لبنان: استحالة الإصلاح وضرورة إعادة التأسيس

لا تعود أزمة لبنان إلى فشل في الإدارة أو عجز في الإصلاح، بل إلى خلل في الأساس الذي يقوم عليه النظام نفسه. فالبنية الطائفية لا تُنتج أزمة طارئة، بل تُعيد إنتاجها بوصفها شرطًا من شروط عملها، ما يجعل كل محاولة إصلاح جزءًا من استقرار الأزمة لا مدخلًا لحلّها. من هذا المنطلق، ينتقل النقاش من سؤال الإصلاح إلى سؤال إعادة التأسيس: كيف يمكن قيام دولة في ظل بنية تمنع تشكّل “شعب سياسي” أصلًا؟ وكيف يمكن إنتاج شرعية عامة في نظام قائم على توازن الجماعات؟

لا تعود أزمة لبنان إلى خلل في الأداء أو عجز في الإصلاح، بل إلى خلل في الأساس الذي يقوم عليه الكيان نفسه. فالنظام الطائفي لا ينتج أزمة يمكن معالجتها، بل يُعيد إنتاجها بوصفها شرطًا من شروط عمله، بحيث تصبح كل محاولة إصلاح جزءًا من استقرار الأزمة نفسها.

يأتي هذا المقال امتدادًا لبحث أزمة الكيان اللبناني، من زاوية أكثر جذرية: هل ما نعيشه أزمة قابلة للإصلاح، أم أزمة في الشروط التي تجعل الإصلاح ممكنًا أصلًا؟

***

لم يعد اللبناني يشعر بأنه ينتمي إلى دولة تحميه، بل يعيش داخل منظومة تُعيد إنتاج القلق وعدم اليقين، حيث تتفاوت الحماية تبعًا للانتماء وتتبدل الحقوق بتبدل موازين القوى. ومن هنا، لا تبدو الأزمة خللًا في الأداء فحسب، بل عجزًا بنيويًا عن إنتاج دولة تكون مرجعية واحدة لجميع أبنائها.

وعلى امتداد المحطات المفصلية – من ما قبل الاستقلال إلى الحرب الأهلية، ثم “اتفاق الطائف”، وصولًا إلى الانقسام الذي أعقب اغتيال رفيق الحريري عام 2005 – لم يكن النظام يتجاوز أزماته، بل يعيد إنتاجها بصيغ مختلفة، إذ تحوّلت كل تسوية إلى إعادة توزيع للتوازنات لا إلى تأسيس للدولة، وكل محاولة إصلاح إلى تأجيل للأزمة بدل حلّها.

لا يعود ذلك إلى فشل هذه المحاولات في التطبيق، بل إلى خلل في الفرضية التي قامت عليها: أن النظام قابل للإصلاح من داخله، في حين تكشف التجربة أن هذا النظام يعمل وفق منطقه الخاص، بحيث تتحول كل محاولة إصلاح إلى آلية لإعادة إنتاج شروط تأبيد النظام نفسه.

بذلك، لا يكون الإصلاح داخل هذا النظام طريقًا للخروج من الأزمة، بل جزءًا من استمرارها، إذ يفترض نظامًا قابلًا للتعديل، بينما يقوم هذا النظام على منطق يمنع هذا التعديل من أساسه.

ومن هنا، لا تعود المسألة كيف نُصلح هذا النظام، بل كيف ننتقل إلى منطق سياسي مختلف يعيد تعريف الدولة بوصفها إطارًا جامعًا، لا ساحة لإدارة التوازنات.

***

في هذا السياق، يُطرح الإصلاح في لبنان بوصفه المخرج الطبيعي من الأزمة، غير أن هذا الطرح يقوم على افتراض غير مُعلن: أن النظام قابل للتعديل، وأن الخلل في تطبيقه لا في بنيته، بينما تكشف التجربة أن الإصلاح لا يعمل كأداة للتغيير، بل كآلية لإعادة إنتاج التوازنات نفسها، ما يجعل كل محاولة محكومة بالبقاء داخل الشروط التي تمنع التغيير أصلًا.

بذلك، لا يكون السؤال لماذا فشلت محاولات الإصلاح، بل لماذا يُعاد طرحها برغم فشلها، إذ تمنح هذه الطروحات انطباعًا بإمكانية التغيير دون المساس بأساس الأزمة، فتتحول إلى جزء من استقرار الأزمة نفسها، لا إلى طريق للخروج منها.

ولا يعمل النظام القائم في لبنان كنظام مختلّ يحتاج إلى تصحيح، بل كنظام مكتمل في منطقه الخاص يُعيد إنتاج نفسه باستمرار.

تقوم هذه البنية على تحويل الانتماءات الأولية إلى أدوات سياسية، بحيث تصبح الطائفة إطارًا للتمثيل ومصدرًا للشرعية، فلا تُبنى السلطة على أساس المواطنة، بل على توازن جماعات تسعى كل منها إلى تثبيت موقعها داخل النظام، فيما تستمد النخب السياسية شرعيتها من تمثيل الجماعات لا المواطنين، ويتعزز ذلك عبر بنية اقتصادية ريعية تُعيد إنتاج العلاقة نفسها، حيث تُستبدل الحقوق بالخدمات ويُربط الأفراد بشبكات الزبائنية بدل مؤسسات الدولة.

ومع تداخل العوامل الإقليمية، تمتد هذه البنية إلى شبكة أوسع من التوازنات، تتحول فيها الجماعات إلى امتدادات لقوى خارجية، ما يُقفل النظام على نفسه ويجعل تغييره من الداخل أكثر صعوبة.

في هذا الإطار، لا يظهر النظام بوصفه فاشلًا في إنتاج الدولة، بل ناجحًا في منع قيامها.

وانطلاقًا من ذلك، لا تتحدد إمكانية الإصلاح بمدى توفر الإرادة السياسية، بل بالحدود التي ترسمها هذه البنية نفسها.

***

في الحالة اللبنانية، لا تكمن المشكلة في غياب الرغبة في الإصلاح، بل في غياب الأرضية التي تجعل هذا الإصلاح ممكنًا، إذ لا يمكن لنظام يقوم على توازن الجماعات أن ينتج وحدة سياسية، ولا لبنية تُعيد تعريف الأفراد من خلال انتماءاتهم الأولية أن تؤسس لمواطنة تتجاوزها.

ومن هنا، لا يكون فشل الإصلاح نتيجة تعثّر في التطبيق، بل نتيجة لحدود الممكن السياسي داخل هذا النظام، إذ يفترض الإصلاح وجود شعب سياسي قادر على إنتاج إرادة عامة، بينما يقوم النظام على تجزئة هذا الشعب إلى جماعات متوازنة.

بذلك، لا يعود السؤال لماذا لم ينجح الإصلاح، بل كيف يمكن أن ينجح أصلًا ضمن شروط تمنع قيامه، وعند هذا الحد يصبح واضحًا أن الإصلاح ليس خيارًا مؤجلًا، بل غير متاح ضمن البنية القائمة.

وإذا كان الإصلاح داخل النظام غير ممكن، فإن السؤال يصبح: كيف ننتقل إلى منطق سياسي يتيح قيام الدولة؟

ولا يبدأ هذا التحول من إسقاط النظام دفعة واحدة، ولا من تعديل نصوصه من داخله، بل من كسر منطقه في نقطة أساسية: تحرير المجال السياسي من احتكار الجماعات وفتح إمكانية التمثيل خارج القيد الطائفي، فكل انتقال تاريخي يبدأ بخلق شقّ يسمح بظهور منطق جديد.

ومن هنا، لا تكون البداية بإلغاء الطائفية دفعة واحدة، بل نزع صفتها السياسية تدريجيًا عبر توسيع مساحة المواطنة داخل النظام نفسه، إلى أن يفقد قدرته على إعادة إنتاج ذاته.

إقرأ على موقع 180  "المنظومة" تُجدّد شبابها بأصوات المرتكبين ـ المرتبكين!

لا يعني ذلك القفز إلى حلول جاهزة أو تغييرًا فجائيًا، بل إعادة تعريف نقطة الانطلاق: من تعديل النظام إلى إعادة تأسيسه. فالمسألة لا تتعلق بإعادة توزيع السلطة داخل البنية القائمة، بل بتغيير القاعدة التي تُنتج هذا التوزيع.

في هذا المعنى، لا تُفهم إعادة التأسيس كإجراء تقني أو تعديل دستوري معزول، بل كتحوّل في مصدر الشرعية: من الجماعة إلى المواطن، ومن التوازن إلى القانون، ومن الانتماء المغلق إلى الفضاء العام.

ولا تُختزل إعادة التأسيس في تعديل دستوري، بل في إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة مختلفة: تحييد الهوية عن السلطة، بناء تمثيل وطني، وإقامة مؤسسات قادرة على فرض هذا التحول.

كما يفترض الانتقال من اقتصاد ريعي يعيد إنتاج الزبائنية إلى اقتصاد يربط الحقوق بالمواطنة.

غير أن هذا التحول يصطدم ببنية متجذّرة أعادت إنتاج نفسها على مدى عقود، وتحميها شبكة من المصالح المتداخلة تجعل تغييره مكلفًا. فالنخب السياسية تستمد شرعيتها من تمثيل الجماعات، ما يجعل أي انتقال نحو دولة المواطنة تهديدًا مباشرًا لها.

***

إجتماعياً، تمتد الطائفية إلى بنية العلاقات اليومية، حيث ترتبط الحماية والخدمات بالانتماء لا بالحقوق، ما يجعل التخلي عن هذا النظام محفوفًا بالخوف لأنه مألوف.

كما يتعزّز هذا الواقع عبر بنية اقتصادية ريعية تُبقي الأفراد داخل شبكات الزبائنية، وتمنع تشكّل استقلالية فردية قادرة على كسر هذه الحلقة.

ومع حضور العوامل الإقليمية، تتضاعف التعقيدات، إذ يعمل النظام ضمن شبكة أوسع من التوازنات التي تجد في استمراره مصلحة مباشرة.

وفي ضوء ذلك، لا يمكن التعامل مع إعادة تأسيس الدولة بوصفها مسارًا سهلًا، غير أن صعوبة التغيير لا تعني استحالته، كما أن استمرار الوضع القائم لم يعد ممكنًا.

فالنظام الذي يعجز عن إنتاج دولة لا يستطيع أن يستمر دون أن يعمّق أزماته، ولا قدرته على إدارة الانقسام كافية لمنع الانهيار.

ومن هنا، لا يظهر الواقع اللبناني كحالة توازن يمكن الحفاظ عليها، بل كمسار مفتوح على مزيد من التفكك ما لم يتغير أساسه.

غير أن هذا التحول لا يمكن أن يكون نتيجة توافق النخب القائمة، ولا امتدادًا طبيعيًا للنظام نفسه، بل يفترض نشوء فاعل سياسي جديد، لا يستمد شرعيته من تمثيل الجماعات، بل من قدرته على تجاوزها.

وهذا الفاعل لا يولد من فراغ، بل يتكوّن تدريجيًا عند تقاطع فئات متفرقة يلتقي بينها شعور مشترك بانسداد الأفق: مثقفون تجاوزوا حدود النقد المجرد، مهنيون يدركون عجز الاقتصاد الريعي، شباب لا يرون في الطائفية إطارًا لمستقبلهم، وشرائح اجتماعية بدأت تفقد قدرتها على الاحتماء بشبكات الولاء.

عند هذا التقاطع، لا يكون الجامع هو الانتماء، بل القطيعة مع منطق الانتماء بوصفه أساسًا للسياسة. وهنا تبدأ إمكانية تشكّل خطاب جديد، لا يطالب بإصلاح النظام، بل بتجاوزه، ويعيد تعريف الدولة بوصفها إطارًا جامعًا لا ساحة توازنات.

ومن هذا التلاقي، لا تنشأ حركة مكتملة دفعة واحدة، بل تتشكل نواة أولى- فكرية وسياسية- قادرة على تحويل هذا الإدراك إلى مشروع.

وهنا يتبلور المشروع الذي يدعو إليه هذا النص بوضوح: بناء دولة المواطنة والسيادة بوصفها الإطار الوحيد القادر على إنتاج شرعية سياسية جامعة في لبنان.

مشروع يمكن اختزاله في عبارة واحدة: “دولة المواطنة والسيادة.. لا دولة الطوائف”، لا بوصفها شعارًا، بل كأفق جامع يعيد تعريف الشرعية السياسية من أساسها: نقلها من الجماعة إلى المواطن، ومن التوازن إلى القانون، ومن الحماية الجزئية إلى المواطنة الكاملة.

وهكذا، لا يبدأ التغيير من لحظة إعلان، بل من لحظة التقاء: حين يدرك المتفرقون أنهم يعبرون الأزمة نفسها، وأن ما يجمعهم أعمق مما يفرقهم، وعندها فقط يصبح ممكناً الانتقال من التشتت إلى الفعل.

***

لا يقف مثل هذا الأفق عند حدود التشخيص، بل يفتح ضرورة الانتقال إلى بلورة برنامج تأسيسي متكامل، يعيد ترجمة هذه المبادئ إلى مسار سياسي ومؤسساتي واضح.

وهو ما يتطلب بحثًا مستقلًا، يتجاوز مستوى التفكيك إلى مستوى البناء.

في هذا التحول، لا تعود الدولة فكرة مجرّدة، بل تجربة يومية: حين لا يحتاج الفرد إلى وسيط طائفي ليحصل على حقه، وحين يشعر أن كرامته مصونة بقانون واحد، وحين يرى في الآخر شريكًا لا خصمًا.

عندها، يتحول الانتماء من خوف إلى ثقة، ومن حماية جزئية إلى أمان عام، ومن ولاء لجماعة إلى التزام بدولة، ويصبح الوطن معنى يُعاش لا شعارًا يُرفع، لا لأنه مفروض عليه، بل لأنه أصبح شرطًا لكرامته ووجوده المشترك.

وفي النهاية، لا يقف لبنان أمام خيار  إصلاح النظام أو تغييره، بل أمام مفترق أعمق: إما البقاء داخل بنية تُعيد إنتاج أزماتها، أو الدخول في مسار يعيد تعريف الدولة نفسها.

فالدولة لا تُبنى حين تتحسّن شروط الحكم، بل حين يتغيّر أساسه. ولا تُختزل الأزمة في فشل الإدارة، بل في عجز الكيان عن إنتاج معنى سياسي جامع.

ولذلك، لا يكون الانتقال إلى إعادة التأسيس خيارًا بين بدائل، بل الشرط الوحيد للخروج من الأزمة.

إنّها ليست أزمة نظام.. بل أزمة ما يجعل النظام ممكنًا أصلًا.

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  "أيام لبنانية حاسمة".. حكومة دياب إلى الإنتخابات دُرْ!