السّؤال الأوّل؛ وقد سبق أن تطرّقنا إليه خلال هذه الحرب، وهو لا يرتبط بمشرقنا الحبيب فحسب، بل بالعالم ككلّ واقعاً. والسّؤال هو بكلّ بساطة، ومن دون أيّ انحيازٍ سياسيٍّ حادٍّ مُسبق: هل من “الطّبيعيّ”، أو من السّليم، أن يكون رجلٌ كدونالد ترامب هو الذي “يقود” ما يُسمّى بـ”العالم الحرّ”- أو هو الذي يقود العالم بأسره، ربّما، إلى حدّ ما- في عام ٢٠٢٦؟
أعيد وضع هذا السّؤال على الطّاولة، لأهمّيّته الفائقة على المستويَين الفكريّ والثّقافيّ بشكل خاصّ، مع رجاءٍ صادقٍ بأن نُمعن التّفكّر والتأمّل فيه. ويزداد هذا السّؤال أهميّةً وخطورةً حين نرى كلّ يومٍ تقريباً: أنّ كثيراً من النّخب العربيّة والمشرقيّة واللّبنانيّة لا تتردّد ليس فقط في تأييد سياسات ترامب، بل لا تتردّد في النّفخ في صورته النّموذجيّة، إن صحّ التّعبير، أو في التّعامل معه بوصفه نموذجاً قياديّاً أو سياسيّاً أو ثقافيّاً يستحقّ الإعجاب بشكل أو بآخر. وهذه مسألةٌ خطيرةٌ تستوجب التوقّف عندها مليّاً كما سبق وأشرنا.
السّؤال الثّاني؛ وهو مرتبطٌ بغياب مشروعٍ عربيٍّ جديٍّ، عموماً، وحتّى يومنا هذا. أقصد غياب مشروع سياسيّ، عدا عن غياب أيّ مشروع تكامليّ/وحدويّ اقليميّ أو حضاريّ أو قوميّ (الخ..) جدّيّ طبعاً. فبعد ما رأيناه مؤخّراً من قبل الشّعب الايرانيّ ومن قبل النّخب الايرانيّة، وبعد ما عرفناه ونعرفه عن التّجربة التّركيّة وما تمتلكه من عناصر قوّةٍ عالية نسبيّاً، يُصبح السّؤال حول الجانب العربيّ أكثر إلحاحاً: لماذا لا يوجد مشروعٌ عربيٌّ جدّيّ، يعمل إذن على ثلاثيّة: (١) المشروع السّياسيّ والاستراتيجيّ المشترك؛ (٢) المَيل الوحدويّ بعيد الأمد؛ (٣) وطبعاً، المشروع القوميّ/الحضاريّ المشترك؟
لقد ظهرت جهاتٌ عربيّةٌ عديدة خلال هذه الحرب إمّا بمظهر الضّعيف، وإمّا بمظهر الطّرف الذي يشكو ويعترض من دون أن يمتلك حلّاً أو بديلاً أو مشروعاً. فإذا كانت إيران هي المشكلة، فما هو الحلّ أو البديل المطروح؟ وماذا عن الخطر الاسرائيليّ الذي تعبنا جميعاً من ادراكه، ثمّ إعادة ادراكه، ثمّ إعادة إعادة ادراكه، إلى ما يشبه اللّا-نهاية.
وإذا كانت تركيا هي المشكلة، فما هي البدائل التي توضع على الطّاولة أيضاً؟
ما هي الرّؤية العربيّة القادرة على العمل على انتاج نوع من القوّة والتّكامل والتّقدّم والتّأثير؟
في المحصّلة، لقد بدا الواقع العربيّ، في أجزاءٍ واسعةٍ منه خلال هذه الحرب، أكثر ضعفاً وأكثر ارتباكاً ممّا كان عليه من قبل، وهذا أمرٌ مؤسفٌ إلى حدٍّ بعيد ويستحقّ التأمّل الصّريح والمسؤول من قبلنا جميعاً.
السّؤال الثّالث؛ وهو سؤالٌ أساسيٌّ أيضاً يتعلّق بطبيعة خلافنا الحقيقيّ مع إيران. فما هي مشكلتنا الفعليّة، وليس فقط الإعلاميّة أو التّسويقيّة، مع إيران؟ حقّاً: ما هي مشكلتنا الحقيقيّة مع إيران؟ إنّ التّحدّث في هذا الاطار عن مسائل مثل الحرب في سوريا، مع اغفال ملفّات أخرى مقابلة وواضحة لم يعد مقنعاً ولا واقعيّاً. وكذلك الأمر بالنّسبة إلى استجلاب مسائل من مثل “التّدخّل في شؤون الدّول”، مع ظهور حجم الوجود العسكريّ والأمنيّ الأميركيّ- بل ولربّما الاسرائيليّ- في بعض الأمثلة التي بدا بوضوح أنّها تعمل كذلك على موجات داخليّة إيرانيّة ان صحّ التّعبير.
علينا أن نكون صادقين من جهة، وموضوعيّين من جهة ثانية.
نعم، إنّنا بحاجةٍ إلى قدرٍ أكبر من الصّراحة مع أنفسنا في هذا المجال.
وقد أشرنا سابقاً، وعلى مستوى أكثر تعمّقاً إن شئت، إلى أنّ المشكلة الأساسيّة مع إيران، في نهاية الأمر وفي جوهر الأمور، ترتبط طبعاً بموقفها الواضح والمعلن من الهيمنة الأميركيّة على المنطقة، ومن الاحتلال/التّوسّع الإسرائيليّ، ومن القضيّة الفلسطينيّة. ولذلك، فقد عملت وتعمل وسائل اعلامٍ كثيرة وضخمة (غربيّة وعربيّة واسلاميّة)، ومعها مجموعات ضغطٍ وجهات تعبويّة وتسويقيّة متنوّعة ونافذة جدّاً، على تأليب قطاعاتٍ واسعةٍ من الجماهير العربيّة والإسلاميّة ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران. هذا صحيح بالتّأكيد وموضوعيّ، ولا لزوم للغوص فيه أكثر في هذا المقام: من يُواجه المشروع الأميركيّ والمشروع الاسرائيليّ بشكل خاصّ، بالتّأكيد سيدفع ثمناً باهظاً على مستوى صورته أيضاً.. وعلى مستوى تحريض “الآخرين” عليه (“الآخرين” بحسب المرحلة والسّياق بطبيعة الحال).
السّؤال المهمّ هنا هو طبعاً: إلى أيّ حدٍّ نحن واعون لهذا الجانب؟
غير أنّ الأمر يصبح أكثر أهميّةً وخطورةً في نظري حين نلاحظ أنّ بعض النّخب، بما فيها نخبٌ تمتلك في الأصل موقفاً مبدئيّاً من القوّة الاستعماريّة ومن المشروع الإسرائيليّ، تنخرط هي الأخرى- اليوم خصوصاً لا حصراً- في مقارباتٍ لا تعطي هذه الحقيقة ما تستحقّه من اهتمام ومن انصاف ومن موضوعيّة.
وهنا يصبح السّؤال أكثر إلحاحاً: هل المشكلة أعمق ممّا نظنّ؟ هل لها علاقة بأبعاد لا-واعية ربّما؟
وهذا ما ينقلنا بالتّالي إلى السّؤال الأخير، وربّما الأكثر حساسيّة.
السّؤال الرّابع؛ من دون تحيّز مسبق، وبما أمكن من حياد علميّ، إذا ما أردنا مقاربة الموقف من إيران مقاربةً موضوعيّة قدر الامكان، فمن المفيد في هذا المجال أن نبدأ من ملاحظةٍ بسيطة.
فجزءٌ كبيرٌ من النّخب العربيّة والإسلاميّة والمشرقيّة، لا سيّما القوميّة منها والإسلاميّة والوطنيّة، يعلن بصورةٍ دائمة رفضه للاستعمار وللهيمنة الاستعماريّة، ورفضه للاحتلال الإسرائيليّ وللمشروع التّوسّعي الاسرائيليّ، وتمسّكه بالقضيّة الفلسطينيّة بوصفها قضيّةً مركزيّة للمنطقة بأسرها.
لكن، من جهة ثانية: الملاحظة التي تستحقّ التّأمّل هي أنّ بعض هذه النّخب نفسها لا يُظهر دائماً القدر ذاته من الحماسة، أو من الدّعم المعنويّ/الفكريّ أقلّه، أو حتّى من التّفهّم أحياناً.. عندما تكون إيران (“الجمهوريّة الاسلاميّة” تحديداً) هي الطّرف الذي يدخل في مواجهةٍ مع الولايات المتّحدة مثلاً أو مع التّوجّهات الاستعماريّة أو مع “إسرائيل”.. أو عندما تكون هي الطّرف الذي يُقاتل ويُواجه علناً وبوضوح، عدا عن دفعه لأثمان باهظة وواقعيّة من العقوبات والحصار ومختلف أنواع الضّغوط الأمنيّة والعسكريّة والسّياسيّة (إلى ما هنالك) نتيجة خياراته المعلنة في هذا المجال أو في هذه المجالات.
وهنا، ونذكّر مجدّداً: لا نتحدّث عن الجماهير أو عن تأثير الخطاب الإعلاميّ اليوميّ على عامّة شعوبنا كما يُقال، بل نتحدّث خصوصاً عن عدد لا يُستهان به من النّخب التي يُفترض أنّها أكثر قدرةً على الفصل بين الانفعالات والأحكام/المواقف الانفعاليّة (ربّما ذات الأسباب/الجذور اللّا-واعية كما سنرى)، وبين الحكم الموضوعيّ والتّحليل المنصف والجدّي.
من هنا، يبرز سؤالٌ مشروع واقعاً: كيف يمكن تفسير هذه الفجوة؟
هل يعود الأمر حصراً إلى الاعتراض على بعض السّياسات (الجزئيّة غالباً) إن جاز التّعبير، أو على عدد من الأخطاء في عدد أو في بعض من الملفّات؟ أم أنّ هنالك عاملاً آخر، وأعمق بكثير، لا يحظى بالنّقاش الكافي واقعاً.. ونخفيه عمليّاً وغالباً- ربّما- خلف حرجنا المتبادل و/أو خلف النّقطة السّابقة وهي نقطة البروباغندا المدفوعة (والتي لا يُمكنها لوحدها أن تبرّر تخدّر نُخبنا إلى هذه الدّرجة)؟
وهنا تحديداً تظهر فرضيّةٌ تستحقّ البحث بهدوءٍ ومن دون أحكامٍ مسبقة: فإلى أيّ مدى يؤثّر العامل المذهبيّ في تشكيل المواقف تلك من إيران، حتّى لدى النّخب العربيّة والمشرقيّة التي تعرّف نفسها بأنّها قوميّة أو وطنيّة أو إسلاميّة جامعة أو حتّى علمانيّة في عدد من الأمثلة؟ بطريقة أخرى: لو أنّ دولةً غير شيعيّة الطّابع كانت تحتلّ الموقع نفسه الذي تحتلّه إيران اليوم في الصّراع مع الاحتلال الإسرائيليّ، وفي مشاريع التّحرّر الوطنيّ، وفي مواجهة الضّغوط الأميركيّة والاستعماريّة (إلخ.).. هل كانت ردود الفعل السّياسيّة والثقافيّة تجاهها ستكون على الصّورة نفسها؟
لنأخذ السّؤال بهدوء، وبجدّيّة، وبموضوعيّة، وبواقعيّة. ولنتذكّر أنّ الهدف هنا هو التّوصيف والتّحليل والوصول ربّما إلى نتائج وحلول، وليس الهدف هو التّعميم أو الاتّهام. ولنتذكّر، خصوصاً، أنّ هذه الظّاهرة قد تكون، ربّما في الأغلب، ظاهرة ذات جذور لا-واعية: أي أنّها تتكوّن من خلال تفاعلات لا-واعية في الأغلب، جماعيّة وفرديّة.
القضيّة حسّاسة، ولكنّها أساسيّة جدّاً ومهمّة جدّاً في اعتقادي.
كما أنّ المصالح تؤثّر في المواقف، فإنّ الهويّات والانتماءات والتّصوّرات- المسبقة و/أو العميقة و/أو اللّا-واعية- تؤثّر فيها أيضاً.
ومن هنا، فإنّ السّؤال الذي يستحقّ أن تطرحه النّخب على أنفسها اليوم بشكل خاصّ: ليس ما إذا كانت إيران معصومةً عن الخطأ، فهي ليست كذلك بالتّأكيد، بل ما إذا كانت مواقفنا منها تتشكّل حصراً بفعل تقييمٍ موضوعيٍّ لسلوكها ولسياساتها.. أم أنّ هناك عناصر أخرى، بعضها واعٍ وأكثرها لا-واعٍ، تتدخّل إلى حدّ كبير في صناعة هذا التّقييم، مثل عنصر الموقف – اللّا-واعي أحياناً إذن – من الجانب “الشّيعيّ” في ما تمثّله “الجمهوريّة الاسلاميّة” في المنطقة وفي العالم.
في السّياق عينه، لنتأمّل في هذه الفرضيّة إذن بهدوء: وفي ما يعني هذه الحرب تحديداً وعلى سبيل المثال لا الحصر.. ولنسأل أنفسنا، لو أنّ دولةً عربيّةً أو اسلاميّةً أخرى قد تعرّضت خلال فترةٍ وجيزةٍ لما تعرّضت له إيران من ضغوطٍ واستهدافٍ وعمليّاتٍ عسكريّة من قبل القوى الاستعماريّة ومن قبل الاحتلال، ثمّ واصلت القتال وحافظت على تماسكها السياسيّ والمؤسّساتيّ والشّعبيّ والحزبيّ.. كيف كانت هذه النّخب العربيّة والإسلاميّة والمشرقيّة المقصودة ستتفاعل مع هذا المشهد؟ حقّاً.
وهل كنّا سنشهد القدر نفسه من التحفّظ ومن البرودة النّسبيّين في الموقف هنا وهناك، أم أنّ ردود الفعل كانت ستكون مختلفة؟
***
قد تكون هذه التّساؤلات الأربعة المختصرة خطيرةً إلى حدٍّ ما كما أشرنا، وربّما إلى حدٍّ بعيد.. وخصوصاً السّؤال الأخير. ولكن، إذا كنّا نريد الوصول إلى فهمٍ أعمق لما يجري حولنا، فلا بدّ من مصارحة أنفسنا ومصارحة بعضنا البعض. فالأمم والشّعوب لا تتقدّم حين تتهرّب من الأسئلة الصّعبة، بل حين تمتلك الشّجاعة الكافية لطرحها ولمناقشتها بهدوءٍ وبمسؤوليّة.
أمّا الخطر الحقيقيّ في اعتقادي، فهو في أن نترك مواقفنا ومفاهيمنا تتشكّل بفعل عناصر لا-واعية أحياناً، لا نخضعها للمراجعة والنّقد. فعندما يحدث ذلك، قد نجد أنفسنا ننتهي إلى مواقف غير عقلانيّة أو غير عادلة أو غير منصفة، من دون أن ندرك تماماً كيف وصلنا إليها. فلنتفكّر سويّاً، إذن، حول هذه النّقاط.. وللحديث تتمّة بطبيعة الحال.
