السعودية وإيران ما بعد الحرب.. هل نضجت ظروف الشراكة؟

يتجاوز التنافس الإقليمي الراهن في الشرق الأوسط حدود الصراع التقليدي على الموارد أو النفوذ الجغرافي، ليتخذ أبعادًا أعمق تتصل بما يمكن تسميته «الشرعية المعنوية». فالجدل القائم بين القطبين الإقليميين، المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا يدور حول موازين القوة الصلبة وحدها، بل حول أحقية تمثيل المجال الإسلامي، وامتلاك موقع القيادة الرمزية والسياسية في منطقة شديدة الحساسية دينيًا واستراتيجيًا.

من هذا المنظور، يمكن قراءة التنافس السعودي ـ الإيراني بوصفه معادلة أقرب إلى الصراع الصفري، حيث تبدو «السيادة المعنوية» قيمة يصعب تقاسمها بسهولة. فكل مكسب في الشرعية أو الحضور أو القيادة يحققه أحد الطرفين يُقرأ، في الغالب، بوصفه انتقاصًا من موقع الطرف الآخر. وبذلك يتحول الصراع من خلاف سياسي قابل للتسوية إلى حالة تنافس مستديم، تُنتج واقعًا دبلوماسيًا هشًا يفتقر إلى اليقين الاستراتيجي. وهذا ما يفسر لماذا لم تؤدِّ مسارات التهدئة، ولا سيما مسار اتفاق بكين (2023) إلى سلام شامل، بل إلى تفاهمات مؤقتة تُدير الأزمة أكثر مما تنهيها.

وبرغم الزخم الإعلامي الذي صاحب المسارات الدبلوماسية الأخيرة الموازية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فإن الفجوة ما تزال واسعة بين الخطاب الرسمي المعلن والواقع العملي في مسارح النفوذ. فما بدأ برسائل أولى عبر العاصمة بغداد، وانتهى بوساطة صينية في بكين، لا يرقى إلى «اتفاقية سلام» بالمعنى القانوني أو الاستراتيجي الشامل، بل هو أقرب إلى «هدنة مشروطة» هدفها تخفيف حدة المواجهة المباشرة، وتجنب الانزلاق إلى انهيار اقتصادي أو أمني لا يرغب به أيٌ من الطرفين.

حرق السفارة السعودية في طهران في منتصف ثمانينيات القرن الماضي

في هذا السياق، يقول المتخصص في قضايا الأمن الدولي عارف دهقاندار لموقع «180post» إن المملكة العربية السعودية تركّز في هذه المرحلة بصورة متزايدة على التنمية، استنادًا إلى «رؤية 2030»، وهو ما يُميّز موقفها، في رأيه، عن دولة الإمارات العربية المتحدة التي تتبنى نهجًا أكثر تشددًا تجاه طهران. ويضيف أن الهدف الرئيسي للرياض، في الظروف الراهنة، هو النأي بنفسها عن الصراع بين إيران والولايات المتحدة، ويشير إلى أن القلق السعودي يتضاعف بفعل إدراك الرياض أن أي مواجهة واسعة قد تجعل بنيتها التحتية النفطية في مرمى الاستهداف، إذا ما نُظر إلى المملكة بوصفها جزءًا من التهديد ضد إيران. لذلك قد ترغب السعودية في البقاء على الحياد، لكنها عمليًا لا تستطيع ذلك بالكامل، بحكم طبيعة الترتيبات الأمنية القائمة في الخليج، وارتباط أمنها الاستراتيجي بالمظلة الأميركية.

وتقود هذه الملاحظة إلى جوهر المسألة الأمنية في الخليج. فأمن دول الخليج، في جانب كبير منه، أمن مستورد، تُعهد جوانب حيوية منه إلى الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، تفتقر هذه الدول إلى سيادة أمنية كاملة، ما يجعل اصطفافها في اللحظات الحاسمة أقرب إلى المعسكر الغربي، حتى عندما تحاول الحفاظ على قنوات التهدئة مع طهران. ومن هنا، تنظر إيران إلى هذه الدول لا بوصفها شركاء إقليميين كاملي الاستقلال، بل بوصفها جزءًا من بنية أمنية منافسة لها في المنطقة.

هنا يبرز الخلل الجوهري في غياب «اتفاقية عدم اعتداء» ملزمة للطرفين. فالهدنة القائمة، في ظل غياب ضمانات قانونية واضحة، تتحول إلى غطاء هش لاستمرار الصراع بوسائل غير مباشرة. وهذا الفراغ الأمني يستدعي، بطبيعته، العودة إلى تكتيكات «حروب الظل»، وتوظيف الأوراق الإقليمية للتعويض عن العجز أو الرغبة في تجنب المواجهة المباشرة.

استراتيجية الضربات الخفية

انتقلت التكتيكات العسكرية في المنطقة، خلال السنوات الأخيرة، من الصدام المباشر عالي الكلفة إلى استراتيجية «الضربات الخفية»، حيث يجري توظيف الحلفاء والوكلاء كأدوات ضغط جيوسياسي. وتبرز جماعة «أنصار الله» في اليمن كإحدى أبرز أوراق هذه الاستراتيجية، إذ تمنح إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قدرة ضغط متقدمة على العمق الخليجي والممرات المائية الحيوية، بما يشبه منصة تهديد مستمرة عند خاصرة شبه الجزيرة العربية.

وتكشف الوقائع عن نهج إيراني يقوم على إدارة التصعيد بجرعات محسوبة. فقد تعرّضت مصالح أميركية، عسكرية ومدنية، في بعض دول الخليج لضغوط وتهديدات متكررة، خصوصًا في الدول التي اندفعت مبكرًا نحو مسار التطبيع مع إسرائيل، كما في حالتي الإمارات والبحرين. في المقابل، منح التريث السعودي في الانخراط الكامل في «اتفاقيات أبراهام» الرياض نوعًا من الحصانة التكتيكية المؤقتة، وخفف، ولو نسبيًا، من وتيرة الاستهداف المباشر لمصالحها مقارنة ببعض جيرانها.

بهذا المعنى، تتحول المسيّرات والصواريخ وأدوات الضغط غير التقليدية إلى وسائل تفاوضية غير معلنة، تُستخدم لترسيم حدود الولاءات الإقليمية، وتوجيه رسائل سياسية بوسائل عسكرية محدودة. أما استضافة القواعد العسكرية الأميركية، أو أي حضور أمني إسرائيلي في الجوار الخليجي، فتمثل، في العقيدة الأمنية الإيرانية، خطًا أحمر يضع هذه الدول ضمن دائرة الاستهداف السياسي والأمني، ولو بصورة غير مباشرة.

الملف السوري.. ولبنان

تُعد سوريا واحدة من أكثر الساحات تعبيرًا عن تصادم الرؤى الاستراتيجية بين الرياض وطهران. فبينما قرأت السعودية وحلفاؤها تراجع الحضور الإيراني في سوريا بوصفه مؤشرًا على الضعف أو الانكفاء، ترى القراءة الإيرانية أن التحولات السورية قد لا تصب بالضرورة في مصلحة الرياض على المدى الطويل. فمن وجهة النظر الإيرانية، فإن خروج دمشق من دائرة النفوذ الإيراني لا يعني بالضرورة عودتها إلى فضاء عربي تقوده السعودية، بل قد يفتح الباب أمام نفوذ تركي واسع، أو أمام قوى راديكالية يصعب ضبطها، من دون التقليل من دور العامل الإسرائيلي المنخرط في مخطط التفتيت السوري من “البوابتين” الدرزية والكردية.

إقرأ على موقع 180  إنتخابات إيران.. فرصة بزشكيان في "الأولى".. وإلّا قاليباف في "الثانية"!

ومن هنا، تنظر طهران إلى أي إضعاف إضافي للدولة السورية بوصفه مغامرة قد ترتد على الأمن الإقليمي كله، بما في ذلك أمن الجزيرة العربية. فالفراغ السوري، إذا لم يُملأ بتوازنات مستقرة، قد يتحول إلى مصدر تهديد عابر للحدود، لا إلى فرصة استراتيجية صافية لأي طرف.

وتتعامل المملكة منذ سنة ونيف مع الواقع اللبناني من موقع المنتصر، في ضوء نتائج حرب العام 2024، ولا سيما ما تلقاه حزب الله من ضربات، وهذا الأمر انعكس سياسياً في تركيبة السلطة السياسية الجديدة، رئاسة جمهورية ورئاسة حكومة وتركيبة حكومية، فضلاً عن قرارات هي الأولى من نوعها للسلطة السياسية، وآخرها خوض مفاوضات سياسية وعسكرية مباشرة مع إسرائيل، غير أن المملكة تدرك أن مآلات المسار الأميركي الإيراني ستفرض نفسها على المنطقة بأسرها ومنها الساحة اللبنانية، وربما هذا ما يجعل السعودية أكثر تمسكاً باتفاق الطائف والتركيبة السياسية، خصوصاً أنها تخشى أن يكون لأي تعديل في موازين القوى اللبنانية تداعياته في الساحة السورية الهشة أصلاً.

التبعية مقابل الشراكة

ويكمن أحد أوجه المعضلة الجيوسياسية في اختلاف تصور الطرفين لمعنى النفوذ الإقليمي. فالعقلية السياسية السعودية، كما يراها خصومها، تميل إلى نموذج القيادة المركزية، حيث يُفترض بالدول الأصغر في المجال الخليجي أن تتحرك تحت سقف القرار السعودي. وقد ظهر التوتر داخل هذا النموذج في أزمات عدة، أبرزها الأزمة مع قطر وحصارها، كما يظهر اليوم، بصيغ مختلفة، في التنافس المكتوم مع أبوظبي، وهو تنافس سيتخذ أبعاداً مختلفة في ضوء نتائج مفاوضات إسلام آباد.

في المقابل، ترفض إيران، بحكم تاريخها القومي وبنيتها السياسية ومصالحها العليا، أي صيغة تجعلها تابعة لقيادة إقليمية أخرى، وخصوصًا للرياض. فهي ترى نفسها مركزًا حضاريًا وسياسيًا قائمًا بذاته، لا طرفًا هامشيًا في نظام إقليمي تقوده السعودية. ومن هنا يصعب الوصول إلى شراكة ندية حقيقية ما لم يعترف كل طرف بشرعية حضور الطرف الآخر، لا بمجرد ضرورة التعايش معه مؤقتًا.

تحليل الصراع الصفري

تخضع البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط لمنطق صفري متجذر، يفرض نفسه كإطار حاكم للعلاقات بين المعسكرين العربي والإيراني. فهذا الصدام لا يمكن اختزاله في خلاف سياسي عابر أو تنافس محدود على النفوذ، بل هو صراع على المعنى والدور والموقع داخل النظام الإقليمي. وفي هذا النوع من الصراعات، لا تُقاس المكاسب فقط بعدد القواعد أو الاتفاقيات أو الحلفاء، بل أيضًا بحجم الاعتراف والرمزية والقدرة على تمثيل المستقبل السياسي للمنطقة.

وفق هذه الرؤية، يصبح استقرار أحد الطرفين مشروطًا، في وعيه الاستراتيجي، بتراجع الطرف الآخر أو تحجيمه. ولا تتيح الجيوسياسية الراهنة مساحة واسعة لتعايش مشروعين يحمل كل منهما تصورًا شبه شامل للمنطقة ومصادر شرعيتها. لذلك لا يبدو السعي إلى «الانتصار» خيارًا سياسيًا عابرًا، بل ضرورة أمنية ونفسية في آن، فرضتها طبيعة الصراع وتراكماته التاريخية.. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بإمكان المصالحة السعودية ـ الإيرانية وحدها، بل بإمكان انتقال الإقليم كله من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة؛ وهو انتقال ما تزال شروطه السياسية والنفسية والأمنية غير ناضجة حتى الآن.

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  ما بعد نتنياهو.. هل تتغير السياسات؟