قيس سعيد… لماذا يواجه المدافع من كل صوب؟

لا يكاد يمر يوم من دون أن يثير الرئيس التونسي الجديد قيس سعيد الجدل. كل مواقف الرجل وتحركاته باتت تثير عاصفة من الآراء المؤيدة والمعارضة على حد سواء، فهل هو مظلوم أم جانٍ؟

صلاة جمعة كانت كافية لتثير أحدث موجات الجدل حول قيس سعيد، حين تجمع المصلون حوله لالتقاط الصور وتبادل أطراف الحديث، ما يخالف الصورة المعتادة لرؤساء تونس السابقين، الذين ندر أن ظهروا في الأماكن العامة.

في الأصل، يفترض أن ينظر الناس إلى خطوة كهذه بإيجابية، وبالفعل فقد أشاد الكثيرون، عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، بهذه السابقة الرئاسية، معتبرين أنها تكسر الصورة النمطية لانفصال الرؤساء عن الشعب.

ولكن الكثيرين أيضاً أبدوا تخوفهم من صناعة “ديكتاتور جديد”، متهمين الرئيس التونسي المنتخب بـ”الشعبوية”، وحجتهم في ذلك أن تونس لا علاقة لها بصلاة الرئيس، وإنما بأدائه لمهامه، بالإضافة إلى الحفاظ على مدنية الدولة.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يثار فيها الجدل الجدل بسبب ظهور قيس سعيد في أماكن عامة بشكل علني. قبل ذلك بأسبوع، ظهر الرئيس التونسي في مقهىً شعبي يتناول قهوته بجانب المواطنين، في مشهد نادر أيضاً انقسمت الآراء حوله بشكل كبير.

وعلى ما يبدو فإن أكبر ميزة يتمتع بها الرئيس التونسي تكمن في أنه أتى إلى الحكم من خارج الطبقة الحاكمة، وبلا انتماء حزبي، إذ لا يعرف عنه انضواؤه في أي تنظيم أو تيار.

ولكن هذه “الميزة” تتحول رويداً رويداً إلى “عيب”، حيث يتلقى قيس سعيد المدافع من كل صوب وحدب، ومن دون أن يرد عنه أحد، لا بل أنه تارة ما يضطر إلى التجاهل، وتارةً اخرى يتولى الرد بنفسه.

“الذكورية” كانت واحدة من الاتهامات القاسية التي تعرّض لها قيس سعيد، بعد قراره منح زوجته القاضية إشراف شبيل إجازة من دون مرتب طوال فترة ولايته الرئاسية، معللاً ذلك بأنه يحافظ على استقلال القضاء.

هذا التبرير لم يقنع المجتمع النسوي، الذي شن حملة شرسة ضده ما زالت أصداؤها تتردد حتى الآن.

وعلى ما يبدو فإن كل قرار يتخذه سعيد يواجه بانتقاد شديد من قطاع عريض في الرأي العام التونسي، وهو ما يطرح تساؤلاً: هل من صوّتوا له بنسبة فاقت 70 في المئة في انتخابات الإعادة الرئاسية قد صوّتوا بالفعل ضد نبيل القروي المرشح المنافس المتهم بالفساد؟

المشروع السياسي الذي يصفه معارضو سعيد بأنه حالم ورمانسي يتضمن تعديل الدستور، وتطوير المؤسسات الحكومية وتطهيرها، ولا سيما مؤسسات الحكم المحلي التي يتطلع إلى جعلها لامركزية.

تمسُّك الرئيس التونسي بالإقامة في منزله في حي المنيهلة الشعبي يجدد الاتهامات التي يواجهها بأنه لا يمتلك مواصفات رجل الدولة، وبأن برنامجه مجرد رجل شعارات برّاقة، ذلك أن الإقامة في القصر الرئاسي واجب لأسباب سياسية وأمنية بل واقتصادية، وخصوصاً أن تأمينه يحتاج إلى أضعاف الأعداد المعتادة أثناء التنقل ذهاباً وإياباً من قصر قرطاج وإليه.

لم يتوقف الجدل المشتعل حول قيس سعيد منذ يوم تنصيبه وذلك بسبب وصوله في سيارة فاخرة من طراز “Mercedes Maybach”يتخطى سعرها 500 ألف دولار أميركي، أي ما يعادل 1.5 مليون دينار تونسي.

هذه المرة جاءت السهام من صفوف المناصرين الذين اتهموه بمخالفة وعوده التقشفية أثناء الحملة الانتخابية،  معتبرين أنّ السلطة أثرت عليه منذ اليوم الأول.

الانتقادات العنيفة، وبخاصة من المناصرين، للسيارة التي لا يقتنيها إلا أغنى أغنياء العالم، دفعت الإدارة العامة لأمن الرئيس والشخصيات العامة إلى الرد، وتبرير الموقف بأن السيارة كانت هبة من إحدى الدول العربية خلال القمة العربية الأخيرة في تونس، وأن خزانة الدولة لم تتحمل ديناراً واحداً فيها.

إدارة تأمين الرئيس التي أصبحت تتحدث بلسانه، وترد عنه، قالت رداً على الانتقادات إنها تستطيع حماية الرئيس تحت أي أرض وفي أي سماء وأنها تعمل إلى جانبه بكل محبة وارتياح واحترام، وأنها تمتلك الإمكانيات والطاقات التي تساعدها على توفير أقصى درجات الحماية له.

لكن مصادر صحافية تونسية رجحت رضوخ الرئيس في النهاية لكل الاعتبارات المشار إليها سابقاً، والانتقال إلى قصر قرطاج، حتى لا يعطل حياة المواطنين في الحي الشعبي الذي يقطنه، بالإضافة إلى تفادي الازدحام المروري الذي يسببه موكبه، فضلاً عن تخفيض تكاليف تأمينه، لأن هذا هو ما يحقق التقشف الحقيقي.

وبصرف النظر عن هذه القضايا المثيرة للجدل، فإنّ مؤيدي قيس سعيد يتهمون من يعارضونه عبر وسائل الإعلام بأنهم يركزون على الشكليات خلال الأيام الأولى لتوليه الرئاسة، سعياً لتشتيته عن القضايا الرئيسية والحيوية التي تنتظره، ويقولون إنه لا يجب التركيز على سيارته وقراره بشأن زوجته أو صلاته وغيرها، بل  على حل أزمة تشكيل الحكومة الجديدة.

الرئيس التونسي الذي يميل إلى حكومة تكنوقراط لا تقوم على المحاصصة السياسية، بدأ سلسلة من الاجتماعات مع الفرقاء السياسيين في محاولة لحل الأزمة، حيث التقى المرشح الخاسر في جولة الإعادةفي الانتخابات الرئاسية رئيس حزب “قلب تونس” نبيل القروي، ورئيس “حركة النهضة” راشد الغنوشي، وقيادات من “التيار الديمقراطي” و”ائتلاف الكرامة” و”حركة الشعب” و”تحيا تونس” في محاولة لتجاوز أزمة تشكيل الحكومة.

الأزمة التي يواجهها قيس سعيد مع بدء ولايته الرئاسية سببها تمسك “حركة النهضة” بتشكيل الحكومة، في وقت تدعو بقية القوى السياسية إلى حكومة كفاءات، على أن يختار الرئيس بشكل مباشر رئيس الحكومة، وهو ما أطلق عليه الإعلام التونسي مصطلح “حكومة الرئيس”.

وينص الفصل 89 من الدستور التونسي على تكليف رئيس الجمهورية الحزب أو الائتلاف الفائز بغالبية المقاعد البرلمانية بتشكيل الحكومة خلال شهر من إعلان النتائج.

وحصدت “حركة النهضة” 52 مقعداً في الانتخابات البرلمانية التي أجريت مطلع شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وجاء حزب “قلب تونس” في المركز الثاني بـ38 مقعداً، وبعده “التيار الديمقراطي” الذي حصد 22 مقعداً، ثم “ائتلاف الكرامة” الفائز بـ21 مقعداً.

قد يكون قيس سعيد الرئيس الأكثر إثارة للجدل في تونس، فالأستاذ الجامعي ذو التوجه السياسي الغامض، والذي لم يعلن يوماً عن انتمائه إلى حزب أو تيار، تتنازعه التيارات المختلفة. لهذا، فإنّ البعض يصفه بالإسلامي، بينما يحسبه البعض على اليسار. ومع ذلك، فهو لا يزال يلتزم الصمت تجاه تلك التصنيفات، مكتفياً برد من كلمتين هما “الشعب يريد”، وهو الشعار الذي اختاره لحملته الانتخابية ليوصل رسالة بأنه غير محسوب على أحد، لا سيما أن بداية ظهوره إلى العلن كانت بعد الثورة التونسية في مطلع عام 2011، حين راح يحل ضيفاً على البرامج التلفزيونية والصحف متحدثاً بصفته خبيراً دستورياً وقانونياً.

خطة الرئيس التي أعلنها أثناء حملته الرئاسية والتي تقضي بالتصالح مع رجال الأعمال الفاسدين أو المتهمين بالفساد في مقابل تطوير المناطق الأكثر فقراً في البلاد لاقت وابلاً من الهجمات، لأن بعض المعارضين يرون أن رد الأموال المنهوبة أمر ضروري، ولكن بشرط الزج برجال الأعمال الفاسدين في السجون ليكونوا عبرة.

لم يكن خطاب الفوز في الانتخابات الرئاسية بعيداً عن الانتقاد. المواقف القومية المتقدمة التي أطلقها الرئيس المنتخب، والتي تحدثت عن أمنيته بوجود علم فلسطين بجانب علم تونس، واعتباره أن التطبيع والتعامل مع الكيان الصهيوني المحتل خيانة، عرّضته أيضاً لانتقادات حادة من المحللين في العديد من القنوات التونسية، حيث طولب بأنّ يهتم بمشاكل تونس الكبيرة أولاً، فيما اعتبر آخرون أن فلسطين لن تتحرر بهذه الكلمات “العنترية”، وأن الرئيس ما كان يجب أن يتحدث في هذا الأمر.

وكشف استطلاع أجرته شركة “سيغما كونساي” المتخصصة في الرأي العام، أن 90 في المئة من مؤيدي سعيد هم من شريحة عمرية تتراوح بين 18- 25 عاماً، ما يعني أنه يتسلح بدعم الشباب التونسي، الذي يرى فيه الأمل في مكافحة الفساد وتطوير الاقتصاد وحل المعضلات التونسية.

ومع ذلك، فإنّ آراء الرئيس الجديد المحافظة تجعله عرضة للانتقاد الحاد من قبل شرائح واسعة من المجتمع التونسي، وخصوصاً تصريحاته المثيرة للجدل التي قال فيها إنه يرفض مساواة النساء والرجال في الميراث، ورفضه إلغاء عقوبة الإعدام وإسقاط العقوبات على المثلية الجنسية، وهي مواقف وضعته في الخانة ذاتها مع التيارات السياسية الإسلامية.

وما زاد من حدة هذه الاتهامات، كانت الدعوة التي أطلقتها “حركة النهضة” لمناصريها للتصويت لقيس سعيد في انتخابات الإعادة الرئاسية.

ولكن الترابط المفترض بين سعيد والنهضة لن يبقى في إطار التكهنات المفتوحة، فثمة تحدٍّ جدي يواجهه الرئيس الجديد، وهو قدرته على حسم الخيار بين احتواء الحركة الاسلامية، أو الذهاب إلى الصدام معها، خاصة في ظل طفا على السطح من تباينات في وجهات النظر حول قضايا عدّة.

هذا التحدي سيكون اختبار قوة لكلا الطرفين، ومن سيخرج منتصراً، سيصبح قادراً على إدارة الأوضاع في البلاد خلال السنوات القادمة.

يقول الكاتب والأكاديمي د. أمين بن مسعود لـ “180” إن “الاستفسارات المحيطة بالرئيس قيس سعيد مرتبطة بالأساس بالطابع الفجائي لترشحه في الانتخابات الرئاسية، واكتساحه لها، لا سيما أنه لم يعتمد على حملة انتخابية أو دعائية كلاسيكية، بل استند فقط إلى منظومات اتصالية وانتخابية، وهو بالتالي يمثل ظاهرة تحتاج إلى دراسة عميقة، خصوصاً بعدما تمكن من الفوز على المنظومات المالية والإعلامية والسياسية الكبرى، والفوز على مرشحين أقوياء، من بينهم رئيس وزراء حالٍ، ووزير دفاع، ورئيس جمهورية سابق، ورئيس برلمان بالنيابة”.

ويرى بن مسعود أنه بدلاً من الانتقادات غير المجدية، أو التي لا أساس لها، يجب النظر بعين الاعتبار إلى ظاهرة قيس سعيد التي تستحق الدراسة والقراءة، كما يجب التركيز على شعارات حملته الرئاسية مثل محاربة الفساد ومجتمع سيادة القانون وهي أفكار يريد المواطن التونسي تكريسها على أرض الواقع، ما يجعل الرئيس مطالباً بتوضيحات أكثر بشأن برنامجه ومشروعه السياسي.

وبحسب بن مسعود فإنّ الرئيس التونسي واضح في تصريحاته وتصوراته للدولة وسيادتها، بالإضافة إلى صراحته في استمرار الحرب على الإرهاب، علاوة على أنه متسق مع ذاته في اعتبار التطبيع مع الكيان الصهيوني خيانة عظمى، وهو ما سيبني عليه شراكاته المتوسطية والأفريقية بما يحافظ على العمق الاستراتيجي لتونس.

ينفي بن مسعود أن يكون لـ”حركة النهضة” الفضل في نجاح قيس سعيد، لأن الجميع دعمه إلا أحزاب “الفلول” مثل الدستوري الحر.

الميزة الإضافية أن الشباب دعموه، بالإضافة إلى الأحزاب الكبرى مثل “التيار الديمقراطي” و”حركة الشعب” والأحزاب اليسارية والقومية وحتى الوسطية، مع الإشارة إلى أن الأحزاب التي لم تؤيده لم تناصر منافسه نبيل القروي مثل “حزب العمال” أو بدرجة أقل حزب “تحيا تونس”.

يدعم بن مسعود وجهة نظره بالإشارة إلى أن حركة النهضة حصلت على 460 ألف صوت في الانتخابات الرئاسية، ونحو 600 الف صوت في الانتخابات التشريعية، في حين حصد الرئيس الجديد مليوني و770 ألف صوت، ما يجعله ظاهرة عابرة للأحزاب والشرائح الاجتماعية والعمرية، كما أنه نجح في إعادة الروح إلى شعارات الثورة واستعادة الزخم التوافقي الذي كان موجوداً عام 2011، معبراً عن أمنياته بأن يوظف شرعيته وشعبيته المتقدمة لما فيه خير تونس وخير ثورتها وديمقراطيتها الوليدة.

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download