المعطي منجب.. أكثر المغاربة حزماً للحقائب وأقلهم سفراً!

يوم الخميس الماضي (4 يونيو/حزيران 2026)، منعت السلطات في مطار الرباط - سلا المؤرخ والأكاديمي المغربي المعطي منجب من السفر مجدداً. والحقيقة أنه لم يعد أحد يذكر كم عدد المرات التي رتّب فيها ملابسه، وتأكد من إغلاق سحاب حقيبته، وتوجه إلى المطار بنية الطيران، ليرتطم في النهاية بالجدار البيروقراطي السميك الذي يوصد دونه الحدود.

هذه المرة لم يكن المشهد عادياً؛ فقد رافقه جمع غفير من الأصدقاء والرفاق والحقوقيين، في موكب تضامني دعت إليه اللجنة الوطنية لمتابعة ملف المعطي منجب.

كأي مسافر مثالي لا تشوبه شائبة: الحقيبة جاهزة؛  جواز السفر في الجيب، ودعوة الندوة العلمية الدولية تلمع في اليد، والمودعون يقفون صفوفاً يلوحون بأيديهم ويتمنون له رحلة سعيدة وعودة ميمونة.

وبما أننا في بلد العجائب، فإن قوانين الفيزياء والطقوس الاجتماعية تخضع لإعادة تدوير سياسية.

في العالم الطبيعي يغادر المودعون بمجرد اختفاء المسافر خلف بوابات الجمارك.

أما في حالة المعطي منجب، فقد ظلّ المودعون رابضين خارج المطار، لا ينتظرون إقلاع الطائرة، بل ينتظرون خروج المسافر مجدداً، كأنهم في وقفة لاستقبال عائد من الغربة.

وما هي إلا لمحة بصر حتى تحقق التنبؤ. ها هو المسافر يعود إليهم يجر خيبته وحقيبته ذات العجلات، التي باتت تعرف رصيف المطار أكثر مما تعرف مدارج الطائرات. لقد تكرر السيناريو المحفوظ: الحدود الجوية مغلقة، والتذكرة والجواز لا يصلحان إلا للزينة، فالمعطي لا يمكنه الطيران لأنه ببساطة.. بلا أجنحة!

أجنحة الرجل قُصّت بعناية فائقة منذ أعوام: فصل من العمل، وحجز على راتبه وحسابه المصرفي، ومنع متتالٍ من السفر في أكتوبر/تشرين الأول 2021، ثم في مارس/آذار 2026، بموجب قرار من وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط، بتهمة غسل الأموال، التي باتت التهمة القضائية الجاهزة لكل من يرفع صوته.

رعاية المخزن القسرية!

وقفة الحقوقيين في آذار/مارس 2026 تضامنا مع منجب في حقه في السفر

مسكين المعطي منجب حين توهم أن أجنحته قد نبتت من جديد بعد أن شمله العفو الملكي في يوليو/تموز 2024. لكن يبدو أن العفو كان عفواً مجازياً أو حبراً على ورق نُسج لغايات الاستهلاك الإعلامي. وكما يقال في المأثور الشعبي: “اللسان ما فيه عظم”، ومذيعو القنوات الرسمية يملكون ألسنة مطاطية قادرة على الطيران بالبشر في الهواء، بينما أقدامهم راسخة في منع السفر!

تؤكد الهيئات الحقوقية والنشطاء، بكثير من النوايا السيئة، أن هذه المحاكمات والتضييقات تستهدف المعطي بسبب آرائه وانتقاداته للسلطة ودفاعه المستميت عن حقوق الإنسان.

يا لهم من واهمين! الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، والدولة بريئة من تهمة التضييق براءة الذئب من دم ابن يعقوب. الأمر وما فيه أن المخزن يحمل هماً كبيراً تجاه سلامة مواطنه المعطي؛ فهو يخشى عليه من تقلبات الطقس. فالطقس في الخارج غير مستقر ومتقلب، ولا يناسب صحة المؤرخين.

كما أن التغذية الأوروبية الغربية مليئة بالمواد الحافظة التي قد لا تلائم معدته، خصوصاً أن الرجل يعاني من أمراض مزمنة تسببت فيها إضراباته الأسطورية السابقة عن الطعام. فكيف تسمح له الدولة بركوب الطائرة والتعرض لضغط الجو؟

إنها رعاية صحية واجتماعية وإنسانية قسرية.. والمعطي لا يعلم أن الخير فيما اختاره المخزن الغفور الرحيم، الذي يطبق حرفياً قاعدة: “اجلس في بلادك، تأكل خبزك وتشرب ماءك، ولتحيا السلامة البيروقراطية”.

وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.

مهنة حزم الحقائب

وقفة التضامن مع المعطي ضد آخر منع سفر تعرض له في 4 حزيران/يونيو 2026

بناء على ما تقدم، ومن باب النصح الأخوي الصادق، نتوجه إلى المؤرخ المعطي منجب بنصيحة ذهبية لاستعادة صوابه وطرد وسواس السفر من دماغه:

يا سيدي، سافر بخيالك! فالخيال مجاني، لا يحتاج إلى تأشيرة شنغن، ولا يخضع لمراقبة شرطة الحدود، ولا يتطلب موافقة وكيل الملك.

ليكن الخيال زادك في سفر متخيل. وبدل أن تضيع وقتك في طوابير المطار، نقترح عليك أن تجلس في بيتك، وتضع سماعاتك، وتستمع بتمعن إلى موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وهو يشدو بأغنيته الخالدة: “يا مسافر وحدك وفايتني.. ليه تبكي عيني وتولعني؟”، مع تعديل بسيط يناسب حالتك؛ فالذي يبكي ويلوعنا ليس فراقك، بل إصرارك العجيب على حزم الحقائب!

ألم تتعب يا رجل؟ ألم تستوعب بعد أن السفر حق، غير أن البقاء في الوطن واجب… قسراً؟

نعلم أن في السفر سبع فوائد، لكن في سفرك أنت بالذات أضراراً جمة لو كنت تعلم!

أضرار عليك:

  • لأنك قد تصاب بـ”دوار الطائرة” أو صدمة حضارية تنسيك دفء الأرصفة المحلية.

وأضرار على الآخرين:

  • لأنك تحرم موظفي المطار من متعة ممارسة هوايتهم المفضلة في ختم عبارة “ممنوع من المرور” على تذكرتك.

وإذا كان لا بد لك من التبورد والسياحة، ولم تستطع مقاومة غريزة الترحال، فالبلاد واسعة والحمد لله. خذ القطار أو اركب الحافلة، وسافر عبر جهات المملكة الاثنتي عشرة.

ونصيحتنا: أسرع في رحلتك قبل أن تفاجئك الدولة بتقليص عدد هذه الجهات، كما يتسرب ويتردد في كواليس الأخبار، فالمخزن يعشق الاختصار، وقد تجد نفسك غداً مسافراً بين ثلاث جهات فقط!

صفة المؤرخ مهددة!

إقرأ على موقع 180  كفى خداعاً: "بناءُ الدّولة" في لبنان.. ليس بنداً واحداً!

نتمنى صادقين أن يعفينا المعطي من هذا الشغب الحقوقي والأكاديمي الذي يسيء إلى سمعة الوطن في المحافل الدولية. وكأن سمعتنا كانت تحتاج إلى منعك لتصبح “ترند”!

استمرارك في المحاولة قد يسقط عنك صفة الأستاذية والرزانة الأكاديمية والانتماء إلى جمهرة المؤرخين. فالمؤرخ الحقيقي هو من يوثق التاريخ، لا من يحاول صناعة الحدث عند بوابة الجمارك أو باب معرض الكتاب.

إن قضيتك خاسرة يا السي المعطي، ولن يحفظها التاريخ. ببساطة لأن التاريخ يكتبه المنتصرون، والمنتصر هنا هو من يملك المفتاح وقفل الحدود، أما أنت فلن تملك سوى أرشيف من الدعوات إلى الندوات والتذاكر غير المستعملة.

وبه الإعلام والسلام.

والله يجيب من يفهّم المعطي منجب، ويهمس في أذنه بالدارجة المغربية القحة:

“يا خونا المعطي.. ادخل سوق راسك واعطِ للمخزن التِّيقارْ.. راه مَن خاف نجا.. واللي بغا يطير بلا ريش كيعشيها ليه المقص!”

من «The Terminal» الهوليودي إلى «البلوكاج» المغربي

في زمن مضى تحولت قصة ذلك اللاجئ الإيراني الذي عاش معتكفاً لسنوات في أروقة مطار شارل ديغول بباريس إلى فيلم سينمائي عالمي شهير.

لكن إذا كانت هوليود قد أبكت العالم واستدرّت عطفه بقصة رجل ضائع بلا أوراق في صالة ترانزيت، فإن قصة المعطي منجب تصلح لسيناريو فيلم عالمي من نوع آخر تماماً؛ فيلم يمزج بين الدراما النفسية والكوميديا السوداء، ويمكن أن يحمل عنواناً مشوقاً مثل: “The Terminal: نسخة الرباط – سلا”، أو “مواطن فوق العادة… وتحت الحظر!”.

المفارقة السينمائية هنا تتجاوز الفيلم الأصلي بكثير. فالبطل الهوليودي، مهران كريمي ناصري، كان يعيش داخل المطار لأنه لا يملك أوراقاً تثبت هويته للدخول إلى أي بلد.

أما البطل المغربي، المعطي منجب، فيملك الهوية والأستاذية والتذكرة والجواز والجنسية المزدوجة والعفو الملكي، ويقف خارج المطار، لكنه ممنوع من العبور لأن هويته معروفة أكثر من اللازم لدى السلطات!

تخيلوا المشهد الإخراجي: الكاميرا تتحرك ببطء، ترصد المعطي وهو يجر حقيبته تحت أضواء المطار، والموسيقى التصويرية ليست لمحمد عبد الوهاب هذه المرة، بل مؤثرات صوتية لآلة الختم الجمركي وهي تهوي كالمقصلة على جواز سفره.

هذا الفيلم لن يحتاج إلى ديكورات مكلفة، فكل أحداثه تدور في مساحة خمسة أمتار مربعة بين بوابة المغادرة ورصيف المودعين. إنه فيلم عن “السفر السيزيفي”، نسبة إلى أسطورة سيزيف، حيث يحمل المعطي حقيبته إلى قمة المطار، لتتدحرج به السلطات مجدداً إلى نقطة الصفر خارج الأسوار.

لكن هل ستلقى قصة المعطي مخرجاً عالمياً؟

غامر يا معطي، وبع حقوق القصة إلى “نتفليكس”، عسى أن تدر عليك أرباحاً تعوضك عن حسابك البنكي المحجوز، فالأفلام التي تبدأ بحقيبة وتنتهي برصيف هي الأكثر مبيعاً في سينما الواقع المرير!

إن قصة المعطي منجب قصة واقعية، لكنها تحمل عناصر سينمائية فريدة من نوعها. فالمفارقة بين رجل ممنوع من السفر ورجل ممنوع من دخول أي بلد، مفارقة تختزن الكثير من الضحك والدموع.

فهل سيتمكن المعطي منجب من العثور على طريقة للخروج من محطة الانتظار؟ أم أنه سيقضي ما تبقى من رحلاته بين بوابة المغادرة ورصيف المودعين، في نسخة مغربية مفتوحة من “الترمينال”، حيث لا تنقصه الأوراق ولا الدعوات ولا التذاكر، بل تنقصه فقط تلك الخطوة الصغيرة التي تفصل بين حق السفر وإذن السفر؟

مرة أخرى يثبت المؤرخ والأكاديمي المغربي الدكتور المعطي منجب أنه الرجل الأكثر حزماً للحقائب في المغرب، والأقل سفراً في العالم!

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  لماذا يكذب السياسيون.. ولماذا يُصدّقهم الناس؟