من يصنع المستقبل العربي؟

تُقاس قدرة الأمم على صناعة مستقبلها بقدرتها على اختيار أسئلتها الكبرى؛ فالسؤال الذي تطرحه أمةٌ على نفسها يكشف وعيها بذاتها، ويرسم أفقها الحضاري، ويحدد اتجاهها في التاريخ. واللافت للانتباه أن العالم يتجه اليوم نحو سؤال المستقبل: كيف نبني الإنسان القادر على إنتاج المعرفة وبناء المؤسسات وقيادة التحولات؟ بينما ما يزال جانب واسع من الفكر والسياسة العربيين يدور حول سؤال آخر: كيف نصل إلى السلطة ونحافظ عليها؟ ما بين السؤالين تتحدد المسافة بين أمم تصنع المستقبل وأخرى تكتفي بإدارة أزماتها.

قد يبدو الحديث عن المستقبل البعيد في غير أوانه، وربما مؤلمًا، فيما نتابع، بقلقٍ وحزن، ما يعيشه بلدنا ومنطقتنا من حرب وقتل ودمار، وما يثقل شعوبها من أسئلة الأمن والبقاء. لكن المأساة لا تؤجّل سؤال المستقبل؛ بل تجعله أكثر إلحاحًا. وهنا تكمن المفارقة الأشد قسوة: ففيما تستنزف الحروب حاضر شعوبنا وتهدد دولها ومجتمعاتها، يتسارع العالم في بناء مصادر قوة جديدة قوامها الإنسان والمعرفة والابتكار والمؤسسات. وهذا ما يجعل بناء الإنسان في قلب معركة المستقبل؛ علماً أن الإنسان القادر على إنتاج المعرفة والابتكار وبناء المؤسسات أصبح أعظمَ مصادرِ قوة الأمم، بينما ظل العالم العربي يراهن على تغيير الحكومات والأيديولوجيات واستيراد الدساتير والتقنيات، من دون أن يتجاوز بنية العجز؛ فتغيير السلطة لا يبني الدولة، وتحديث الأدوات لا يصنع، بذاته، مجتمعًا حديثًا.

***

تتجاوز الأزمة العربية أزمة السلطة إلى أزمة تكوين المواطن القادر على بناء الدولة؛ فالنهضة تقوم على علاقة تأسيس متبادل بين مواطن تسهم التربية والثقافة والمؤسسات في تكوينه، ودولة عادلة تحمي حقوقه وكرامته، وتكافئ الكفاءة والنزاهة، وتجعل القانون مرجعيةً مشتركةً للحياة العامة. وفي قلب هذه العلاقة يتشكل المواطن الحارس للمعنى؛ مواطنٌ لا يكتفي بحقوقه، بل يحترم القانون ويحمي المؤسسات والمصلحة العامة، ويصون معنى الوطن ويُجدّده مع الأجيال، لتبقى الدولة إطارًا جامعًا للحقوق والحريات والتعدد والعيش المشترك، لا سلطةً عابرة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يسبق أسئلة الحكم والسياسة: كيف نُكوّن المواطن القادر على حمل الدولة الحديثة، وتجديد معنى الوطن، وصناعة مستقبل عربي يشارك في بناء الحضارة الإنسانية؟

تكشف التجربة العربية الحديثة أحدَ أكبر أوهام التغيير العربي: الخلط بين تغيير السلطة وبناء الدولة. فقد شهد العالم العربي ثورات وانقلابات وانتخابات ومشاريع إصلاح، ووصلت إلى الحكم قوى امتلك بعضها إرادةً حقيقيةً للتغيير، لكنها راهنت على أن تغيير السلطة سيقود تلقائيًا إلى تغيير الدولة والمجتمع.

فالسلطة تتعلق بمن يحكم، أما الدولة فتتعلق بالقواعد والمؤسسات والقيم التي تُنظّم الحكم وتحدُّ من سلطته. لذلك قد تتغير الحكومات والقيادات والأيديولوجيات، فيما تبقى البنية السياسية العميقة على حالها: الزعامة أقوى من المؤسسة، والوساطة أكثر فاعلية من القانون، والولاءات الخاصة أقدر على توفير الحماية من المواطنة. وحين تتغير القوى الحاكمة من دون هذه القواعد، قد تعيد المعارضة في السلطة إنتاج الممارسات التي عارضتها؛ لأنها غيّرت من يمارس السلطة، لا القواعدَ التي تحكم ممارستها.

غير أن هذه البنية لا تنتجها السلطة وحدها؛ فهي تتكوّن داخل علاقة متبادلة بين الدولة والمجتمع. فالثقافة السياسية التي تبحث عن الحماية في الزعيم تعيد إنتاج الزعامة، والمؤسسة التي تكافئ الولاء والوساطة تعيد إنتاج المواطن المحتاج إليهما. وحين يصبح الانتماء أكثر ضمانًا للحق من القانون، والانتهازية أكثر جدوى من النزاهة، يتحول التكيف مع الخلل إلى سلوك عقلاني للبقاء، فتغدو الأزمة نظامًا يعيد إنتاج شروط استمراره.

ومن هنا يصبح جوهر النهضة تغيير قواعد إنتاج الدولة والمواطن معًا: أن ينتقل الحق من منحة تمنحها السلطة إلى قاعدة يضمنها القانون، والمؤسسة من أداة للنفوذ إلى إطار للمصلحة العامة، والإنسان من البحث عن الحماية في شبكات الولاء إلى امتلاك حقه بصفته مواطنًا. عندها لا يكون التغيير استبدالًا لمن يحكم، بل تحولًا في معنى الحكم والدولة والمواطنة.

وتبدأ النقلة الحاسمة بالانتقال من الرعية إلى المواطن؛ فالرعية تبحث عن الحماية لدى الشخص، أما المواطن فيطلب حقه من المؤسسة، ويتحمل مسؤولية اختياره ومشاركته في المجال العام. والحرية، بهذا المعنى، لا تقتصر على التحرر من القيود، بل تتجسد في القدرة على الاختيار والمساءلة وتحمل نتائج القرار.

***

تتجاوز المواطنة الصفة القانونية إلى تحول في الوعي والسلوك: من الولاء للأشخاص إلى الاحتكام إلى القانون، ومن انتظار الحماية إلى تحمل المسؤولية، ومن التلقي إلى المشاركة.

وهنا تظهر المسألة الأكثر حساسية: بناء الإنسان يعني تحرير قدرته، لا صناعته وفق نموذج جاهز. فالمشروع الذي يمنح الدولة أو النخبة حق تشكيل الإنسان وفق نموذج أيديولوجي مغلق يتحول من مشروع نهضة إلى مشروع وصاية. ومهمة الدولة الحديثة هي بناء الشروط التي تحرر قدرته على التفكير والاختيار والمشاركة، ليصبح مواطنًا حرًا ومسؤولًا.

وإذا كان تكوين المواطن شرطًا للنهضة، فإن صقل وعيه شرط استمرارها؛ فالعقل الذي يكتفي بالتلقي يعيد إنتاج أنماط التفكير والسلوك الموروثة، أما العقل الذي يسائلها وينقدها فيمتلك القدرة على تجاوزها وصناعة البدائل. ولذلك لا يستطيع العقل النقدي أن ينمو حيث تحتكر سلطة سياسية أو دينية أو أيديولوجية حق تعريف الحقيقة؛ فبناء المواطن يقتضي حماية حق السؤال والاختلاف والبحث، واختبار المعرفة بالحجة والبرهان لا بموقع قائلها.

غير أن النقد يحتاج إلى بوصلة قيمية تمنحه الاتجاه والمعنى؛ فالكرامة، والحرية المسؤولة، والعدالة، وسيادة القانون، واحترام الحقيقة، مبادئ تحفظ تماسك المجتمع، فيما تبقى وسائل تجسيدها مفتوحةً على التطور مع تقدم المعرفة والخبرة الإنسانية. فالتجدد الحقيقي لا يهدم القيم التي يقوم عليها المجتمع، بل يجدد طرائق تجسيدها في التاريخ.

ولا تنظّم المؤسسات حياة المجتمع فحسب، بل تكوّن علاقة الإنسان بالدولة؛ فالقضاء العادل يرسخ ثقته بالقانون، والإدارة النزيهة ثقته بالمؤسسة، وحصوله على حقه من دون وساطة أو امتياز يؤسس للكرامة المؤسسية، ويجعل المواطنة، لا الزعامة أو الولاء، أساس علاقته بالدولة. لكن المواطنة لا تكتمل بالحقوق وحدها، بل بالمشاركة وتحمل المسؤولية وصون المجال العام.

ومن هنا يكتمل معنى المواطن الحارس للمعنى؛ فهو يميز بين الوطن والنظام، وبين الدولة والسلطة، ويحمي القانون والشرعية الدستورية والمجال العام، ويصون المعنى الوطني من التفكك والجمود؛ لأن الوطن عقدٌ حي يتجدد مع الأجيال وينظم التعدد داخل مصير مشترك. وتمتد هذه المسؤولية إلى حماية الحقيقة؛ فحين يصبح التضليل أداةً للصراع، تتآكل الثقة التي يقوم عليها الاجتماع الوطني، وتصبح مسؤولية الكلمة جزءًا من مسؤولية المواطنة.

إقرأ على موقع 180  الأممية الطلابية، الثورة العربية.. وقضية فلسطين

***

وماذا عن الفارق بين التحديث والحداثة؟

يظهر الفارق في أن التكنولوجيا ورقمنة الإدارة واستيراد الدساتير أدوات تحديث، بينما تقوم الحداثة على العقل الذي يوجّه هذه الأدوات، والقيم التي تضبط استخدامها، والمؤسسات التي تضعها في خدمة الإنسان؛ أي على امتلاك القدرة على تحديد الغايات، لا امتلاك الوسائل وحدها.

فمأزق المجتمعات المتأخرة لا يكمن في افتقارها إلى منتجات الحضارة، بل في ضعف قدرتها على إنتاج شروطها؛ فاستيراد التكنولوجيا والمؤسسات لا يصنع نهضة من دون إنسان قادر على إنتاج المعرفة وبناء المؤسسة، فيما تعيد المؤسسة العادلة تكوين المواطن القادر على تطويرها وحمايتها. وهكذا تصبح النهضة انتقالًا من استهلاك الحضارة إلى المشاركة في إنتاجها.

وعند هذا الحد ينتقل سؤال النهضة إلى موقع المجتمع في العالم؛ فالمشاركة في الحضارة تبدأ حين يصبح الاستثمار في الإنسان جزءًا من بناء الدولة: تعليم يحرر العقل، ومؤسسات تكافئ الكفاءة، وثقافة تمنح المعرفة والعمل قيمةً عامة.

ولا يكتمل تكوين المواطن من دون تحرير علاقته بالعمل والإنتاج؛ فالاقتصاد الريعي قد يرسّخ ثقافة الانتظار والاعتماد على الدولة وشبكات النفوذ، بدل المبادرة والاستقلال. لذلك يرتبط بناء الإنسان بالانتقال من ثقافة الاستهلاك والامتياز إلى ثقافة الإنتاج والكفاءة، بحيث يصبح العمل مصدرًا للكرامة، والمعرفة قوةً اقتصادية، والابتكار طريقًا إلى المشاركة في الحضارة؛ فالأمم تدخل المستقبل بما تضيفه إلى العالم، لا بما تستورده منه.

ولا تتوقف هذه القدرة عند حدود الدولة الوطنية؛ فالدولة القادرة هي قاعدة أي تعاون عربي جاد، ومنها يمكن بناء مجال مشترك للمعرفة والبحث والابتكار والمصالح. فالمشروع العربي القابل للحياة لا يُبنى بالشعارات ولا بوحدة سياسية تُفرض من أعلى، بل بالمؤسسات والقدرات التي تجعل التعاون حاجةً مشتركة ومصدرًا للقوة.

غير أن السؤال يبقى: لماذا لم تنجح الدول العربية، برغم ما يجمعها من لغة وتاريخ ومصالح وموارد، في تحويل هذا المشترك إلى تعاون فعلي تحكمه اتفاقات رسمية وقواعد قانونية ملزمة، وتترجمه مؤسسات ومشاريع اقتصادية ومعرفية مستدامة؟

ويرتبط جانب من هذا العجز بعقل سياسي يرى في التشارك انتقاصًا من السيادة بدل أن يكون مضاعفةً للقدرة الوطنية، فضلًا عن اختلاف المصالح والأنظمة والتنافس الإقليمي وضعف الثقة. ولذلك بقيت السوق الواسعة والموارد المالية والطاقة والكفاءات البشرية عاجزةً عن التحول إلى منظومات متكاملة للإنتاج والبحث والاستثمار والتكنولوجيا.

وهنا ينبغي تجاوز الثنائية القديمة بين التجزئة والوحدة الشاملة: فالوحدة ليست شرطًا للتشارك، والتشارك لا يعني إلغاء السيادة، والتكامل لا يحتاج إلى دولة عربية واحدة. وهذا لا يسقط الوحدة العربية بوصفها أفقًا تاريخيًا وحلمًا حاضرًا في الوجدان؛ فقد اصطدم طريقها بعوائق خارجية لا يخدمها قيام كتلة عربية قوية ومستقلة، وأخرى داخلية تتصل ببنى السلطة والتنافس على القيادة والنفوذ والموارد.

لذلك لا ينبغي أن يبقى التعاون رهينة تعثر الوحدة، ولا أن يصبح تعثرها مبررًا لاستمرار التجزئة. فالمسار الممكن يبدأ بتعاون يحترم سيادة الدول ومصالحها، ويبني تدريجيًا الثقة والمؤسسات والقدرات المشتركة، بما يفتح آفاقًا أوسع للتكامل وربما للوحدة نفسها.

وهكذا يبدأ المشروع العربي من مواطن راسخ في دولته ومنفتح على فضائه العربي والعالم؛ فتتحول العروبة من خطاب هوية إلى قدرة على إنتاج المعرفة والمصالح والمؤسسات المشتركة، وتصبح الدولة الوطنية قاعدةً للتكامل، لا حاجزًا أمامه.

وبذلك يتغير معنى القوة؛ فقوة الأمم تقوم على إنسان ينتج المعرفة، ويجدد المؤسسات، ويحوّل الموارد إلى قدرة والانتماء إلى مسؤولية؛ فالدولة لا تقوى بما تملكه من موارد فحسب، بل بما تستطيع تحويله من طاقات مواطنيها إلى قدرة حضارية.

***

حين يتحول المواطن من موضوع للسياسة إلى شريك في صنعها وتحديد غاياتها، تصبح مسؤولية النخب العربية أعمق من إدارة الصراع على السلطة أو إنتاج خطاب جديد؛ إنها مسؤولية بناء الشروط التي تجعل العقل والكفاءة والقانون والمصلحة العامة قوى فاعلة في المجتمع والدولة. فأزمة المستقبل العربي تتفاقم حين يصبح تغيير الحاكم بديلًا من بناء الدولة، واستيراد التكنولوجيا بديلًا من إنتاج المعرفة، والشعار بديلًا من المشروع.

وهنا تبلغ القضية معناها التاريخي الأوسع؛ فالمستقبل العربي لن يتحدد فقط بالتحولات التي تجري في العالم والمنطقة، بل بقدرة العرب على فهمها والمشاركة في توجيهها وصناعة موقعهم داخلها. والأمة التي لا تنتج المعرفة التي تفهم بها عالمها، والمؤسسات التي تحوّل بها المعرفة إلى قدرة، تبقى موضوعًا لتحولات التاريخ أكثر مما تكون شريكًا في صناعتها.

إذن، من يصنع المستقبل العربي؟

يصنعه الإنسان حين يصبح مواطنًا؛ يفكر بحرية، وينتج المعرفة، ويتحمل مسؤولية اختياره، ويحمي المؤسسة بدل الاحتماء بالأشخاص، ويصون معنى الوطن من الاستيلاء والجمود، ويشارك في بناء فضائه العربي وفي الحضارة الإنسانية.

فالمستقبل لا يُورَّث ولا يُستورد؛ إنه يُبنى في الإنسان، وفي المؤسسة، وفي القانون، وفي المجال العام. وحين يعجز مجتمع عن تكوين المواطن القادر على حمل دولته وصناعة مستقبله، تتسع قدرة الآخرين على تحديد هذا المستقبل وفق مصالحهم.

ولذلك يصبح السؤال العربي الحاسم في القرن الحادي والعشرين أعمق من سؤال: من يحكم؟ إنه السؤال الذي يسبق الحكم، ويحدد معنى الدولة والنهضة وموقع الأمة في التاريخ:

أيُّ إنسانٍ نريد أن نكوّن، ليبني أيَّ دولة، ويصنع أيَّ مستقبل؟

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  ما بعد الحرب على إيران.. أوزان جديدة وزلازل جيوسياسية