في هذا النموذج لا يعود الماضي مجرد مرحلة تم تجاوزها، بل يتحول إلى عبء يجب التخلص منه. لذلك لا يكتفي صاحبه بمراجعة أفكاره، بل يشعر بحاجة دائمة إلى البرهنة على أنه أصبح شخصاً آخر. وكثيراً ما تكون المبالغة في الهجوم على الماضي انعكاساً لعدم القدرة على التصالح معه.
ومن المثير للاهتمام أن هذا التحول لا يظهر عادة في صورة دفاع مباشر عن الرأسمالية أو الإمبريالية أو الهيمنة الغربية. فالخطاب الجديد يحتاج إلى شرعية أخلاقية، لذلك يختبئ خلف مفردات تبدو نبيلة في ظاهرها: الديموقراطية، الدولة، حقوق الإنسان، المجتمع المدني، التعددية، ومكافحة الاستبداد إلخ..
فتجد شيوعياً سابقاً يتحدث اليوم وكأن الديموقراطية الليبرالية، في صورتها الرأسمالية القائمة، هي نهاية التاريخ وأفق البشرية الأخير، متناسياً أن النقد اليساري التقليدي لم يكن موجهاً ضد الديموقراطية الشعبية (مجالس السوفيات مثلاً)، بل ضد الديموقراطية البرجوازية التي يكمن جوهرها في إحكام هيمنتها، أو ممارسة ديكتاتوريتها، كطبقة سائدة تعيد إنتاج سلطتها عبر آليات انتخابية تعمل داخل منظومة تحكمها سلطة المال والشركات الكبرى. فجأة يصبح النظام الذي كان يُنظر إليه بالأمس باعتباره نظاماً للهيمنة الطبقية النموذج الأعلى للحرية الإنسانية.
وتظهر المفارقة بصورة أوضح حين يتعلق الأمر بالمقاومة. فباسم التقدمية والعلمانية، يعمد بعض “اليساريين” السابقين والحاليين إلى إقامة مقارنة ميكانيكية بين تجربة “جمول” (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية) والمقاومة الإسلامية، بعيداً عن التحولات التي شهدها الصراع في مرحلة ما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وكأن التناقض الأساسي بين الاحتلال والتحرر الوطني يمكن محوه لمجرد أن المقاومة تتبنى خطاباً دينياً أو مرجعية ثقافية لا تنسجم مع التصورات اليسارية التقليدية أو الكلاسيكية.
هنا تُستخدم العلمانية لتغليب التناقضات الثانوية على التناقض الرئيسي. ويصبح الانتماء الديني للمقاومة أهم من طبيعة الصراع نفسه. فلا يعود السؤال: ما طبيعة المشروع الصهيوني؟ ومن يحتل ومن يقاوم؟ ومن يفرض الحصار ومن يدفع ثمنه؟ بل يصبح: هل تتطابق المقاومة مع النموذج الأيديولوجي الذي نفضله أم لا؟
في مثل هذه الحالات لا يكون النقد موجهاً إلى ممارسات أو أخطاء محددة، بل إلى فكرة المقاومة ذاتها. ولأن مهاجمة هذه الفكرة بصورة مباشرة قد تكون صعبة أخلاقياً وسياسياً، يجري الالتفاف عليها عبر اختزال الصراع كله في الجانب الثقافي أو الديني.
لذلك يبدو أحياناً أن بعض اليساريين التائبين لا يحاكمون التجارب السياسية بقدر ما يحاكمون أشباح ماضيهم. فكل ما يذكّرهم بالالتزام القديم، أو بفكرة التحرر، أو بإمكانية تغيير العالم خارج الأطر التي يقرها النظام القائم، يصبح موضع ريبة وعداء. وهكذا تتحول التوبة الفكرية إلى عملية مستمرة من نفي الذات السابقة، لا إلى مراجعة نقدية هادئة لها.
مطاردة صورة اليسار!
المشكلة ليست في تغيير الأفكار، فذلك حق طبيعي وضروري أحياناً. المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى ثأر، والمراجعة إلى قطيعة وجودية، ويصبح الهدف إثبات البراءة من الماضي أكثر من فهمه. فالإنسان الذي استثمر جزءاً من هويته في قضية كبرى ثم انهارت أو هُزمت لا يخرج منها دائماً هادئاً. أحياناً يخرج محمّلاً بالغضب، لا على الفكرة وحدها، بل على نفسه التي آمنت بها يوماً. هنا لا يكتفي اليساري التائب بمغادرة اليسار، بل يحتاج باستمرار إلى إعلان هذه المغادرة وإعادة تمثيلها أمام الجمهور، وكأن التوبة فعل لا يكتمل أبداً. ومن هنا يمكن فهم المبالغة التي يظهرها بعض اليساريين السابقين في الدفاع عن النقيض الكامل لما آمنوا به يوماً؛ فالتشدد الجديد لا يعكس دائماً قوة الاقتناع، بل قد يعكس عمق الصراع. وكلما كانت القناعة القديمة جزءاً أساسياً من الهوية، ازداد العنف الرمزي الموجّه ضدها بعد الانفصال عنها. لذلك تبدو بعض هذه المعارك شخصية أكثر منها فكرية، إذ لا يكون الخصم الحقيقي دائماً هو اليسار القائم، بل صورة اليسار التي ما زالت تعيش في الذاكرة.
ولا يمكن فهم تحولات هؤلاء اليساريين بمعزل عن البيئة السياسية والمادية. فمع انهيار الاتحاد السوفياتي وتراجع الحركات الشيوعية والعمالية واليسارية عالمياً، لم تتغير الأفكار وحدها، بل تغيرت أيضاً شبكات التمويل والتأثير وصناعة النخب. ففي العديد من البلدان، سواء في المعسكر الاشتراكي السابق أو في بلدان الجنوب العالمي، برزت المنظمات غير الحكومية الممولة من مؤسسات غربية أو إقليمية بوصفها عنصراً شديد النفوذ والفاعلية، كما برزت مشاريع سياسية واقتصادية امتلكت موارد مالية وإعلامية ضخمة، فاستقطبت أعداداً من الشباب والمثقفين والكوادر الذين كانت تجاربهم قد تشكلت داخل أحزاب وحركات يسارية أو قومية.
وفي الحالة اللبنانية تحديداً، ارتبط صعود المشروع الذي قاده رفيق الحريري في مطلع تسعينيات القرن الماضي بإعادة تشكيل واسعة للنخب السياسية والثقافية والإعلامية. ولم يكن الأمر مجرد انتقال أفراد من موقع فكري إلى آخر، بل انتقال جزء من الكوادر التي نشأت في بيئات يسارية أو وطنية إلى فضاء سياسي جديد فرض أولوياته ولغته ومفاهيمه الخاصة.
وهكذا تداخلت المراجعات الفكرية الحقيقية مع اعتبارات الموقع الاجتماعي والمهني والتمويل والعلاقات السياسية، بحيث أصبح من الصعب أحياناً الفصل بين التحول الفكري الخالص وبين التحولات التي فرضتها موازين القوى الجديدة. كما أن الهوية الطبقية البرجوازية الصغيرة للعدد الأكبر من قادة وكوادر اليسار، وخصوصاً الشيوعي، كان لها دور قوي في هذا التحول.
فالأفكار لا تتحرك في الفراغ. والمثقف، مهما حاول أن يقدم نفسه بوصفه كائناً مستقلاً عن شروطه المادية، يبقى جزءاً من شبكة مصالح ومؤسسات وعلاقات تؤثر في خياراته وحدود خطابه. لذلك فإن بعض التحولات التي قُدمت بوصفها انتصارات فكرية للديموقراطية الليبرالية قد تُقرأ أيضاً بوصفها تعبيراً عن صعود منظومة سياسية وثقافية جديدة امتلكت من أدوات النفوذ ما لم يكن متاحاً لخصومها، أولئك الذين رفضوا خيانة مبادئهم وقناعاتهم.
لكن القضية في النهاية ليست قضية أفراد، ولا هي محاكمة لسير ذاتية أو خيارات شخصية. فالأفكار لا تُقاس بأسماء من اعتنقوها أو تخلوا عنها، بل بقدرتها على تفسير الواقع والمساهمة في تغييره. والتاريخ لم يثبت يوماً خطأ فكرة لأن خصومها انتصروا في لحظة معينة من موازين القوى، أو لأن بعض أنصارها ارتدوا عنها.
خلاصة
لقد شهد القرن العشرون انهيار تجارب كبرى وانكسار أحلام هائلة، لكنه شهد أيضاً سقوط “يقينيات” أخرى كانت تبدو ثابتة. ولذلك فإن السؤال الجوهري ليس لماذا غادر بعض اليساريين اليسار، بل ماذا بقي من الأسئلة التي طرحها اليسار على العالم: سؤال العدالة الاجتماعية، وسؤال الاستغلال، وسؤال الهيمنة الإمبريالية، وسؤال التحرر الوطني، وسؤال الكرامة الإنسانية في مواجهة سلطة رأس المال والقوة.
إن القيمة الحقيقية لأية مراجعة فكرية لا تكمن في إعلان البراءة من الماضي، بل في القدرة على الاحتفاظ بما كان فيه من عناصر حية، والتخلي عما أثبت الواقع عجزه أو خطأه. فالنقد الحقيقي لا يبدأ بإنكار الذاكرة، بل بفهمها؛ ولا يكتمل بالانتقال من عقيدة إلى أخرى، بل ببناء وعي أكثر حرية وقدرة على مواجهة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.
