رئاسة الحكومة اللبنانية.. الحالمون كُثُر والفرص صفرية!

ثمة قناعة سياسية لبنانية أن انتخابات رئاسة الجمهورية اللبنانية منذ اتفاق الطائف وحتى العام 2000، كانت أسهل من انتخاب "رئيس لجنة مبنى سكني". الرئيس حافظ الأسد، بمرونته ودهائه، كان قادراً على نسج تفاهمات مع الأميركيين، بما يحفظ مصالح دمشق وواشنطن.. وحتماً إستمرار "حقبة الوصاية" على لبنان!

مع رحيل حافظ الأسد في العام 2000، تبدّلت المعطيات، وجاء الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، ليخلق وقائع جديدة على صعيد منطقة الشرق الأوسط، فأميركا لم تعد في أميركا بل صارت في قلب المشرق العربي وصارت لها استراتيجيتها وحساباتها المختلفة، الأمر الذي جعل الحسابات الأميركية تتناقض وحسابات بشار الأسد وريث حافظ الأسد.

في ظل هذا المناخ الإشتباكي، وُلد القرار 1559 في صيف العام 2004، فكان رد سوريا بتمديد ولاية الرئيس إميل لحود وذلك استباقاً لتحولات بدأ الإقليم يشهدها على التوالي، ولم يكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري من خارج هذه المشهدية المحتدمة من بغداد إلى بيروت.

وما يسري على رئاسة الجمهورية، كان ينطبق على باقي أعمدة إدارة السلطة في لبنان. تسمية رئيس الحكومة كانت مهمة مرتبطة بحجم التفاهمات السورية – السعودية التي كان رفيق الحريري خير تعبير عنها، ناهيك بكاريزما الحريري نفسها التي فرضت حضوراً جديداً للبيوتات السنية التي اختصرت حينها بـ”قصر قريطم”، فضلاً عن شعبية تجاوزت نطاقاً محلياً محدداً لتصل إلى كل نواحي لبنان من شبعا جنوباً إلى وادي خالد شمالاً مروراً يصيدا واقليم الخروب والبقاع والعاصمة بيروت. أسطورة رفيق الحريري، كرّست حالة لم تخترق إلا مرة واحدة في العام 1998 عندما حلّ سليم الحص محله في رئاسة الحكومة لمدة سنتين.

بالمقابل، فرضت مرحلة ما بعد الانسحاب السوري من لبنان وقائع جديدة، وباتت السيولة الرئاسية (الإنتخاب برفع الأيدي في الزمن السوري) أكثر استعصاءً بدليل أن انتخاب العماد ميشال سليمان سبقه عام أسود من الأحداث والفراغ والصراع الذي بلغ حد الاقتتال الداخلي في 7 أيار/مايو 2008 وما كان له أن ينتهي إلا بعد أن حطّت طائرة الشيخ حمد بن جاسم، برفقة أحمد داود أوغلو، في بيروت وفرضت الذهاب إلى إتفاق الدوحة من دون مغادرة اتفاق الطائف.

اتفاق الدوحة أرسى حتى يومنا هذا قواعد وأعراف وفرض أدبيات وتوازنات جديدة في ظل تدخل دولي واقليمي في انتخاب رئيس الجمهورية، فيما ظلّ اختيار رئيس الحكومة محكوماً بممرٍ إلزاميٍ مفتاحه في جيب سعد الحريري، إما بتربعه شخصياً على كرسي السرايا أو باختيار من ينوب عنه من وزن فؤاد السنيورة.. وتمام سلام.

هذه الخفة السياسية التي باتت الصفة الأعم على فئة من القيادات السنية اللبنانية، تتغافل حقيقة التوازنات المحلية والإقليمية وأحجام التمثيل وهوية رئيس الجمهورية.. والأكيد أن اختيار رئيس الحكومة هو ابن ساعة الاستحقاق ومرتبط بحسابات الخارج ومواصفاته وليس برغبة هذا أو ذاك من الطامحين الذين يقدمون أوراق اعتمادهم هنا وهناك وبطريقة خبط عشواء

ومع لحظة رحيل ميشال سليمان وصولاً إلى صفقة جبران باسيل – نادر الحريري برعاية علاء الخواجة في باريس وما تمخض عنها من ثلاثية الحكم الجديد: حزب الله – التيار الوطني الحر – تيار المستقبل، وما أنتجته وصولاً حتى سقوط التسوية في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، بقي الفوز بكرسي السرايا محكوماً بكلمة سر تأتي من “بيت الوسط”. فما هو سر هذه المعادلة؟

أولاً؛ بسبب الكتلة النيابية التي جعلت وريث الدم سعد الحريري الأكثر تمثيلاً على الصعيد السني. ثانياً؛ بسبب العلاقات التي ورثها الإبن عن الأب، برغم محاولة الإطاحة التي جرت في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2017 وباءت بالفشل، وبالتالي بقي الحريري عنوان القيادة السنية باعتراف محبيه ومخاصميه في آن واحد

لكن ثمة ما تغير اليوم، فلا الحريري موجود جسداً في بيروت، ولا تياره يملك قدرة التحكم بكرسي رئاسة الحكومة، على الرغم من أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لا يزال الأحرص على تأمين كل مستلزمات إبقاء الحضور “المستقبلي” ربطاً بتفاهمات سابقة ما زالت مفاعليها مستمرة حتى الآن، فضلاً عن حرصه الدائم على عدم اهمال دور “نادي رؤساء الحكومات”، ومن ضمنه سعد الحريري، ولو أنه قرّر أن ينأى بنفسه عن السياسة بمعناها المباشر.

هذا السياق فتح شهية بعض الحالمين الذين ينقسمون وفق مرجع دبلوماسي عربي إلى ثلاث مجموعات:

الأولى: الوزراء الحاليون من السنة، والذين تتحرك لأجلهم ماكينات إعلامية باتت ظاهرة للعيان. وإذا كان هذا أو ذاك من هؤلاء الوزراء يُصرّ على القول إنه مرشح الأميركيين أو القطريين أو السعوديين، إلا أن معضلة هذا الصنف من الوزراء أن نجيب ميقاتي ما يزال وافر الحظ للبقاء في السرايا الكبير، وأن سردية أن الزمن تجاوزه لا تبدو مطابقة للمواصفات ولا سيما الأميركية ـ الفرنسية ـ الإيرانية!

الثانية: تضم النواب السنة الذين أفرزتهم الانتخابات النيابية الأخيرة، ويبدو أن جزءاً من هؤلاء والذين يتوزعون بين بيروت والشمال والجنوب ينطلقون من ثوابت مغايرة، وهي أن مفتاح الوصول إلى جنة السرايا الكبير موجود في “عائشة بكار”، وعلى الرغم من أن مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان يُصر على لعب دور الحكم، إلا أن جزءاً من هؤلاء النواب الطامحين يعتقد أن التبرع لصندوق الزكاة أو لإذاعة القرآن الكريم أو التبرع ببطاقات تموينية لخطباء المساجد يكفي للاستحصال على “بركة الدار” للوصول إلى الموقع الثالث في السلطة.

إقرأ على موقع 180  "أوراسيا ريفيو": هجوم إسرائيلي على إيران.. ما هي نتائجه؟

الثالثة: هي طبقة اللاعبين السابقين والحاليين من ورثة البيوتات السياسية التي تنطلق من اعتبارات تعتقد أنها مفتاحية للتسلل إلى السياسة والدولة والفرص المفتوحة، وبات الفراغ المفتوح على مصراعيه مسبباً رئيسياً للعب البعض أدوار كانت منوطة بصف محدد من اللاعبين المحليين.

هذه الخفة السياسية التي باتت الصفة الأعم على فئة من القيادات السنية اللبنانية، تتغافل حقيقة التوازنات المحلية والإقليمية وأحجام التمثيل وهوية رئيس الجمهورية، سواء أكان سياسياً من وزن سليمان فرنجية، أم عسكرياً من طراز العماد جوزيف عون أو اللواء إلياس البيسري، أو تكنوقراطياً مثل ناصيف حتي أو زياد بارود، والأكيد أن اختيار رئيس الحكومة هو ابن ساعة الاستحقاق ومرتبط بحسابات الخارج ومواصفاته وليس برغبة هذا أو ذاك من الطامحين الذين يقدمون أوراق اعتمادهم هنا وهناك وبطريقة خبط عشواء..

بالمقابل، لا يمكن اغفال الرغبة الجامحة للنواب والشخصيات السنية المقربة من حزب الله ودمشق، والتي لا تُخفي تعرضها للظلم والتهميش نتيجة تحالفاتها، على اعتبار أن حزب الله يدرك في هذه اللحظة الدولية والإقليمية خطورة فرض حلفائه في المنصب السني الأول وما قد يترتب عليه من تبعات خارجية وداخلية هو بغنى عنها.

من هنا لا يُغفل دبلوماسي عربي حقيقة قاسية مفادها أن كل هذه الأموال التي تُرصد على حملات وحفلات العلاقات العامة والتسويق والسوشيل ميديا والحلقات التلفزيونية المدفوعة، لو وضعت لأجل هدف من نوع استنهاض المؤسسات الاجتماعية السنية التي تشهد تراجعاً كبيراً في القوة والتأثير، من جمعية المقاصد إلى دار الايتام وليس انتهاء بصندوق الزكاة، لكانت النتيجة مختلفة، وهذا الإهمال لهذه المؤسسات، وفق الدبلوماسي العربي نفسه، هو الذي يفتح الباب أمام جعل البيئة السنية ساحة جاهزة للاستقطاب من قبل الإسلام السياسي السني (الجماعة الإسلامية أو الأحباش أو غيرهم) أو الإسلام السياسي الشيعي ممثلاً بحزب الله، باعتبار أن الطبيعة لا تقبل الفراغ، فكيف اذا كان الفراغ ممنهجاً؟

Print Friendly, PDF & Email
صهيب جوهر

صحافي لبناني وباحث مقيم في مركز "أبعاد" للدراسات الإستراتيجية في لندن

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  مجتمعاتنا مهزومة أمام حُكّامها قبل.. أعدائها