في حِفظِ السرِ

لما امتد الحوار في براح وألفة، وتطرقت الصديقتان اللتان التقيتا بعد فترة من الانقطاع إلى تفصيلات عديدة في حياتيهما، أرادت إحداهما أن توغل أكثر فأكثر، وأن تفصح عن دقائق لا يعلمها أحد. قالت وهي تهمس، موحية بأهمية ما ستفضي به: «فيك من يكتم السر؟» أومأت رفيقتها موافقة على الشرط، متأهبة لسماع ما قد يسر خاطرها أو يبدل أفكارها بشأن أزماتها الخاصة التي لم تزل حبيسة صدرها. مضت ساعة وراء أخرى، وخرجت الأسرار من فاهيهما تباعًا، وانتفت تدريجيًا الضرورة من طلب الكتمان؛ إذ تابع زبائن المقهى الحوار عن كثب؛ فيهم من تفرغ للإنصات، ومن اكتفى بشذرات تصل إلى مسامعه عشوائيًا.

إن خرج السر من صاحبه فقد خصوصيته، وبات خاضعًا لضمير من تلقاه؛ يُشيعه ويذيعه، أو يقبره ويمنع نفسه من البوح به، أو ربما يدفعه لمن يجده جديرًا بمشاركته العبء. تدور الدائرة ويمر السر من فلان إلى علان، ويصبح مبعث هزل بسبب المفارقة ما بين مدلول اللفظ المعجمي وتجسيده في الواقع المعاش.

***

ربما يسعى واحد لتحميس الآخر ودفعه لإخراج ما ضمت أحشاؤه؛ يطمئنه لقدرته على الاحتفاظ بما سيعرف بعيدًا عن الآخرين، ويؤكد له: «سرك في بير»، والمعنى أنه يقبع في قرار مكين، آمنًا، متواريًا عن العيون والآذان؛ يتعذر أن يصل إليه أي شخص. البئر عميقة تخفي ما في باطنها وتستبقيه بمعزل عن الفضوليين؛ لكنها أيضًا قد تدفنه للأبد، وتبتلع كل أثر توجب أن يظهر ولو بعد حين.

***

من الناس من يعجز عن حفظ معلومة عرفها؛ يتحرق شوقًا كي يبثها في الفضاء العام، ويشعر بالإشباع حين يبدي المتلقون دهشتهم بالحصول عليها. يمضي مستفيضًا هنا وهناك؛ حتى ليتجنب معارفه أن يتكلموا في حضوره بما لا يريدون إشاعته، ويرددون ما غاب عن مجلسهم: «ما تتبلش في بقه فولة»؛ والقصد أنه لا يغلق فمه لحظة كي يغمر لعابه ما حوى. تبقى الفولة جافة والريق شحيحًا؛ فيما الكلمات فائضة وفيرة، تتبعثر في كل مكان، ويستقبلها في ترحاب وسرور من يدرك كيفية الاستفادة بها.

***

قال الشاعر قديمًا: «ولا تودع الأسرار أذني فإنما.. تصبن ماء في إناء مثلم». الاستعارة في البيت فاضحة؛ إذ السر مادة سائلة موضوعة في آنية بها شقوق وشروخ؛ ولا عجب إذًا أن يسيل وأن يسري وينتشر في محيطه. الاعتراف ساخر وطريف إلى حد بعيد، فالشاعر يدرك طباعه ويحذر من يتواصلون معه من ائتمانه على ما يخصهم، وهو لا يضع احتمالات أو شروطًا، بل يستخدم حروف التوكيد، ولا يترك من ثم مساحة للتراجع عن خصلته الذميمة.

***

في نقض المعنى السابق يأتي بيت أبي الطيب المتنبي: «وللسر مني موضع لا يناله.. نديم ولا يُفضي إليه شراب». الموقف هنا أيضًا صريح، واضح ومؤكد؛ فالمتنبي يدرك جيدًا ما هو مجبول عليه من طبائع؛ حتى إن حال الثمالة لا تغيره ولا تؤثر فيه. السر لديه في حصن منيع، لا يصل إليه شخص؛ ولو كان رفيق كأس، ولا يطلقه من مكمنه دافع؛ ولو كان مفعول الخمر باللسان والرأس.

***

إذا انبثق حديث يخص دواخل عائلية لا يصح أن تلوكها الأفواه، انبرى واحد لإسكات ما يدور قائلًا: «البيوت أسرار»، والتعبير شائع على الألسنة، يراد به حماية الأمور التي يمكن أن تقع في إطار الأقرباء ولا شأن للغرباء بها. كل بيت مغلق في العادة على ما لا يُحبذ إعلانه، وكل بيت ينعم بالسلام ما استبقى خصوصياته بين جدرانه.

***

تُنبّه الحكمة العربية الأصيلة من العواقب التي قد تترتب على إطلاق السر من سجنه: «من أفشى سره أفسد أمره»، ويعضد الموروث الديني الفكرة فينصح الناس: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»، والحق أن كثيرًا من الأمور التي يشرع المرء فيها قد تتعرقل ما كثر حديثه حولها وما تداول فيها بإفراط، أما استبقاؤها في حيز ضيق وانتهاج الأمثولة الشعبية الشهيرة: «داري على شمعتك تقيد»؛ فغالبًا ما يوفر الحماية ويقي من الإفساد والتعطيل. ليس في المسألة ما هو خارج نواميس الطبيعة التي نعرفها؛ فتفصيلات صغيرة عديدة تتعقد بسبب اتساع دائرة من يطلعون عليها، بما يؤدي إلى إبطاء المراكب السائرة في مجراها، وربما دفعها إلى الانحراف عن غايتها.

***

«الحيطان لها ودان» تعبير دارج، نكرره على أنفسنا وصحبتنا كلما انطلق حديث ذو حساسية خاصة، والمراد التزام الحذر؛ فالخطر قد يأتي من حيث لا يحتسب أحد، وليس بالضرورة أن يكون ظاهرًا للعين أو حتى متوقع المصدر؛ وحيثما بدت البيئة صديقة، ولاح المكان أمينًا وديعًا؛ كمن التهديد وتخفى.

***

ظهرت أسرار مرعبة مع تحرير وثائق ومستندات قضية إبستين؛ عكست سقوطًا فاحشًا لنخب لم يكن المرء ليتخيل مبلغ تدنيها. حكايات شائكة، مرهقة ومخجلة؛ لا تخطر على البال، يتنصل منها العقل وتنبذها المشاعر. الأسرار المكشوفة بعد أعوام متواصلة من الانغماس في ملذات مشوهة؛ مستنقع آسن يخنق الأنفاس، ويلقي بتساؤلات عديدة حول الدوافع والأسباب. ما من شك أن الوفرة تخلق في ذروتها حالًا من الملل، وتحرض على خوض مناطق موحشة، مغرقة في البؤس والانحطاط. كثير من المتابعين يعتقدون في وجود مؤامرة مخابراتية لصالح دولة بعينها، ترغب في السيطرة على أصحاب المال والنفوذ وتسخيرهم لخدمة أهدافها. الفكرة في ذاتها ليست بعيدة؛ لكنها لا تتحقق إلا في وجود هؤلاء الأشخاص القابلين للإغراء بما تلوث وشذ وتدنى، الراغبين في إرضاء نزعات لا أخلاقية مهينة؛ يأنفها أسوياء الضمير. بعض الأسرار لا يصنع فارقًا كبيرًا ما انكشف، وبعضها الآخر يتحول متى ظهر إلى فضيحة مدوية وقلبٍ للموازين.

إقرأ على موقع 180  المَنْشَأ

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  عن كفركلا.. وأخواتها