بين مهلة ترامب و«أبواب الجحيم».. حرب بلا مخرج

في الحروب الكبرى، لا تكمن الخطورة في بدايتها بقدر ما تكمن في نهايتها. وعندما تدخل المواجهات طور الاستنزاف من دون أفق سياسي واضح، تتحوّل من أدوات ضغط إلى مسارات مفتوحة على المجهول. هذا ما يبدو أنه يحكم مسار العدوان الأميركي–"الإسرائيلي" على إيران، حيث تتقاطع رهانات الحسم السريع مع واقع ميداني معقّد، يفرض إيقاعًا مختلفًا ويعيد طرح سؤال: كيف تنتهي هذه الحرب؟

دخل العدوان الأميركي–”الإسرائيلي” على إيران أسبوعه السادس، وقد بات مؤكدًا، من خلال سير العمليات الحربية، أن المخططين للعدوان في الإدارة الأميركية لم يكن لديهم استراتيجية خروج لإنهاء الحرب، سوى إجبار إيران على الاستسلام. كما أن تقديراتهم كانت متفائلة جدًا لجهة تحقيق هذه النتيجة خلال أيام قليلة، بعد اغتيال المرشد علي خامنئي والقيادات العسكرية العليا للبلاد. وفي الوقت نفسه، لم تنجح الخطط البديلة التي وضعها هؤلاء المخططون في حسبانهم، في حال لم تستسلم إيران بعد الضربة الأولى الكبيرة. فبدلًا من الاحتجاجات الشعبية التي راهنوا عليها، خرج الشعب الإيراني في مختلف مدن البلاد لدعم النظام، ليس حبًا به، بل تمسكًا بسيادة بلاده. وبدلًا من الغزو الكردي لشمال غرب إيران، فإن الأسلحة التي أرسلتها واشنطن للأكراد لإيصالها إلى المحتجين، احتفظ بها الأكراد، ولم يرتضوا لأنفسهم الوقوع في فخ استخدامهم أداة لضرب إيران.

ومع انسداد المسارات الأساسية والبديلة، لم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمامه سوى تصعيد الخطاب إلى أقصى حدوده، ملوّحًا بإعادة إيران إلى «العصر الحجري»، ومحددًا مهلة تنتهي فجر غدٍ الأربعاء قبل «فتح أبواب الجحيم» وتدمير الجسور ومعامل الكهرباء ومحطات تحلية المياه؛ فهل سنشهد هذا «الجحيم»، أم أن ترامب سيفاجئ العالم بوقف الحرب، معلنًا الانتصار، بعد تأكيده أنه دمّر القدرات النووية والبالستية والجوية والبحرية لإيران؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، لا بد من الإشارة إلى أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال إن بلاده تسلّمت اقتراحًا لوقف الحرب، وإنها تدرسه، ولكن ليس وفق المهلة الزمنية التي حدّدها ترامب. ولم يذكر تفاصيل الاقتراح، لكن إحدى وكالات الأنباء الأجنبية ذكرت أن طهران وواشنطن تسلّمتا خطة أعدّتها كل من باكستان ومصر والسعودية، تتضمن وقفًا فوريًا لإطلاق النار، مقابل تخلي إيران عن السلاح النووي (علمًا أن إيران دأبت على نفي امتلاكها هذا السلاح)، ورفع العقوبات عنها، والإفراج عن أصولها المجمدة، وفتح مضيق هرمز.

ولم يشر الاقتراح إلى ما سيكون عليه الوضع في جبهات لبنان والعراق واليمن، وما إذا كانت ستكون مشمولة بوقف إطلاق النار أم لا، علمًا أن إيران كانت قد أوضحت سابقًا أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يكون شاملًا ومستدامًا، مع ضمانات بعدم تكرار العدوان. كما أكدت، على لسان وزير خارجيتها، أنه في حال رغبت واشنطن بوقف إطلاق النار بينها وبين طهران فقط، فلا مانع لديها، لكن ذلك يعني استمرار القصف الإيراني لـ”إسرائيل”، على غرار ما حصل سابقًا مع «أنصار الله» في اليمن.

إذا صحّ هذا الطرح، وتجاوبت واشنطن وطهران معه، فقد يشكّل ذلك مدخلًا لإنهاء الحرب، ليس فقط على إيران، بل أيضًا على لبنان والعراق واليمن، ويفتح الباب أمام إعادة رسم التوازنات الإقليمية وفق تفاهمات جديدة.

أما في حال عدم التوصل إلى اتفاق، فإن الأمور تتجه نحو أحد احتمالين: إما تمديد المهلة الزمنية التي منحها ترامب لإيران، أو الذهاب إلى مزيد من التصعيد الميداني. وهنا، لا يمكن التنبؤ بما قد يقدم عليه ترامب، وبخاصة أنه بات الرئيس الأميركي الأقل مصداقية في تصريحاته في تاريخ الولايات المتحدة.

ويطرح احتمال الفشل في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، سواء كان مؤقتًا أو دائمًا، سؤالًا أساسيًا: ما هو «الجحيم» الذي يتحدث عنه ترامب؟

ما هو مؤكد أن العدوان فشل حتى الآن في تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، وهو ما يتضح من خلال القصف اليومي الذي تنفذه إيران على “إسرائيل” وعلى مواقع القوات الأميركية في الخليج. وبطبيعة الحال، فإن فتح «أبواب الجحيم» لن يكون على إيران وحدها، بل على المنطقة بأسرها.

فأي استهداف للبنية التحتية الإيرانية، ولا سيما محطات الكهرباء وتحلية المياه، سيستدعي ردًا مماثلًا على البنى التحتية في “إسرائيل” ودول الخليج، بما قد يؤدي إلى شلل شبه كامل في مقومات الحياة، خصوصًا في دول الخليج، فضلًا عن تداعيات اقتصادية كارثية.

وإذا امتدت المواجهة إلى حقول النفط والغاز، فإن إشعالها في إيران ودول الخليج لن يدمّر اقتصادات هذه الدول فحسب، بل سيقود إلى انهيارات اقتصادية أوسع، مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة.

وفي قراءة لمعنى «أبواب الجحيم»، ذهب بعض المحللين إلى احتمال استخدام السلاح النووي التكتيكي، مستحضرين ما جرى في هيروشيما وناغازاكي.وعندما يقال سلاح نووي تكتيكي فإن أي قنبلة من هذا النوع ستؤدي الى مقتل ما لا يقل عن مليون شخص في أي مدينة إيرانية تُستهدَف، ومن شأن ذلك أن يفتح أبواب الجحيم ليس على إيران بل على دول أخرى تعيش نزاعات مسلحة، فما الذي سيمنع روسيا من استخدام السلاح نفسه في أوكرانيا مثلاً أو سيمنع الهند أو باكستان من استخدام هذا السلاح وكلتاهما تملكان أسلحة نووية؟

إقرأ على موقع 180  قرار محكمة العدل.. لنُوقف التهليل!

هذا السيناريو، برغم خطورته، يبدو مستبعدًا، وإن لم يكن مستحيلًا، نظرًا لتداعياته الكارثية على المنطقة بأكملها.

فإيران ليست جزيرة معزولة، بل دولة مترابطة جغرافيًا مع محيطها، وأي استخدام للسلاح النووي سيؤدي إلى انتشار التلوث الإشعاعي في دول عدة، بما فيها دول حليفة لواشنطن، ما يجعل هذا الخيار بالغ الخطورة وغير قابل للضبط.

إلى ذلك، فإن طبيعة النظام الإيراني لا تسمح له بالاستسلام، مهما بلغت التضحيات، ما يجعل خيار الحسم العسكري الكامل بعيد المنال.

في المحصلة، يكشف الحديث عن «أبواب الجحيم» عن أزمة عميقة في مقاربة الإدارة الأميركية للحرب، حيث يتقدّم منطق القوة على حساب السياسة والقانون الدولي والشرعية الدولية (الأمم المتحدة)، في عالم لم يعد يحتمل حروبًا بلا ضوابط. يُحيلنا ذلك للقول إن أميركا باتت قوة فاشية عسكرية تُهدّد ليس دولاً أضعف منها فقط بل تُهدّد السلم العالمي على كل كوكب الأرض، فكما يقول الكاتب المسرحي الألماني بريخت في وصفه الفاشية، “تبدأ بالشيوعية.. وتنتهي بالملك”.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني؛ كان يُوقّع مقالاته باسم "ماهر أبي نادر" لضرورات عمله

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  سوريا حائرة بين فك عزلتها وعاصفة تطبيع تحاصرها