اليومُ العالميُّ لِلّغةِ الأم.. الهوية والمقاومة

“اللغةُ بيتُ الوجود". هذا ما يراهُ الفيلسوفُ الألمانيّ "هايدغر". مقولةٌ محسوسةٌ وواقعيّةٌ مثلما هي شعورٌ ونظريَّةٌ وانتماءٌ وهُويَّة. ربَّما تكونُ هي المشتركُ الطبيعيُّ الإنسانيُّ بين أكثرَ من سبعةِ آلافِ لغةٍ موجودةٍ في عالمِنا المعاصرِ.

تحيطُ بالإنسانِ منذ الجَنينيَّةِ إلى الولادةِ إلى تكوينِ الجَماعة. الأمُّ الحاضنةُ- لا البِيولوجيَّةُ وحدَها- هي الأصلُ. الأنثى تاريخيَّاً هي ناقلةُ اللغاتِ، وظلَّتْ كذلك على رَغمِ التحوُّلِ من المجتمعِ الأنثويِّ إلى المجتمعِ الذكوريِّ بسببِ طَفرةِ القوَّةِ الذَكَريَّةِ التي أدَّتْ إلى فوارقِ المِلكيةِ وفقدانِ المرأةِ وسائلَ الإنتاج. هذا التحوُّلُ صنعَ بداياتِ الصراعِ الطبقي، لكنَّه لمْ يستطِعْ أنْ يُغيِّرَ الطبيعة َاِلبشريَّةِ فبَقيتِ الأنثى – وستبقى – هي الحاضنةُ التي تُلبِّي حاجةَ الإنسانِ الفطريَّةَ للّغةِ كما هي عند “نعوم تشومسكي” صاحبِ نظريَّةِ الفطرةِ اللغويَّةِ في الدراساتِ اللسانيَّةِ الحديثة. الجنينُ في رحمِ أمِّهِ يسمعُ الكلماتِ والأصواتَ والإيقاعاتِ، ويختزِنُها ويألَفُها بطريقةٍ غير واعيةٍ، فتتََهيَّأ لهُ فِطرةُ التلقِّي عندما يُولدُ. ولا قُدرةَ لأحدٍ مثلَ الأمِّ على أنْ يفعلَ ذلك. هي وحدَها الناقلُ اللحظويُّ للغةِ بكلِّ ما فيها من وِجدانٍ ومشاعرَ وعواطفَ وخصوصيَّاتٍ، وهي وحدَها تُكَوِّنُ الدعائمَ الأولى للذاكرة اللغويّةِ. وربَّما هذا هو السببُ بعيْنِهِ يقفُ خلفَ تسميةِ اللغةِ الأم التي اعتمدتْها منظمةُ اليونيسكو عام 1999 بناءَ على طلبِ حكومةِ بنغلاديش. آنذاك كانت تظاهراتُ طلَّابِ جامعةِ “دكا” في 21 شباط/فبراير عام 1952 هي المحرِّكُ وراءَ هذا الطلبِ [اعتُمِدَ هذا اليومُ لاحقاً يوماً عالميَّاً للغةِ الأم ويوم شهداء اللغة في بنغلاديش]. قبلَ التظاهراتِ بخمسِ سنواتٍ تكرَّسَ انقسام الهند(1947)، فنشأتِ الدولةُ الجديدةُ الباكستان بإقليمين: شرقيّ بنغاليّ [بنغلاديش اليوم] وغربيّ باكستاني [باكستان الحاليّة]. حكومةُ الغربِ الباكستانيَّةُ اِفتتحتْ صراعَ الهُويَّاتِ عندما قرَّرتْ فرضَ اللغةِ “الأورْديَّة” على الجميعِ، فرفضَ الإقليمُ البنغالي القرارَ ورآهُ مَساساً باللغةِ والهُويَّةِ. وانتصرَ طلَّابُ “دكا” وحافظوا على لغتِهم الأم.

الحدَثُ ذو خُصوصيَّةٍ محليّةٍ في إحدى بقاعِ آسيا أكثرِ القارَّاتِ تنوُّعاً لـُغويَّاً. حركةُ التاريخِ حوَّلَتِ الحدثَ سريعاً إلى العالميَّةِ، وباتَ قضيَّةَ ثقافةٍ وهُويَّةٍ استجابتْ لها “اليونسكو” وأكَّدتْ في قرارها العلاقةَ العُضويَّةَ بين اللغةِ والهُويَّةِ اجتماعيَّاً ووطنيَّاً وقوميَّاً. هذه العلاقةُ لا تنفصِمُ عُراها لأنَّها عبرَ الأمِّ تدخلُ في الوِجدانِ والعواطفِ والذاكرةِ، وتتكوَّنُ من خلالِها الروابطُ بالأرضِ والمجتمعِ في اللاوعي ثمَّ في الوعيِّ، وتمتدُّ إلى معنى الوجودِ بكلِّ أبعادِه. المفارقةُ هنا أنَّ بعضَ الباحثينَ يخلِطونَ بين اللغةِ الأمِّ واللغةِ المكتَسبةِ على مستوى تشكيلِ الهُويّة. الأولى [اللغة الأم] نعيشُها قبلَ أنْ نتعلَّمَ أصولَها، والثانيةُ نتعلَّمها ونادراً جدَّاً ما نعيشها، وربَّما لا نعيشُها أبداً. الأدلَّةٌ على ذلك كثيرةٌ، فالمفكِّرونَ والأدباءُ الذين كتبُوا بغيرِ لغتِهم الأمِّ، لم يكتسِبوا هُويَّةً جديدةً بل ظلُّوا مُتَعلِّقينَ بالفِطرةِ الأموميَّةِ، أيْ إنهم أعادُوا إنتاجَ وِجدانِهم نفسهِ بلغةٍ أجنبيَّةٍ من دونِ المساسِ بالهُويَّة.

يظنُّ كثيرونَ أنَّ اللغةَ عامَّةً، واللغةَ الأمّ خاصةً هي خارج الصراعِ السياسي. الواقعُ يُثبِتُ عكسَ ذلك. الاستعمارُ الحديثُ والمعاصرُ، ولا سيَّما منذ القرنِ التاسعَ عشر، دأبَ على محاولاتِ محو اللغةِ الأمِ، وتوظيفِ هذا المحو في مشاريعِ القضاءِ على هُويَّةِ الشعوبِ المسْتَعْمَرةِ، ومحاولاتِ إكْسابِ هذه الشعوبِ هُويَّة مصطنَعة عبرَ لُغةٍ جديدةٍ وغريبةٍ على وِجدانِهم الفِطريِّ الطبيعيّ. الاستعمار الفرنسي سعى إلى ذلك في المشرقِ والمغربِ العربييْنِ وفي أفريقيا، لكنَّه فشِلَ مثلاً في “فـَرْنَسةِ” الجزائِرِ برغمَ تركيزهِ الشديدِ عليها. [تجربةُ ابن باديس في الجزائر خير شاهدٍ على ذلك] وهكذا تحوَّلَ التمسُّكُ باللغةِ الأمِ من الفطريّةِ إلى الهُويَّةِ إلى المقاومةِ من أجلِ التحرُّر. وهذا لا ينطبقُ على الجزائرِ وحدَها، فالكثيرُ من الدولِ الأفريقيَّةِ تتكلَّمُ الفرنسيّة لكنَّها اِحتفظتْ بهُويَّتِها من خلالِ تراثِ اللغةِ الأم. اللغةُ بهذا المعنى نوع ٌمن المقاومةِ الإستراتيجيةِ في مضاميرِ الثقافةِ والهُويَّةٍ، وهْيَ إذا كانتْ لا تُطلِقُ الرصاصَ والمدافعَ فإنها تُطلِقُ ما هو أهمُّ: الكلماتِ المشحونةَ بالتاريخِ التي تُحرِّكُ الوجدانَ وتُشْعِلُ الوعْيَ.

المعنى الراهنُ لليوم ِالعالميِّ للغةِ الأمِّ، بعدَ سبعةٍ وعشرينَ عاماً على إقرارِهِ، يكتسِبُ زخْمَهُ من دلالاتِ الهُويَّةِ في اللغةِ. الكولونياليّة ُالرأسماليَّة ُالحاليّةُ تَسْعى إلى ترسيخِ الاستعمارِ بغيرِ الاحتلالِ المباشِرِ، بلْ بما هو أخطرُ. تُريدُ احتلالَ العقلِ، وتزييفَ الوعْيِ، وخلخلَةَ الوجدان، ومحْوَ الهُويَّةِ عبر القضاءِ على اللغةِ الأمِ أو تهميشِها لدى هذا الشعبِ أو ذاكَ أو فرضِ لغةٍ رسميّةٍ إلى جانبِ اللغةِ الأمِّ كما فعلتْ فرنسا في لبنان، فاستمرَّتْ هذه الحالةُ إلى اليومِ برغمَ تعديلِ الدستور وإلغاءِ الصفةِ الرسميَّةِ عن اللغةِ الفرنسيَّةِ. هذا الأمرُ تركَ أثرَهُ العميقَ، وسبَّبَ ارتجاجاً في العلاقةِ معَ اللغةِ العربيّةِ الأم، ومن ثمَّ سبَّبَ اِرتجاجاً في الهُويَّةِ حتى بلغَ حدودَ الامتزاجِ بالطوائفِ، فباتتِ الفرنسيَّةُ عنصراً من هُويّةِ المسيحيين، والعربيَّة ُأضحتْ عنصراً من هُويَّةِ المسلمين.

أخطرُ العواملِ على “اللغاتِ الأمِّ” اثنانِ: الاستعمار الذي يريدُها أنْ تذوبَ وتزولَ من طريقهِ نحو تحويلِ الأوطانِ إلى أسواقٍ، وتسْليعِ كلِّ شيءٍ فيها. والاستبدادُ السلطويُّ الذي يظهرُ فاقِعاً في المجتمعاتِ المضطرِبةِ بسببِ رواجِ معادلةِ الأكثريَّاتِ والأقليَّاتِ، إذْ تعملُ الرأسماليَّاتُ المحليَّةُ على افتعالِ صراعٍ هُويَّاتي لتهميشِ الصراع الاجتماعي، وفرضِ الكبحِ الثقافي والاقتصاديِّ على الأقليَّةِ، ومحوِ هويَّتها. ومنْ هنا يتوسَّعُ الحقلُ الدلاليُّ لقضيَّةِ الحفاظِ على اللغةِ الأمِّ، ليُصبِحَ نوعاً من المقاومةِ يُضافُ قوِيَّاً إلى السلاحِ والاقتصادِ والسياسةِ. ولا غرْوَ في ذلك، فالمسألةُ على هذا المستوى وجوديَّةٌ تستحِقُ المعركة.

إقرأ على موقع 180  مارتن إنديك: "طوفان الأقصى" أحيا حل الدولتين

اليومُ العالميُّ للغةِ الأم هو يومٌ للمقاومةِ ضدَّ كلِّ محاولةٍ كولونياليَّةٍ لتزويرِ الهُويَّاتِ والمكوِّناتِ الثقافيَّةِ، فـَ”الإنسانُ يسكنُ لغةً قبلَ أنْ يسكُنَ بلداً” كما كان يُردِّدُ دائماً “إميل سيوران”.

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  برلمان تونس: فسيفساء التشتّت وخيبة الأمل