دون الكفاف اليومي، هو دولاران ونصف في اليوم. هذا كان في العام 2016، أما اليوم، فالمبالغ المتدنية ذابت، والأعداد إلى إزدياد. إنه السفر إلى الجحيم بقاطرة فقدان أي دخل ابداً، ما يجعل عداد الإنتحار إلى إزدياد، وعداد العنف إلى إقلاق راحة الأغنياء والأثرياء، فيحتاطون من (مجرمي الجوع والفقدان واليأس). وثمن العنف، دم يسفك. ومن يكابر اليوم، فما عليه إلا تحسس العنف اليومي على أبواب المصارف، التي تعتبر قلاعا مالية، كانت يوما ما، ممتلئة ومفرطة في الإنفاق والبعثرة وكسب عائد الفوائد العالية. الجوع هو الأب الشرعي للعنف المشروع. لا تداوى جريمة الإفقار إلا بمثلها: ثورة الفقراء.

الخبراء اليوم يتوقعون أن يكون العدد قد تضاعف ليرسو على رقم مخيف: أكثر من 50 في المئة من الفقراء بدرجات فقير وفقير جداً ومعدم

  • محصلة إحصائيات البنك الدولي في العام 2016، خلصت إلى أن أعداد الفقراء إلى إزدياد مطرد. 6 في المئة كل عام. وهذا أمر فظيع. لكنه مر مرور الكرام. كانت الجموع غافلة عما آلت إليه أحوالهم المزرية. الانتخابات كانت على الأبواب. ظنوا أن مجلساً جديداً بنواب أكل الزمن والنصب والإحتيال عليهم، قد يوفر لهم فرص عمل وتوظيف. وكان ما كان. عاد الجميع تقريباً، بأحجام متفاوتة وبتفان غير مسبوق في تأدية واجب المحاصصة على قاعدة الميثاقية التافهة والمفقرة.
  • عداد العاطلين عن العمل يتسارع. ازداد بين الأعوام 2011 و2016 بنسبة 30 في المئة. وبلغة الأرقام، هذه وتيرة متسارعة. لم ينتبه أحد إلى هذا المنزلق. السلطة السياسية بأركانها كلها، منشغلة في تصفية خلافاتها، وكادت أن تقود الأحقاد إلى تصفية لبنان. فقد ظلت المؤسسات الدستورية مقفلة، والإنفاق بلا موازنة، والسرقات بلا فرامل. إشتركت القوى كافة في رقصة إشباع الغرائز وشبقها الفائق للثروة، بكلفة أخلاقية تافهة. فالفساد في لبنان لم يكن عبثياً أبداً، وهو منتشر وعلني وفاقع. من دلالاته الإنفاق الكوكبي على الملذات والمناسبات، واعتبار الدين سياسة سهلة ولا تورث على السارق ضريبة أو إعادة المسلوب. لم يسأل أحد عن برامج لوقف عداد العاطلين عن العمل، أو لوقف الهجرة الشبابية، السلطة السياسية، (ومن المعيب ابقاء هذه التسمية، إذ يلزم أن يكون إسمها مطابقاً لفعلها) سلطة النهب وقراصنة الحكم والمال والعدل والموازنات والإدارات والمؤسسات والصفقات والإلتزامات، ضربت الأرقام القياسية في تعمد الفشل: من فدائحها عدم الإتفاق على هندسة النفايات التي يعود ريعها لزبانية السلطة وشركائهم. من جرائمها، إنفاق أكثر من ملياري دولار سنوياً على كهرباء منعدمة ومعدومة بقرارات مجزية. التوافق الضمني، على حراسة مغاور السلب والنهب، من المرفأ، إلى الجمارك، إلى المطار إلى الكسارات.. إلى الطرقات، إلى الأملاك البحرية… وكي لا نكرر ذلك مع كل حلقة، نعود إلى عداد العاطلين عن العمل، الذين ستتدهور أحوالهم، في بلد إنسداد الآفاق، ومعاقرة الهبوط إلى جحيم البطالة، وجحيم العنف الذي يستولده حتماً. لا يموت الإنسان جوعاً، إلا بعد أن يميت من كان سبب جوعه.

افرغت القرى وسهولها وجبالها من الزراعة المجدية بنسبة تجعل الحياة ممكنة. في ذلك الزمن، بدأت الهجرة من الأرياف، إمتلأت المدن بأحزمة بؤس كان لها دور عنفي في الحرب اللبنانية

  • أين هم الأكثر فقراً؟ بيروت تستحوذ على 16 في المئة من العاطلين عن العمل. هذا الرقم رحوم جداً. اليوم، وبعد إقفال المؤسسات وصرف العمال وتنصيف الرواتب، يصبح عدد العاطلين عن العمل مضاعفاً. في جبل لبنان بلغت النسبة منذ ثلاث سنوات 22 في المئة، وفي الشمال 36 في المئة، وفي البقاع 38 في المئة والجنوب 32 في المئة وفي النبطية وحدها 25 في المئة. الخبراء اليوم يتوقعون أن يكون العدد قد تضاعف ليرسو على رقم مخيف: أكثر من 50 في المئة من الفقراء بدرجات فقير وفقير جداً ومعدم.
  • أين الثروة اللبنانية؟ من يملك أكثر من مالية “الفردوس اللبناني”؟. تتوزع ثروة وفق مصرف crédit suisse  (كريديه سويس) على الشكل التالي: 99 مليار دولار يسيطر عليها 3 في المئة من اللبنانيين. إذًا لبنان ليس مفلساً، بل جرى إفلاس الفقراء والطبقة الوسطى، ولم تمس الأزمة أخمص أرجل الطغمة الرأسمالية، شريكة السلطة السياسية (استبدلوا التسمية) وأحزابها وطوائفها ووكلائها. هؤلاء ذوو حصانة متينة، قادوا البلاد من أنوف اللبنانيين. تمولوا من الودائع الصغيرة والكبيرة، وفازوا بحصة وازنة من أرباح الفوائد، وكان حظ المودعين الصغار، وهم كثرة كثيرة، الفتات الضروري للعيش بكرامة وبلا مذلة، و هؤلاء يشكلون حوالي 30 في المئة من اللبنانيين الذين يملكون أكثر من 100 الف دولار.

ماذا الآن؟ ماذا غداً؟

الفقر أولاً ليس وراثياً، ولا بيئياً، ولا نتاج ثقافة كسولة واتكالية. الفقر يتم تصنيعه من خلال سياسات الأنظمة السياسية والإقتصادية. عاش لبنان، إقتصادياً، إنقلابات إقتصادية مريعة. منذ الإستقلال، أشاع المفكر ميشال شيحا عقيدة السوق وطرق التجارة ومهنة الوسيط، لكون لبنان، جسر عبور بين الشرق والغرب. فالمستقبل إذاً  في لبنان، يتأسس إقتصادياً على الريوع والربى. فقام تحالف القوى السياسية والمصارف، وجرى الإستغناء التدريجي عن الزراعة والصناعة. فلبنان بلد مفتوح، يستورد الكثير ويصدر القليل. افرغت القرى وسهولها وجبالها من الزراعة المجدية بنسبة تجعل الحياة ممكنة. في ذلك الزمن، بدأت الهجرة من الأرياف، إمتلأت المدن بأحزمة بؤس كان لها دور عنفي في الحرب اللبنانية.

الفقر ليس وراثياً أبداً. وليس إبن بيئته، وليس إبن ثقافة الكسل نهائياً.  إنه نتاج صناعة. هكذا، النظام اللبناني السياسي الإقتصادي المارق والحقير، يخرّج عاطلين عن العمل، يصبحوا بعدها معدمين

أما الجريمة الثانية اقتصادياً، فقد قامت على تشجيع الهجرة، وبيع الأجيال اللبنانية للمغتربات التي تستقبل اليد العاملة. ويضخ في لبنان، ما يعيل العائلة أو ما تبقى منها. هكذا كانت بدايات الهجرة، قبل أن يصبح المهاجر في ربع القرن الأخير صاحب شركات ومصانع ناجحة تفيد الدول المضيفة وتفيد لبنان بأموال تم إنفاقها بالفورة العقارية. فبات لبنان ورشة عمرانية متزايدة الإتساع، منسقة مع سياسات الرئيس رفيق الحريري آنذاك، الذي نجح عقارياً، وفشل في الزراعة والصناعة والتكنولوجيا.

حدث بعد الحرب، أن قام وفد من المزارعين بزيارة وزير الزراعة في حكومة الرئيس رفيق الحريري محسن دلول. عرضوا عليه مشكلاتهم ومأساة عيشهم وعدم اهتمام الدولة بهم. وبعضهم أشار إلى أن لبنان يمتاز عن “إسرائيل” بجودة الأرض ووفرة المياه، وما يحتاجه إلى خبرات حديثة ودعم حكومي وفتح أسواق وتوظيف أموال. كان جواب وزير الزراعة فجاً: ودعوها. الزراعة لا تعيّش أحداً. عادوا بخفي حنين… زاروا رئيس لجنة الزراعة البرلمانية النائب الياس سكاف. قالوا ما قالوه لدلول. وكان جوابه ودعوا الزراعة. للأسف لم يتصد أحد لهما. لم ينالا صفعة أو إهانة. عادوا بخفي حنين، ينعون حظهم السيء، انهم ولدوا في لبنان ليهاجروا منه إلى المدينة أو إلى دنيا الإغتراب، فيما المستوطنات اليهودية في “إسرائيل” تنظم رفاهية الكيبوتات والزراعة والصناعة. فما أبعد الثريا عن الثرى.

الفقر ليس وراثياً أبداً. وليس إبن بيئته، وليس إبن ثقافة الكسل نهائياً.  إنه نتاج صناعة. هكذا، النظام اللبناني السياسي الإقتصادي المارق والحقير، يخرّج عاطلين عن العمل، يصبحوا بعدها معدمين، أو عُيّالاً على أقاربهم في المهاجر، أو أتباعاً لزعمائهم، لقاء فتات من الدعم.

تاريخنا مليء بالبهورات والأكاذيب والعنتريات. لبنان دولة فاشلة، وفشلها متعدد الأسباب. ويتولى تنفيذ سياسة الفشل، أقطاب وأحزاب وطوائف ومذاهب ومصارف. الفشل صفة لبنانية من الأساس. وإذا لم يكن ذلك كذلك، دلونا على صعيد واحد فقط، سجل فيه لبنان نجاحاً واحداً صامداً. منذ شهور قالوا إن النظام المصرفي دعامة استقرار لبنان وأمنه وكذلك جيشه.

ماذا تبقى من لبنان؟

المصارف متداعية، والجيش منشغل بمعالجة العنف السلمي. فماذا لو أصبح الجوع أقسى وأمضّى؟ يخشى على الجيش، وعندها، على لبنان السلام.

عسى أن لا… هذا يحتاج إلى معجزة. الزمن لم يعد زمن معجزات، بل هو زمن العجز. والدليل، ليس في الأفق بصيص علاج لأزمة تعسّ من زمان، وإلتهبت منذ أعوام، واشتعلت منذ أسابيع، وقد لا تنطفىء في الشهور القادمة.

نصري الصايغ

مثقف وكاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
online free course