إنه سليمان فرنجية.. هل يُطيح باسيل بالتفاهم مع حزب الله؟

ليس صدفة أن يهتز التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر، على مسافة أربعين يوماً من إنتهاء ولاية العماد ميشال عون الرئاسية، من جهة، وإنفتاح الآفاق الرئاسية أمام رئيس تيار المردة سليمان فرنجية من جهة ثانية.

للمرة الأولى منذ 16 سنة، يُطرح السؤال جدياً حول مستقبل التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر، أقله من خلال محاكاة مواقف رئيس التيار جبران باسيل الأخيرة، والتي يُتوقع أن يُتوّجَها الأحد المقبل بالمزيد من الإنزياح.. وسياسة رفع السقوف المُتدرجة.

وبديهي القول إن موضوع إنعقاد جلسة حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي ليس إلا الشرارة التي أوقدت الجمر في مدفأة الإنتخابات الرئاسية. شرارة بدأت تتطاير عندما كان باسيل مُجتمعاً قبل أسبوع من إنتهاء ولاية “الجنرال” بالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. “أنت وسليمان فرنجية نثق بكما. أنتما لا تطعنان في الظهر”، هذه المقدمة، أفضت إلى خلاصة أنه طالما أن الفرصة الرئاسية غير متوفرة لباسيل، فليكن فرنجية مرشحنا كفريق سياسي. لم يتصرف رئيس التيار، أقله كما كانت قيادة حزب الله تتوقع، ولا كما تعامل مع القطريين والفرنسيين عندما طلب منهم مؤخراً مهلة للتفكير في ما قدّموه إليه.

بالمقابل، لم يترك الباب مفتوحاً مع السيد نصرالله ولا طلب مهلة للتفكير. حسمها منذ اللحظة الأولى: لن أسير بفرنجية رئيساً للجمهورية.. ساق من الأسباب السياسية الموجبة ولا سيما المسيحية ما يجعله غير مستعد لتعديل موقفه ولا للقبول بضمانات الكل أعجز عن توفيرها له (ربطاً بعضوية العلاقة بين فرنجية ونبيه بري ونجيب ميقاتي وغيرهم). إنتهى ذلك الإجتماع المسائي في الضاحية بعبارة “للبحث صلة”، أي أن إستمرار الحوار الثنائي كفيلٌ بتقريب وجهات النظر.

ولعل باسيل هو أكثر قيادي سياسي لبناني إجتمع بنصرالله منذ العام 2006 حتى يومنا هذا. لا الوقت الذي أُعطيَ له ولا الإهتمام ذاته نال مثيلاً له أي قيادي، لا ضمن فريق 8 آذار وربما حتى ضمن حزب الله نفسه. الوقت هو إشارة واضحة إلى حرص حزب الله على تحصين التفاهم وعدم التفريط به، برغم المطبات الكثيرة التي واجهها، وعندما كان الكثيرون يجتهدون في محاولة التأويل، كانت الوقائع نفسها تُقدّم الجواب تلو الآخر: التفاهم ثابت وغير قابل للإهتزاز.

ولكن “شو عدا ما بدا” حتى أتت هذه “الموجة الباسيلية” غير المسبوقة؟

هذا هو حزب الله. هذه قيادته. هذا خطابه. هو قوة إقليمية أولاً ومحلية ثانياً، أقله منذ حرب تموز 2006 حتى يومنا هذا. حزب مسلح. زعيمه مُعمم. يؤمن بولاية الفقيه. خطه الأحمر الأول نبيه بري. خطه الأحمر الثاني محظور الفتنة السنية الشيعية. خطه الأحمر الثالث محظور الفتنة الشيعية المسيحية. يُقاتل في سوريا وينتصر لفلسطين. مُشتبك مع دول الخليج بسبب حرب اليمن. جيد جداً. كلها يعرفها جبران باسيل منذ 16 سنة.

إنها الرئاسة يا عزيزي.

لقد ثبُت بالوجه الشرعي أن الطقس الرئاسي في لبنان يُغشي الأبصار ويقلب الأولويات. هل نقول إن البعض يضع الرئاسة الأولى في مصاف وجودي؟ نعم يضعها في هذه الخانة، وهذه هي مشكلة جبران باسيل في هذه اللحظة السياسية اللبنانية.

كل حراك باسيل منذ إجتماعه الأخير بنصرالله يشي بأمر واحد: تعديل جدول أعمال قيادة حزب الله أو بالأحرى منع وصول فرنجية إلى رئاسة الجمهورية برغم كل الضمانات التي حصل عليها من شريكه في “التفاهم”. هنا يُطرح السؤال: هل يمكن أن يؤدي إستمرار تبني فرنجية إلى الإنفصال بين الحزب والتيار؟

عندما حاول سليمان فرنجية بين العامين 2014 و2016 الحصول على تعهد سواء من “الجنرال” عون أو من السيد نصرالله، بأن يكون هو “الخطة باء” للإثنين معاً، أتاه الجواب من “الحارة” و”الرابية” سلباً، ولو أن كل جواب كان مختلفاً عن الآخر بالشكل والمضمون. حسمها الأمين العام لحزب الله ومن قبل أن تنتهي ولاية ميشال سليمان. مرشحنا الوحيد لرئاسة الجمهورية هو ميشال عون. نقطة على أول السطر الرئاسي.

وبالفعل فعلها الحزب. صار عون رئيساً في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2016. قيل ليلتذاك لجبران باسيل في الرابية “مبروك”، فأجاب من كان يُبارك له “أنا فجعان بطبيعتي”. عملياً إنتهت معركة لتبدأ معركة أخرى. التأسيس لوصول الوريث إلى القصر الجمهوري، إلا أن المسار الذي أعقب 17 تشرين 2019، جعل الأمور تنقلب رأساً على عقب. لنعترف هنا بالقول الصريح: لم يشهد التاريخ اللبناني حفلة شيطنة لسياسي كما حصل مع باسيل، وبرغم ذلك، ظلّ الرجل واقفاً لا بل هجومياً، سياسةً وإعلاماً، حتى أن إسمه لا يغيب ساعة واحدة عن الإعلام اللبناني منذ عقد من الزمن على الأقل.

إنتهى الإستدراك. ماذا بعد؟

كل حراك باسيل منذ إجتماعه الأخير بنصرالله يشي بأمر واحد: تعديل جدول أعمال قيادة حزب الله أو بالأحرى منع وصول فرنجية إلى رئاسة الجمهورية برغم كل الضمانات التي حصل عليها من شريكه في “التفاهم”. هنا يُطرح السؤال: هل يمكن أن يؤدي إستمرار تبني فرنجية إلى الإنفصال بين الحزب والتيار؟

في السياسة، لا شيء مستحيلاً، لا سيما إذا كان أحد الطرفين يتصرف غريزياً وبلا ضابط إيقاع. منطق الهروب إلى الأمام يجعل باسيل غير راغب لأن يتقبل، ولو للحظة واحدة، فكرة أن فرنجية صار رئيساً للجمهورية. يستطيع أن يفترض وصول جوزف عون وسامي الجميل وميشال معوض وسمير جعجع لكن ليس إبن فرنجية. هل هو حقد شخصي أو موقف أيديولوجي؟ يحتاج الأمر إلى المزيد من التأمل.

لا بأس بالمراجعة سوية ولو إستطال المقال.

على جاري عادة الإسلام السياسي، كان حزب الله براغماتياً للغاية في العام 2005. سقط رفيق الحريري، فكان “التحالف الرباعي” (تفاهم شفهي) وسيلة ضبط للإنتخابات النيابية بأدوات محلية في ظل الإنسحاب المفاجىء لضابط الإيقاع السوري من جهة وتهافت “القناصل الأجانب” من جهة ثانية. قال حزب الله لسعد الحريري: لكم السلطة ولنا بندان أساسيان هما حماية المقاومة والتفاهم على القرارات الاساسيَّة قبل طرحها على طاولة مجلس الوزراء. في زحمة الإنتخابات، تبنى السيد نصرالله من المربع الأمني في الضاحية الجنوبية شعار الـ10452 كلم2. إستعار لوغو بشير الجميل في حضرة مرشح القوات اللبنانية في بعبدا إدمون نعيم، وطلب من جمهوره عدم التفريط بأي صوت خارج معادلة “الرباعي”.

لم يصمد هذا الإتفاق الرباعي سوى بضعة أسابيع بعد الإنتخابات وحصاد فريق 14 آذار الأكثرية المُشتهاة. برغم ذلك، كان العماد عون قد حصد غالبية الأصوات المسيحية (70%). حصد الرجل كتلة نيابية وازنة وذهب إلى قريطم. سرعان ما وجد الأبواب مقفلة بوجهه. قالها سعد الحريري لأقرب مستشاريه “أقطع يدي ولا أضعها بيد ميشال عون”. ذهب الجنرال إلى واشنطن في نهاية العام 2005. إلتقى عدداً من أعضاء فريق جورج دبليو بوش. سرعان ما تلقف الرسالة الأميركية السلبية. فور عودته إلى لبنان، فتح خطوطه على مصراعيها مع حزب الله الذي كان يخوض إشتباك المحكمة الدولية مع حكومة فؤاد السنيورة وفريق 14 آذار السياسي.. وبدأت رحلة التفاهم الذي توّج في كنيسة مار مخايل في السادس من شباط/فبراير 2006.

هذه الإستعادة المُكثفة وظيفتها القول إن من كان معزولاً ويُراد عزله أكثر هو التيار الحر. بالمقابل، كان حزب الله قد فتح شهية الآخرين على تقديم العروض له. داخلياً وخارجياً. من يُراجع محاضر الإجتماعات اللبنانية ـ السورية طيلة الفترة الممتدة من 2006 حتى 2008 يستطيع أن يستنتج أن جزءاً من التحشيد السياسي، بما في ذلك إعتصام وسط بيروت كانت أبرز وظائفه تعديل حكومة فؤاد السنيورة لإدخال باسيل إليها. فشلت كل تلك المحاولات، حتى كان 7 ايار/مايو 2008. جاء وزيرا خارجية تركيا (أحمد داود أوغلو) وقطر (حمد بن جاسم) إلى الضاحية الجنوبية وتركا محرك طائرتهما شغّالاً في المطار. سألا نصرالله عن “الثمن السياسي”، فكان جوابه “فقط التراجع عن القرارين (شبكة الإتصالات وإقالة العميد وفيق شقير)”. لاحقاً، تبين أن المعركة السياسية خيضت لأجل هدفين إثنين: قانون إنتخابي على قياس التيار الحر. توزير ثلاثة وزراء للتيار (جبران باسيل وماريو عون وعصام أبو جمرا). وللتذكير نال حزب الله في تلك الوزارة وزيراً واحدا هو محمد فنيش (حقيبة العمل)!

لم تمض سنة واحدة حتى تكرر المشهد. سقط باسيل في الإنتخابات النيابية عام 2009. تدخل سليمان فرنجية بالتنسيق مع نصرالله لدى رئيس سوريا بشار الأسد، فتواصل الأخير مع ملك السعودية عبدالله بن عبد العزيز، ففرضت الرياض باسيل وزيراً في حكومة سعد الحريري الأولى، برغم رسوبه في الإنتخابات، وهو الأمر الذي تكرّر في كل الحكومات بما فيها حكومتا نجيب ميقاتي (10 وزراء عونيين من 30 وزيراً)، وتمام سلام (وزيران من 24 وزيرا).. وجاء عهد ميشال عون بعد تعطيل للبلد إستمر سنتين ونصف السنة، بقدرة قادر أوحد إسمه حزب الله.. والباقي صار معروفاً كونه يتصل بالذاكرة الطرية القريبة!

سيأتي الجواب على هذه السردية بأن حزب الله أخذ مقابل هذه كلها وغيرها الكثير الكثير، ولا سيما مشروعية الغطاء المسيحي الذي حمى المقاومة. هذا الجواب التقليدي أول من كرّسه في ذهن الرأي العام هو حزب الله، وهذه مشكلته، لكن الصراحة تقتضي قولاً مختلفاً. لنفترض أن التفاهم لم يكن موجوداً هل كان حزب الله سيُهزم مثلاً في حرب تموز؟ هل كان سيعود منذ الأيام الأولى من سوريا وهو يجر أذيال الخيبة مُترحماً على دولة سورية أمدته بالأوكسيجين وإنتهت بيد “الدواعش”؟

إقرأ على موقع 180  محادثات فيينا.. التقاطعات تضيق والغموض يتسع

حكاية المقاومة والغطاء السياسي لا تحيلنا إلى لحظة حزب الله وحده. لم تكن هذه المقاومة تحظى منذ العام 1948 بغطاء سياسي وحتى شعبي. في العام 1982، عندما إنطلقت المقاومة من بيروت على يد شبان وشابات من أطياف مختلفة، كان لبنان قد دخل “العهد الإسرائيلي”، ولكن هذه المقاومة قلبت المعادلات وصولاً إلى التحرير في العام 2000. أين كان العماد عون في هذه المرحلة؟

حزب الله، وكلما “دق الكوز بالجرة”، يجد قبالته معزوفة “حميناكم كمقاومة”. لكن هل يُمكن تقريش تلك الحماية؟

جواب معظم العارفين إنها موازين قوى أولاً.. ولو هُزِم حزب الله في الحرب مع إسرائيل غداً، سينفك عنه كثيرون، وهذه حال من قاوموا قبله وهزموا. لا ينفي ذلك أسئلة أخرى حول إشكالية عدم ربط التحرير من الإحتلال بالتغيير في الداخل ولكن ليست هذه وظيفة هذه المراجعة. أما إذا كان التيار الحر يمارس ما يخالف قناعاته طوال المرحلة الماضية، فهذا يطرح أسئلة أخلاقية: هل كانت السلطة تحتاج إلى كل هذه “التنازلات” على حساب لبنان ودور المسيحيين وعلاقات لبنان الإقليمية والدولية؟

قصارى القول إن مقولتي “الصدق” و”الصدقية” تدحضهما وقائع كثيرة، كالنوم ليلاً في حضن هذا أو ذاك من القادة السياسيين والإستيقاظ نهاراً على خطاب نقيض مثل خطاب باريس الأخير وقبله “خطاب البلطجة”.. والأمثلة أكثر من أن تُحصى وتُعد (بالمناسبة، بعث باسيل برسالة إلى حزب الله أمس الأول أن المقصود بالنكث بالوعود ليس السيد نصرالله شخصياً!!!).

نعم، إقتضى الأمر بياناً يضع النقاط على الحروف. ولمن يعرف حزب الله، هو بيان مُذيل بتوقيع “العلاقات الإعلامية في حزب الله”. بيان مكتوب حتماً بقلم السيد نصرالله. ولو أردنا محاكاة مؤتمر باسيل من الزاوية الميثاقية، يمكن إستعادة وقائع كثيرة، أقلها يوم رفض حزب الله إجتماع حكومة تصريف الأعمال الميقاتية في نهاية العام 2013، وفضّل التمديد للجنرال جان قهوجي بقرار اتخذه وزير الدفاع بدل إنعقاد الحكومة لأجل تعيين شامل روكز قائداً للجيش. حينذاك، هدّد ميشال عون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أذكر أن “هناك” من قال في تلك اللحظة من خارج المقابلة المسجلة مع جريدة “السفير”: “عندما قال السيد جبران باسيل أننا طعناهم بالظهر خلافاً للتفاهم، قلنا إننا لسنا ممن يطعنون بالظهر. فموقفنا كان واضحاً ولم نتراجع عنه برغم عدم تفهم الجنرال عون، ثم هذه هي بنود التفاهم، فهل ينص التفاهم على عدم التمديد للمجلس او لقائد الجيش وهل ينص التفاهم على ثلث ضامن أو إنعقاد حكومة تصريف الأعمال”؟

لكأن هذا الكلام الذي قِيل قبل ثماني سنوات يتردد اليوم مجدداً.. ومن يُراجع السنوات الـ16 من عمر التفاهم سيجد أمثلة عديدة إهتز فيها التفاهم ودائماً من جانب واحد، على خلفية السلطة ومكاسبها فقط لا غير.

ماذا بعد؟

كان إلتئام حكومة تصريف الأعمال مؤخراً هو الذريعة. الأمر الأعمق هو الرئاسة. للمرة الأولى، تتعارض خيارات حزب الله والتيار الوطني الحر بشكل حاد. هناك مستقبل باسيل السياسي. إستنفد الرجل كل ذخائره. لا حليف له ولا صديق لا في الداخل ولا في الخارج. لا صديق لباسيل حتى في التيار الوطني الحر نفسه. صارت الضاحية الجنوبية أشبه بحائط مبكى. معظم وزراء ونواب وقيادات وكوادر التيار الحر يأتون شاكين.. وباكين. حتى المعارضين الذين خرجوا من التيار لم يجدوا أفضل من حزب الله متفهماً لدوافعهم. قيل لكل هؤلاء “مصلحتنا بأن يبقى التيار موحدا وقوياً”. طلب البعض في الإنتخابات بضع مئات من الأصوات، فكان الجواب سلبياً جداً. كانت أرقام باسيل تشي بحصوله على عشرة مقاعد في الإنتخابات الأخيرة فقط. أبلغه حزب الله بأنك ستحصل على ضعفهم وهذا ما كان. ثلاث هدايا نيابية في عكار (بالتكافل مع السوريين الذين تتسم نبرتهم بالغضب الشديد عليه وعلى زيارته الموعودة)؛ أربع هدايا في بيروت والبقاع الشمالي والبقاع الأوسط والبقاع الغربي.. وحتماً لولا أصوات طلال ارسلان ووئام وهاب في الشوف وعاليه لما أمكن للتيار أن يحصد ثلاثة مقاعد على حساب الحليفين الدرزيين. زدْ على ذلك ثلاثة نواب لحزب الطاشناق ربحوا في لوائح خاضت الإنتخابات ضد التيار كما حصل في المتن الشمالي.

نال جبران باسيل مُراده في الإنتخابات. ذخيرته متوفرة بأكبر كتلة نيابية في المجلس النيابي (من يبقى أو لا يبقى فيها “مستقبلاً” هذا أمر آخر). ميشال عون عاد إلى الرابية رئيساً متقاعداً. ماذا بعد؟

إذا تمكن سليمان فرنجية من إحداث خرق في جدار الصد السعودي الآخذ بالتداعي تدريجياً، فإن فرصته تصبح عالية جداً، من دون الرهان على أصوات التيار الوطني الحر الـ 18. حتماً سيتوفر له ما يفيض عن الـ 65 صوتاً التي أخذها نبيه بري، بينها أصوات وليد جنبلاط الثمانية وأصوات كل المستقبليين (12) والطاشناق (3) والثنائي (31) وفرنجية نفسه (4) ومن تمون عليهم السعودية من النواب السنة والمسيحيين (بالتقاطع مع أنطون صحناوي وآخرين).

هذه “الحسبة”، برغم ما قد يشوبها من نقصان أو مبالغة، إستدعت الإستنفار. جاءت زيارتا الدوحة وباريس في هذا السياق. قدّم الفرنسيون والقطريون العرض الأميركي: جوزف عون رئيساً للجمهورية. وبرغم غياب الضمانات الأكيدة، لم يُقفل جبران باسيل الباب السياسي المتصل إتصالاً وثيقاً بالملف الأهم وهو رفع العقوبات عنه. وعند محاولته طرح أسئلة حول مرشح محتمل للتسوية، بدا الجواب القطري والفرنسي مثل جواب السيد نصرالله: نملك الخطة الف ولا خطة باء عندنا.

قرّر رئيس التيار تشغيل محركاته في أكثر من إتجاه. السعودية تقفل أبوابها بوجهه. لذا، لم تُفتح أبواب معراب، برغم الإلحاح، في محاولة متكررة لإعادة إنتاج معادلة خريف العام 2015، أي إسقاط ترشيح فرنجية مجدداً. ترك جعجع نافذة صغيرة للأخذ والرد. إذا خرج باسيل من “التفاهم” يُصبح سعره الداخلي والخارجي، أبخس مما يعتقد. إذا تبنى خطاب القوات، فإن حفلة التجييش الطائفي المسيحي ستطيح به في نهاية الأمر، فالناس تذهب إلى “الأصيل” في الخطاب وليس إلى “الوكيل” المستجد. الأخطر أن التيار يُشيطن طائفة بأكملها بعنواني “السلاح” و”الفساد” (لنترقب في المرحلة المقبلة إغراق المجلس النيابي بالعرائض البرتقالية النيابية رداً على فتح ملف وزراء الإتصالات وأولهم نقولا صحناوي!).

كان إلتئام حكومة تصريف الأعمال مؤخراً هو الذريعة. الأمر الأعمق هو الرئاسة. للمرة الأولى، تتعارض خيارات حزب الله والتيار الوطني الحر بشكل حاد. هناك مستقبل باسيل السياسي. إستنفد الرجل كل ذخائره. لا حليف له ولا صديق لا في الداخل ولا في الخارج. لا صديق لباسيل حتى في التيار الوطني الحر نفسه

كان بإمكان جبران باسيل أن يُصارح الأمين العام لحزب الله بأن مصلحته بعد إنتهاء ولاية العماد عون وإستحالة فرصته الرئاسية والإصرار على تبني فرنجية، تقتضي الخروج من التفاهم طوعاً وحُبياً، ولعله بذلك كان يُجيب على سؤال لطالما طرحه الحزب عليه بأنك عندما تجد مصلحة في التخلص من “التفاهم” لا مانع لدينا، لكن فقط نطلب منك أن نبقى أصدقاء ولا نقحم قواعدنا وشوارعنا في إشكاليات “الإنقلاب”!

للأسف، يجد جبران باسيل نفسه هذه المرة تائهاً عند مستديرة سياسية يُمكن أن تقوده في أكثر من إتجاه:

-منعطف واشنطن الذي يُؤسس لرفع العقوبات وممره الإلزامي الخروج من التفاهم نهائياً لا التلويح بذلك، وهذه نقطة سرّعت سابقاً قرار العقوبات بحقه عندما قدّم وعوداً ولم يلتزم بها، ناهيك عن إستياء الأميركيين من تعامله مع زيارة وزير خارجيتهم مايك بومبيو (لا ننسى ولا نسامح).

-منعطف التفاهم مع القوات اللبنانية والدخول في حفلة تجييش طائفي ستطيح حتماً بفرنجية.. وحتى الآن يقفل جعجع الأبواب.

-منعطف التفاهم مع السعودية وادخال البلد في إشتباك طائفي (سني مسيحي مقابل الشيعة)، وهو خيار يرفضه السعوديون حتى الآن.

-منعطف البقاء ضمن التفاهم ولكن مع توسيع هامش التمايز والإصرار على الإطاحة بخيار فرنجية، لكن السؤال ماذا إذا نجح حزب الله في إيصال فرنجية من دون أصوات التيار الوطني الحر؟

لنتذكر أن باسيل هو من خرج من التفاهم مع القوات وهو من خرج من التفاهم مع سعد الحريري وهو من “خان” الأميركيين عندما قرر إبرام تفاهم مار مخايل.. وهو القادر على الإطاحة بالتفاهم مع حزب الله ساعة يشاء.

هل الفرصة متاحة لتسوية ما تكون بديلة لخيارات الغرق في كل الإتجاهات؟

الخيارات متوفرة، وقاعدتها الإقرار بإستحالة الفرصة الرئاسية أولاً والتدقيق في طبيعة التفاهم الممكن إبرامه مع الناخبين والمرشحين المحتملين ثانياً.. للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  فرنسا تكسب معركة ضد الصين: "لا" لاستقلال كاليدونيا الجديدة