“فورين أفيرز”: إيران تُعيد بناء دولتها.. وصياغة الشرق الأوسط (2)

أفرزت الحرب الأخيرة ضد الجمهورية الإسلامية "تحوّلاً عميقاً في بُنية الدولة الإيرانية، إذ لم تعد السلطة حكراً على الجيل المؤسس، بل انتقلت تدريجياً إلى أجيال لاحقة أكثر ارتباطاً بمؤسسات الدولة وأقل ارتباطاً بأيديولوجيا الثورة الأصلية"، حسب الكاتبين والي نصر ونرجس باجغلي، في مقالة لهما في "فورين أفيرز".

 مع بداية العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران، بدت الجمهورية الإسلامية مُنهكة وضعيفة. فقد دمّر القصف المكثّف أجزاء واسعة من القطاعات الصناعية والبُنى التحتية، فيما أدى الحصار البحري الأميركي إلى مزيد من تدهور الاقتصاد المتعثر أصلاً. حتى إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تباهى، بعد أسابيع من بدء العمليات، بإعلان «نصر كامل وشامل».

غير أن المشهد، بعد ثلاثة أشهر فقط، بدا مختلفاً جذرياً. فإيران ما زالت تحتفظ بقدراتها العسكرية والصناعية، ولم تظهر مؤشرات جدية على انتفاضة داخلية. كما ثبت أن الهدف المركزي للحرب، أي توجيه ضربة قاضية للجمهورية الإسلامية، كان غير قابل للتحقق عملياً.

وبدل أن تُضعف الحرب إيران، فإنها أعادت تشكيلها بطرق غير متوقعة. فقد اضطرت الجمهورية الإسلامية، تحت ضغط البقاء، إلى التكيّف السريع والابتكار المؤسسي، فعدّلت أساليب إدارتها للحرب والدولة والمجتمع معاً. وخرجت طهران أكثر ثقة بإنجازاتها، وأكثر ميلاً إلى ترسيخ مكاسبها داخلياً وخارجياً.

وقد أفرزت هذه الحرب «إيران جديدة»، يُتوقع أن تترك أثراً عميقاً في إعادة تشكيل الشرق الأوسط ومسارات الجغرافيا السياسية في السنوات المقبلة.

انتقال هادئ للسلطة

بعد أن اعتبرت إسرائيل والولايات المتحدة أن النظام الإيراني أصيب بالضعف نتيجة حرب الـ12 يوماً في حزيران/يونيو 2025، والاحتجاجات الواسعة في كانون الثاني/يناير 2026، أقدمتا على شنّ العدوان في 28 شباط/فبراير. وانطلقت العمليات من تصور مفاده أن «قطع الرأس» عبر استهداف القيادة سيؤدي إلى انهيار سريع. غير أن هذه المقاربة لم تفكك النظام، بل فتحت المجال أمام صعود جيل جديد إلى مراكز السلطة.

ويرى كثير من المراقبين الغربيين أن القيادة الجديدة، التي يهيمن عليها الحرس الثوري، أكثر تشدداً وعداءً للغرب. غير أن هذا التوصيف، على دقته الظاهرية، يبقى قاصراً عن إدراك جوهر التحول.

فالتحول الحقيقي لا يتمثل فقط في شخصيات عُليا مثل المرشد الأعلى السيد مُجتبى خامنئي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، بل في الرتب الأدنى: جيل جديد من قادة الحرس الثوري والمسؤولين الأمنيين والمدنيين، ممن نشأوا بعد ثورة 1979، وباتوا يتولون مواقع القرار الفعلية، حاملين رؤية قومية لإدارة الدولة والأمن.

وقد تشكّل وعي الجيل المؤسس للثورة عبر تجربة السجن والمنفى ومواجهة نظام الشاه المدعوم غربياً. أما الجيل الثاني، ومنه مُجتبى خامنئي وقاليباف ووحيدي، فقد صاغته حربا العراق وإيران. في حين أن الجيل الثالث، الذي يشكل اليوم العمود الإداري والعسكري للنظام، لم يعرف سوى إيران ما بعد الثورة، وتبلورت لديه مقاربة «الدولة الدفاعية» أكثر من الالتزام الأيديولوجي الصرف.

هذا الجيل يحكم اليوم بثقة من يرى أنه نجح في الدفاع عن إيران في حربين ضد قوى تفوقه عسكرياً، وحقق أحد وعود الثورة الأساسية: تقليص النفوذ الأميركي في الإقليم بصورة ملموسة.

كان علي خامنئي، الذي اغتيل في اليوم الأول من العدوان، ينتمي فكرياً إلى مرحلة ما قبل الثورة، وقد تشكل وعيه السياسي في حوار طويل مع القوميين واليساريين والليبراليين الذين شاركوه هدف إسقاط الشاه. أما الجيل الجديد، فلا يحمل هذا العبء. فهو يعتبر الجمهورية الإسلامية واقعاً مستقراً ومسلّماً به، ولم يسعَ إلى السلطة عبر الثورة، بل نشأ داخلها. ولذلك تحوّل من «مدافع عن ثورة» إلى «مدير لدولة».

الحرب صقلتهم

أنتج هذا التحول النفسي انعكاسات عملية واضحة. فبينما كانت القيادة السابقة تمزج بين الأيديولوجيا والمصلحة الوطنية، بات الجيل الجديد أكثر ميلاً إلى الفصل بينهما، وأكثر استعداداً للاعتراف بالمشكلات بدل إنكارها.

قبل هجوم حزيران/يونيو 2025، كان قادة إيران يعتقدون أنهم قادرون على الحفاظ طويلاً على حالة «لا حرب ولا سلام» مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن هذا التقدير انهار سريعاً. وبعد الحرب الأولى، توقعت القيادة الجديدة للحرس الثوري جولة صراع جديدة، ربما مباشرة مع واشنطن، ما دفع إلى مراجعة واسعة داخل مؤسسات الدولة.

وخلال أقل من ثمانية أشهر، شهدت إيران إصلاحات مؤسسية أعمق مما تحقق في عقد كامل، شملت نقل صلاحيات اقتصادية وإدارية من المركز إلى الأقاليم، وإعادة هيكلة أجهزة الإعلام والدعاية، وتسريع أداء البيروقراطية التي كانت تتسم تاريخياً بالبطء والجمود. وفي هذا السياق، برز التكنوقراط لاعباً أساسياً داخل النظام، مع صعود منطق الإدارة العملية على حساب الانقسام المؤسسي التقليدي.

بعد اغتيال خامنئي الأب، جرى انتقال السلطة إلى مُجتبى بسرعة ومن دون ارتباك يُذكر. وقد اختاره الجيل الجديد لقربه من رؤيته ودوره السابق في دعم بنية الحرس الثوري. كما أن طبيعة اغتيال والده داخل منزله، بين أسرته، وبعيداً عن أي تحصين، منحت القيادة الجديدة دافعاً إضافياً لتعزيز التماسك بدلاً من الانهيار.

فصل الثورة عن الدولة

عمل الجيل الجديد على إعادة ضبط العلاقة بين مؤسسات الدولة، عبر تقليص حالة التنافس والفوضى التي ميزت النظام لعقود. فبدلاً من شبكة مراكز قوى متداخلة، برزت بُنية أكثر انضباطاً ووضوحاً في القرار.

تم تشكيل مجلس دفاع أعلى جديد، وإعادة تنظيم القيادة العسكرية، فيما تولى قادة مثل قاليباف وعلي لاريجاني إعادة هيكلة الجهاز المدني والاقتصادي. ومعظم هؤلاء من قدامى المحاربين الذين شاركوا في حرب العراق، وراكموا خبرة طويلة في إدارة الأزمات المعقدة.

وقد أشرفوا على انتقال السلطة إلى جيل أكثر انتظاماً، أعاد بناء القوات المسلحة على نحو أقرب إلى شبكات مرنة ذات طابع عملياتي، بدلاً من الهياكل التقليدية الثقيلة. وبرغم استهداف عدد من هذه القيادات لاحقاً، بقيت البُنية المؤسسية التي أسسوها متماسكة وقادرة على الاستمرار.

دروس حرب 2025

في ساحة المعركة، طبّقت القوات المسلحة الإيرانية دروس حرب حزيران/يونيو 2025 بدقة عالية. فقد ردّت على العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي في 28 شباط/فبراير 2026 بسلسلة هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة صُممت لاستنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

انطلقت هذه الاستراتيجية من قناعة إيرانية بأن الخصوم يتوقعون انهيار القدرة الصاروخية سريعاً، وأنهم غير مهيئين لحرب طويلة. فخلال حرب 2025، كانت إسرائيل قد استهدفت مداخل ما يُعرف بـ«مدن الصواريخ» الإيرانية، ما أدى إلى إغلاقها، وأجبر طهران على نقل عمليات الإطلاق إلى مناطق شرقية بعيدة.

وردّت إيران بإعادة توزيع منصات الإطلاق على نطاق جغرافي واسع، وبإدخال فرق هندسية وعسكرية داخل «مدن الصواريخ» لإصلاح الأضرار فوراً، ما مكّنها من الحفاظ على وتيرة إطلاق أطول بكثير مما توقع خصومها.

كما لجأ الحرس الثوري إلى استخدام مكثف للطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة لإرباك أنظمة الرادار الأميركية واستهداف مواقع عسكرية في الخليج وإسرائيل، ما أدى إلى تشتيت منظومات الدفاع الجوي وفتح ممرات لعبور الصواريخ. وهكذا لم تكتفِ إيران بتحمل الضربات، بل طوّرت قدرة على تحويل التفوق العسكري للخصم إلى عبء عليه.

توازن جديد للقوى

يمثّل أبرز إنجاز للقيادة الجديدة نجاح استراتيجيتها في الصمود. فقد نجت الدولة من محاولات «قطع الرأس»، وصمدت أمام القصف الأميركي والإسرائيلي، وفرضت سيطرة فعّالة على مضيق هُرمز، وتصدّت للحصار البحري الأميركي.

وفي سياق الحرب، توسعت المواجهة إلى مواقع في الخليج، حيث ألحقت إيران أضراراً كبيرة بعدد من القواعد الأميركية، ما جعل بعضها خارج الخدمة. كما أجبرت فصائل عراقية الولايات المتحدة على الانسحاب من معسكر «النصر» في بغداد، أحد أهم مواقعها منذ 2003.

وأدت هذه التطورات إلى أزمة ثقة بين دول الخليج والولايات المتحدة، إذ بدت واشنطن، في نظر حلفائها، عاجزة عن حماية البُنى الحيوية التي جرّتها إلى الحرب. ومن المرجح أن يستمر هذا الشرخ حتى بعد انتهاء العمليات، مع إعادة تقييم دور القواعد الأميركية في المنطقة.

في المقابل، استخدمت إيران سيطرتها على مضيق هُرمز واستهدافها البنية التحتية للطاقة لفرض كلفة عالية على أسواق الطاقة العالمية، معتبرة أن ذلك يشكل توازناً جديداً للقوى. ورغم الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الإيراني نتيجة الحصار البحري، رأت طهران في ذلك دليلاً على القيمة الاستراتيجية لهيمنتها على المضيق.

كما اعتُبر انتقال الولايات المتحدة من الحرب الجوية إلى الحصار البحري اعترافاً ضمنياً بأن أدوات الحسم العسكري التقليدية لم تعد كافية. وقد تبنّى ترامب الحصار باعتباره «الرصاصة الفضية»، إلا أن نتائجه جاءت معاكسة، إذ زادت الضغوط على الاقتصاد العالمي من دون أن تحقق تفوقاً حاسماً على إيران.

ومن الآن فصاعداً، تعتبر إيران أن السيطرة على هُرمز ليست مجرد ورقة عسكرية، بل أداة اقتصادية وردعية، تعوّض جزئياً خسائرها، بما في ذلك تراجع نفوذ حزب الله وفقدان سوريا كممر استراتيجي بعد سقوط نظام بشار الأسد.

الدولة قبل الأيديولوجيا

تعتبر القيادة الإيرانية أن احتواء الولايات المتحدة لها انتهى عملياً، وأن النظام الإقليمي يتجه نحو تعددية قطبية، تتقدم فيها الصين، وتصبح إيران لاعباً مركزياً لا هامشياً.

وتسعى طهران إلى تثبيت مكاسبها في أي تسوية مستقبلية، عبر شروط تشمل: السيطرة على هُرمز، فرض رسوم عبور، ربط أي تسوية بوقف إطلاق النار في لبنان والمنطقة كلها، وإنهاء الحصار البحري الأميركي قبل أي اتفاق شامل.

وقد نجحت إيران في استخلاص دروس حرب الـ12 يوماً بسرعة؛ إذ وجدت نفسها في الحرب الأولى تقاتل وفق شروط فرضتها إسرائيل، بينما سعت في الحرب اللاحقة إلى فرض شروطها هي.

وإدراكاً منها لعدم قدرتها على مجاراة التفوق الأميركي والإسرائيلي في مجالات الاستخبارات الفضائية والدفاع الجوي، ركزت على إرباك عملية اتخاذ القرار لدى الخصوم، عبر خلق فجوة بين بيانات الاستشعار وتفسير القيادة العسكرية، واستهداف منشآت الرادار في الخليج.

إقرأ على موقع 180  بكين ولعبة "الروليت" الروسية

كما شكّلت السيطرة الفعلية على مضيق هُرمز تطوراً محورياً. فقد افترضت واشنطن قدرتها على تدمير الأسطول الإيراني مبكراً، لكن طهران تمكنت، عبر المسيّرات والزوارق والتهديد بالألغام، من فرض سيطرة عملية من دون مواجهة بحرية شاملة.

وبات المضيق يُنظر إليه كأصل استراتيجي إيراني أكثر من كونه ممراً دولياً محمياً أميركياً، ما يعكس تحولاً جذرياً في التفكير الاقتصادي الإيراني، من الاندماج في النظام الغربي إلى الاستثمار في الجغرافيا السياسية.

وفي السياق ذاته، دفعت الحرب إيران إلى تعميق شراكتها مع الصين، بعد أن خلصت إلى استحالة التطبيع مع واشنطن من جهة، وعدم القدرة على المواجهة منفردة من جهة أخرى. وترى طهران أن بكين تعتبرها شريكاً مستقراً وجديراً بالاستثمار، ما يعزز خيار الاعتماد المتزايد عليها في إعادة الإعمار.

التحول الإعلامي والاقتصادي

شكّلت الحملة الإعلامية الإيرانية خلال الحرب قطيعة مع الأساليب التقليدية، إذ استخدمت الدولة أدوات حديثة موجهة إلى جمهور عالمي، عبر السفارات ومنصات التواصل والمحتوى البصري والموسيقي، ما وسّع انتشار الرواية الإيرانية خارج الإقليم.

وفي المقابل، خلصت القيادة إلى أن الركود الاقتصادي يمثل التهديد الأخطر للاستقرار الداخلي. وانطلاقاً من دروس الاحتجاجات الأخيرة، أطلقت الحكومة بعد وقف إطلاق النار حزمة إصلاحات شملت تقليص الدعم، وإعادة توزيع الامتيازات الاقتصادية، وتسريع مشاريع إعادة الإعمار.

وقد أظهر الحرس الثوري كفاءة عسكرية متقدمة خلال الحرب، لكن التحدي الآن يتعلق بقدرته على نقل هذه الكفاءة إلى إدارة الاقتصاد.

التحول القومي والاجتماعي

في أعقاب احتجاجات كانون الثاني/يناير 2026، بدا المجتمع الإيراني في حالة انقسام حاد بين سخط داخلي متراكم وضغوط خارجية متزايدة. غير أن الحرب أعادت تشكيل هذا المشهد.

فبينما خلّف القصف دماراً واسعاً، وأطلقت الولايات المتحدة تهديدات بتغيير حدود إيران وإضعاف اقتصادها، نشأت استجابة قومية عابرة للانقسامات السياسية. لم يختفِ الاستياء من النظام، لكنه وجد مساراً جديداً للتعبير ضمن إطار مواجهة خارجية.

وخلافاً لتوقعات واشنطن وتل أبيب، لم تؤد الحرب إلى احتجاجات واسعة، بل إلى تعبئة اجتماعية: مسيرات يومية، سلاسل بشرية لحماية محطات الطاقة، وتجمعات في مواقع رمزية تعرضت للتهديد. ومع تراجع الفجوة بين الدولة والمجتمع بفعل التجربة المشتركة للقصف، تغيّرت نظرة كثيرين إلى المؤسسة العسكرية من سلطة قمعية إلى قوة دفاعية.

وفي هذا السياق، عبّر بعض المثقفين، مثل محمد مهدي أردبيلي، عن فكرة أن الدولة والمجتمع باتا كتلة واحدة في مواجهة تهديد وجودي، بحيث يصبح سقوط الدولة مرادفاً لسقوط الكيان الوطني نفسه.

كما امتد هذا التحول إلى الحياة اليومية. فقد لاحظ الإيرانيون استمرار توفر الغذاء والوقود وعدم انهيار الخدمات رغم القصف والحصار، ما ساهم في إعادة تشكيل تصورهم عن قدرة الدولة على الصمود.

ومع تقييد المعلومات الخارجية كإجراء أمني، وجد السكان أنفسهم معتمدين على الإعلام الداخلي وتطبيقات محلية، ما قلّص تأثير إعلام الشتات وفتح المجال أمام نقاش داخلي أكثر تماسكاً، وإن كان أكثر تعقيداً. وقد أقرّ بعض الفاعلين المدنيين، ممن كانوا يرفضون سردية النظام سابقاً، بأن تجربة الحرب فرضت إعادة تقييم للخطاب الرسمي حول الخطر الخارجي.

«هل أنت إيراني بما فيه الكفاية؟»

مرت الجمهورية الإسلامية عبر تاريخها بمحاولات متكررة لبناء عقد اجتماعي مع المجتمع. ففي البدايات، قام العقد على الثورة وإعادة توزيع الثروة. وفي التسعينيات، تمحور حول النمو الاقتصادي مقابل قدر من الانفتاح السياسي والاجتماعي. ثم رُبطت الشرعية بعائدات النفط مقابل الولاء السياسي، أو بالوعود الاقتصادية المرتبطة بالاتفاق النووي.

غير أن هذه النماذج فشلت في إنتاج استقرار دائم للعلاقة بين الدولة والمجتمع. أما الطرح الجديد فيقوم على «عقد قومي تكنوقراطي»، تُستمد فيه شرعية الدولة من قدرتها على الدفاع عن البلاد وإعادة بنائها. وهنا تتحول الهوية من إطار ديني صرف إلى إطار وطني ثقافي أوسع، إذ تُقدَّم إيران كهوية جامعة تتجاوز الانقسام الأيديولوجي.

وفي هذا السياق، بدأت الخطابات الرسمية تعكس تعددية اجتماعية بصرية وثقافية، بما في ذلك تمثيلات مختلفة للنساء والجيل الشاب، في محاولة لاستيعاب فئات كانت خارج المشروع السياسي التقليدي.

لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة انفتاحاً سياسياً. فالدولة لا تزال محافظة في بنيتها الأمنية، إلا أنها باتت أكثر إدراكاً لحاجتها إلى قاعدة اجتماعية أوسع من تلك التي توفرها الأيديولوجيا وحدها. ونتيجة لذلك، باتت الجمهورية الإسلامية أقرب إلى دولة قومية سلطوية ذات طابع أمني، أكثر من كونها نظاماً ثيوقراطياً تقليدياً.

وقد تحوّل معيار الانتماء السياسي من سؤال: «هل أنت مسلم بما فيه الكفاية؟» إلى سؤال أكثر اتساعاً: «هل أنت إيراني بما فيه الكفاية؟».

وتدرك القيادة أن هذا التماسك قد يكون ظرفياً، مرتبطاً بضغط الحرب. فمع تراجع التهديد الخارجي، من المرجح أن تعود التوترات الاجتماعية والاقتصادية إلى الواجهة. لذلك تسعى الدولة إلى ترسيخ بعض التحولات، مثل تخفيف القيود على الحجاب، والسماح بهامش أكبر من الأنشطة الثقافية، في محاولة لتحويل وحدة زمن الحرب إلى استقرار طويل الأمد.

السياسة الاقتصادية وما بعد الحرب

بالنسبة لصنّاع القرار في إيران، تُعد معالجة التحديات الاقتصادية أولوية حاسمة بعد انتهاء الحرب. وبينما تفترض واشنطن أن طهران لا تزال تسعى إلى التفاوض حول العقوبات، فإن تقدير الحرس الثوري مختلف جذرياً؛ إذ لم يعد يرى أن رفع العقوبات خيار واقعي أو مستدام.

وبدلاً من ذلك، تتجه الاستراتيجية الإيرانية نحو اتفاق يضمن إنهاء الحرب ويعزز المكاسب الميدانية، مع فتح المجال أمام عوائد اقتصادية جديدة، أبرزها فرض رسوم على الملاحة عبر مضيق هُرمز.

وتفسر واشنطن هذا الموقف على أنه تصلب أيديولوجي أو نتيجة صراعات داخلية، إلا أن الموقف الإيراني يقوم على قناعة متزايدة بأن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تسوية متوازنة، بل إلى فرض شروط استسلام، وهو ما عزز الشك العميق في جدوى التفاوض.

وبناءً على ذلك، يعتقد القادة الإيرانيون أنهم خرجوا من الحرب بمكاسب استراتيجية تجعل العودة إلى شروط ما قبلها غير ممكنة. وهذه الثقة المتزايدة لا ترتبط فقط بالسياسة الخارجية، بل أيضاً بشرعية النظام داخلياً، إذ يُقدَّم الصمود كعنصر تأسيسي في إعادة بناء العلاقة مع المجتمع.

عقيدة الجبهات المتعددة

لا يعني التحول القومي داخل إيران التخلي عن شبكة الحلفاء الإقليميين، بل إعادة تنظيمها وفق منطق أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية. فالعلاقات مع حزب الله والميليشيات العراقية والحوثيين لا تزال قائمة، لكنها تُدار الآن ضمن رؤية استراتيجية أشمل، لا ضمن خطاب ثوري تعبوي.

وقد خلصت طهران إلى أن الخطأ الاستراتيجي في حروب سابقة كان السماح لإسرائيل بمواجهة كل ساحة منفصلة عن الأخرى. لذلك، سعت خلال الحرب الأخيرة إلى تنسيق الجبهات المختلفة، ما أدى إلى توسيع نطاق الصراع وإرباك حسابات الخصوم.

وفي هذا الإطار، لم تعد هذه الشبكات تُفهم بوصفها أدوات أيديولوجية لتصدير الثورة، بل باعتبارها أدوات دفاع استراتيجي تهدف إلى منع تطويق إيران وإضعافها اقتصادياً وعسكرياً. وبالمثل، يُنظر إلى تعطيل البنية الدفاعية في الخليج كجزء من استراتيجية أوسع لإضعاف منظومة الإنذار المبكر التي تستند إليها الهيمنة العسكرية الأميركية في المنطقة.

جمهورية إسلامية جديدة

أفرزت الحرب تحوّلاً عميقاً في بُنية الدولة الإيرانية، إذ لم تعد السلطة حكراً على الجيل المؤسس، بل انتقلت تدريجياً إلى أجيال لاحقة أكثر ارتباطاً بمؤسسات الدولة وأقل ارتباطاً بأيديولوجيا الثورة الأصلية.

ففي مرحلتها الأولى، كانت الجمهورية الإسلامية مشروعاً ثورياً يقوم على شرعية دينية وكاريزما قيادية، ثم تحولت بعد وفاة الخميني إلى نظام ما بعد ثوري يتوازن بين الأيديولوجيا ومتطلبات الحكم.

أما اليوم، فهي أقرب إلى دولة قومية أمنية، تُدار بعقلية تكنوقراطية وعسكرية، وتعرّف نفسها من خلال الكفاءة الإدارية والاستمرارية السياسية أكثر من المرجعية العقائدية.

وهذا التحول يجعلها أقرب في بعض سماتها إلى تجارب دول قادها الجيش في القرن العشرين، حيث تُستبقى الأيديولوجيا في الخطاب، لكنها تخضع عملياً لمتطلبات الدولة وموازين القوة.

ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعني اعتدالاً سياسياً. فالدول الأمنية القومية قد تكون أكثر صرامة داخلياً وأكثر حدة خارجياً، حتى وإن بدت أقل أيديولوجية.

وبالتالي، فإن التصنيفات التقليدية مثل «المتشددون مقابل المعتدلين» أو «الإصلاحيون مقابل المحافظين» تصبح أقل قدرة على تفسير الواقع الإيراني الجديد، حيث تذوب الحدود بين الفئات داخل منطق دولة يحدد أولوياته من خلال التجربة الحربية المباشرة.

وفي النهاية، تتشكل ملامح هذه الجمهورية الجديدة من حصيلة الحربين مع الولايات المتحدة وإسرائيل: حجم الخسائر، درجة الصمود، مستوى الثقة الذاتية، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي الذي فرضته الحرب وأتاحته في آن واحد.

– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.

والي نصر، أستاذ محاضر في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز. مؤلف كتاب “الاستراتيجية الكبرى لإيران: تاريخ سياسي“.

نرجس باجغلي، عالمة أنثروبولوجيا وأستاذة مشاركة في دراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز. مؤلفة كتاب “إيران المُعاد صياغتها: مخاوف السلطة في الجمهورية الإسلامية“.

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ماذا تقول الصحافة الإيرانية عن نتائج زيارة سلطان عُمان؟